
نبذة عن الكتاب:
يَستخرج أبو الفضائل أحمد بن محمَّد بن المظفَّر بن المختار الرَّازي في «حجج القرآن» الآيات التي استدلَّت بها الطَّوائف المختلفة على أصولها العقديَّة ومسائلها الكلاميَّة، فيجمع لكلِّ قول ما يتعلَّق به من أدلَّة القرآن، ثمَّ يضمُّ إليها في مواضع كثيرة ما ورد في معناها من الأحاديث، ويشرح الألفاظ والمعاني التي تحتاج إلى بيان. وينطلق في ذلك من ملاحظة أنَّ كلَّ طائفة تحتجُّ بنصوص من الكتاب وتؤول أدلَّة مخالفيها على مقتضى مذهبها، فجعل غرضه استيعاب هذه الحجج وعرضها قبل الحكم على أصحابها، لا الاقتصار على أدلَّة مذهب واحد أو بناء الكتاب على مجرَّد مناقشة مقالات المتكلِّمين. وقد ردَّ أصول الافتراق إلى ثماني طوائف متقابلة: الجبريَّة والقدريَّة، والمرجئة والوعيديَّة، والصِّفاتيَّة والجهميَّة، والشِّيعة والخوارج، ثمَّ وسَّع دائرة المسائل حتى جاوزت حدود هذه المقابلات إلى قضايا أصول الدِّين والكلام والاجتهاد والسُّلوك.
ويرتِّب الرَّازي الكتاب في 30 بابًا، ويفتتحه بحجج أهل التَّوحيد على وحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ، مستدلًّا بالآيات التي تنفي تعدُّد الآلهة بما يلزم عنه من التَّمانع والفساد، ومنها قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا}، وقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}. ولا يكتفي بنقل الآيات، بل يبيِّن وجه الاحتجاج منها؛ فلو تعدَّدت الآلهة لوقع التَّنازع والتَّدافع في الملك، وهو ما ينزِّه الله تعالى عنه.
ويعرض بعد ذلك حجج الجبريَّة في الإرادة والمشيئة والهداية والضَّلالة وتقليب القلوب والإغواء والكتابة والخلق والقدر، فيجمع الآيات المتعلِّقة بكلِّ أصل، ويحصي مواضعها، ثمَّ يعقد فصولًا لتفسير ما أشكل من ألفاظها ومعانيها. فيجمع مثلًا آيات الإرادة، ثمَّ آيات المشيئة، ويتتبَّع مواضع نفي الهداية وإثبات الإضلال، وما ورد في ختم القلوب والطَّبع عليها وإزاغتها وصرفها، وما يدلُّ على سبق الكتابة وتقدير الأمور. ويعقب ذلك بحجج القدريَّة في الإرادة والمشيئة أيضًا، وفي نسبة الكفر والمعصية إلى إزلال الشَّيطان، وإضافة الظُّلم والفعل إلى العباد، ونفي الظُّلم عن الله تعالى، وتأثير فعل العبد، ثمَّ يورد الأحاديث التي تتَّصل بهذه المسائل، فتظهر طريقة الكتاب في وضع أدلَّة الاتجاهات المتقابلة بعضها بإزاء بعض.
ويوازن بالطَّريقة نفسها بين حجج المرجئة وحجج الوعيديَّة في مرتكب الكبيرة؛ فيجمع للمرجئة ما استدلُّوا به على بقاء اسم الإيمان والإسلام لصاحب الكبيرة، واستحقاقه المغفرة والرَّحمة ودخوله في دعاء الملائكة والأنبياء، وما احتجُّوا به في الوعد والرَّجاء وعدم نزع الإيمان من المؤمن، ثمَّ ينتقل إلى أدلَّة الوعيديَّة على نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة واستحقاقه الوعيد والنَّار والعذاب والتَّأبيد فيها. ويُتبع حجج كلِّ جانب بما أورده من الأحاديث في الباب، من غير أن يحوِّل ترتيب الكتاب إلى مناظرة مطوَّلة بين الفريقين.
ويجمع في باب الصِّفاتيَّة ما احتُجَّ به في الجهة والوجه والعين واليد وسائر الصِّفات، ثمَّ يقابله بحجج الجهميَّة والقائلين بنفي الجهة المعيَّنة أو بالقرب الذَّاتي أو بالمعيَّة، وما يتَّصل بذلك من فهم الآيات الواردة في هذه المعاني. ويواصل عرض المسائل المتقابلة فيجمع حجج الشِّيعة في عدم حجِّيَّة إجماع الصَّحابة رضي الله عنهم، وفي إمامة عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وما نُسب إلى بعضهم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ثمَّ يورد في الباب المقابل حجج القائلين بحجِّيَّة الإجماع وفضل الصَّحابة رضي الله عنهم وصحَّة خلافة الخلفاء الثَّلاثة، ويضيف ما ورد في ذلك من الأحاديث.
ويفرد للخوارج بابًا واسعًا يجمع فيه الحجج المنسوبة إلى أقوال متعدِّدة لهم، فيذكر ما احتجَّ به القائلون ببطلان التَّحكيم، وعدم وجوب الإمامة، وجواز الخروج على الإمام، ثمَّ ينتقل إلى مسائل عصمة الأنبياء عليهم السَّلام، فيورد ما استُدلَّ به على جواز وقوع الظُّلم أو الكفر أو المعاصي منهم، أو تسلُّط الشَّيطان عليهم، أو وقوع الخوف والقتل وما يجري على سائر البشر. والمقصود في هذا الموضع تسجيل وجوه الاحتجاج القرآني التي استندت إليها تلك الأقوال ضمن بنية الكتاب الجامعة لحجج الطَّوائف، لا تقرير مضمون كلِّ حجَّة بوصفه رأي المؤلِّف.
ويخصِّص أبوابًا متتابعة للخلاف في كلام الله تعالى؛ فيجمع حجج القائلين بأنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وما استدلُّوا به في الحرف والصَّوت، وفي أنَّ المسموع عين كلام الله، وفي قدم القرآن، ثمَّ يقابل ذلك بحجج القائلين بخلق القرآن، ويرتِّبها على دلالات الخلق والجعل والحدوث. ويتبع ذلك بالخلاف في رؤية الله تعالى في الجنَّة، فيجمع أدلَّة المثبتين من آيات اللِّقاء والنَّظر والرُّؤية، ثمَّ يورد حجج النَّافين للرُّؤية في باب مستقلٍّ، محافظًا على أصل منهجه في إفراد كلِّ مقالة بما استُدلَّ به لها من النَّص القرآني.
وينتقل إلى حقيقة الإيمان وعلاقته بالإسلام والعمل، فيعقد أبوابًا لحجج القائلين بأنَّ الإيمان قول وعمل وعقد بالقلب، ثمَّ للقائلين بأنَّه قول بلا عمل ولا نيَّة، ثمَّ لمن جعله التَّصديق، ويعرض الخلاف في اتِّحاد الإيمان والإسلام أو تغايرهما، وفي زيادة الإيمان ونقصانه، ثمَّ يذكر حجج القائلين بأنَّ الرِّضا بالكفر لا يكون كفرًا. ويتَّسع البحث بعد ذلك إلى علاقة العمل بالجزاء، فيقابل بين من احتجَّ على أنَّ الجنَّة جزاء الأعمال ومن احتجَّ على أنَّ دخول المؤمنين إيَّاها فضل وعطاء من الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ يعرض الخلاف في جواز التَّكليف بما لا يطاق وعدم جوازه.
ويجمع في مسائل المعاد حجج المسلمين في البعث والنُّشور، ثمَّ يتناول خلق الجنَّة والنَّار، والخلاف في فنائهما أو الخلود فيهما، وما قيل في معنى التَّأبيد، وإثبات الشَّفاعة ونفيها. ويتَّصل بذلك ما أورده في فناء العالم وعذاب القبر ونفيه، فتدخل هذه القضايا في البناء نفسه القائم على استخراج النُّصوص التي يمكن أن يستند إليها كلُّ قول، بدل الاقتصار على تقرير نتيجة عقديَّة واحدة ثمَّ سوق أدلَّتها وحدها.
ويجعل الباب 29 للمسائل المتفرِّقة التي لا يجمعها أصل واحد، فيضمُّ إليه طائفة واسعة من القضايا الكلاميَّة والأصوليَّة واللُّغويَّة؛ فيورد حجج مثبتِي عذاب القبر ونافيه، والقائلين بأنَّ المعارف سمعيَّة أو عقليَّة، والخلاف في المقتول وهل مات بأجله، وفي مشروعيَّة الجدل، واعتبار النَّسب، وإيمان آباء الأنبياء عليهم السَّلام، والمفاضلة بين الملائكة وبني آدم، واتِّحاد الاسم والمسمَّى أو تغايرهما، وكون المعدوم شيئًا أو نفي ذلك عنه. كما يتناول التَّوسُّع في الكلام، ودلالة «لعلَّ» إذا وردت من الله تعالى، وحمل المطلق على الكامل أو المقيَّد، وعدم جواز الإجماع على خلاف الكتاب والسُّنَّة، وحقيقة السِّحر، وإمكان العلم بذات الله تعالى.
ويمضي في الباب نفسه إلى حجج من أجاز الاستعانة بغير الله تعالى فيما يقدر عليه المخلوق، ثمَّ الخلاف في المفاضلة بين الأنبياء عليهم السَّلام، فيذكر ما استُدلَّ به على تفضيل النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وما استُدلَّ به على فضل إبراهيم عليه السَّلام، وما احتُجَّ به لنفي التَّفاضل أو إثباته. ويعرض كذلك أدلَّة القائلين بصحَّة الاجتهاد والقياس، مثل الاستنباط والاعتبار، ثمَّ يقابلها بما احتجَّ به من أبطل الاجتهاد من ذمِّ الظَّن والأمر بالرَّدِّ إلى الله تعالى والرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم. ويذكر ارتفاع الخطايا بالتَّوبة، ومسألة نسل القردة والخنازير الممسوخين، ودلالة الواو على التَّرتيب، ثمَّ يورد في أواخر هذا الباب حججًا من القرآن نُسب الاستدلال بها إلى النَّصارى واليهود.
ويفرد الباب الأخير للخلاف في الغنى والفقر، فيبدأ بحجج القائلين بفضل الغنى، ويرتِّبها على معانٍ قرآنيَّة متعدِّدة: تسمية المال فضلًا من الله تعالى، وتسميته خيرًا وحسنةً ورحمةً ورزقًا حسنًا، والأمر بحفظه والنَّهي عن تبذيره وإتلافه وأكله بالباطل، وربط بعض ألوان السَّعة والرِّزق بالطَّاعة والاستغفار، وما ورد في القرآن من أحوال الصَّحابة رضي الله عنهم مع المال وامتنان الله تعالى على نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم بالغنى. ثمَّ يضمُّ إلى ذلك أحاديث في الغنى والاستعاذة من الفقر والجوع والدَّين، وفي فضل المال الصَّالح إذا وُضع في حقِّه.
ويقابل هذه الحجج بأدلَّة القائلين بفضل الفقر، فيجمع الآيات التي تصف المال والأولاد بالفتنة، وتحذِّر من الطُّغيان عند الاستغناء، والبطر عند النِّعمة، والبغي عند بسط الرِّزق، والانشغال بزخرف الدُّنيا، وعدم نفع المال عند الهلاك. ثمَّ يختم مادَّة الباب بالأحاديث المحذِّرة من زهرة الدُّنيا والتَّنافس فيها وعبوديَّة الدِّينار والدِّرهم، ويورد الحديث الدَّال على أنَّ حقيقة الغنى ليست كثرة العَرَض وإنَّما غنى النَّفس.
ويصرِّح الرَّازي عقب هذه المادَّة بأنَّه أورد ما جمعه من «حجج القرآن» لأهل الملل والآراء ليعارض التَّعجُّل في التَّكفير والتَّضليل والتَّجهيل لمجرَّد المخالفة، وليبيِّن ضرورة النَّظر في أصول الاستدلال وعدم الجمود على ظاهر النَّصوص مع رفض التَّأويل مطلقًا. ويربط ذلك بما استنبطه من مسائل الأصول من القرآن وما أيَّده بالأخبار وكشف المعاني، فتأتي خاتمة الكتاب متَّصلةً مباشرةً بالمنهج الذي سار عليه في أبوابه: جمع النُّصوص التي تعلَّقت بها الأقوال المتعارضة، وبيان أنَّ مجرَّد استناد طائفة إلى ظاهر دليل لا يكفي وحده لفهم المسألة أو الحكم على مخالفيها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














