
نبذة عن الكتاب:
يُناظر موفَّق الدِّين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي في هذا الكتاب قولًا عقديًّا في حقيقة كلام الله تعالى والقرآن، ويعرض الرسالة على صورة احتجاج وردٍّ على الشُّبَه التي دارت في مناظرة جرت بينه وبين أحد مخالفيه. ويحدِّد موضع الخلاف منذ البداية في أنَّ القرآن عنده كلام الله عزَّ وجلَّ، وهو هذه السُّور الـ114 التي أوَّلها الفاتحة وآخرها المعوِّذتان، بما تشتمل عليه من سور وآيات وحروف وكلمات، وهو متلوٌّ مسموع مكتوب، في مقابل القول الذي ينسبه إلى خصومه بأنَّ هذه السُّور والآيات ليست هي القرآن حقيقةً، وإنَّما هي عبارة عنه أو حكاية له، وأنَّها مخلوقة، أمَّا كلام الله تعالى فهو عندهم معنى واحد قائم بالنَّفس لا يتجزَّأ ولا يتعدَّد ولا ينزل ولا يُتلى ولا يُسمع ولا يُكتب.
ويردُّ أولًا على الاستدلال بأنَّ تعدُّد السُّور والآيات والكلمات يقتضي خلقها؛ فيعارض ذلك بتعدُّد صفات الله تعالى وأسمائه وكلماته، ويستشهد بما جاء في القرآن من إثبات الأسماء الحسنى وكلمات الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ يوسِّع الإلزام إلى الكتب المنزَّلة؛ فالتَّوراة والإنجيل والزَّبور والقرآن كتب متعدِّدة، ولا يلزم عنده من تعدُّدها القول بخلق كلام الله تعالى. ويبيِّن أنَّ جعل الكلام معنى واحدًا لا يتعدَّد يفضي -بحسب إلزامه- إلى إبطال الفروق بين الكتب، وبين الأمر والنَّهي، والإثبات والنَّفي، والقصص المختلفة، إذ لا يبقى على هذا التَّصوُّر معنى حقيقيٌّ لتعدُّد الكلام واختلاف مدلولاته.
ويُكثِر من الاستدلال بالآيات التي تصف القرآن بالنُّزول والإنزال، مثل قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}، وقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، وقوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}، ويجعل هذه النُّصوص دالَّة على أنَّ المنزل على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هو القرآن نفسه، لا مجرَّد عبارة مخلوقة تدلُّ على معنى آخر لم ينزل. ويضمُّ إلى ذلك ما جاء في إنزال التَّوراة على موسى عليه السَّلام وسائر الكتب على الأنبياء عليهم السَّلام، محتجًّا بأنَّ النُّصوص نسبت الإنزال إلى الكتب ذاتها.
ويردُّ على شبهة امتناع الحروف في كلام الله تعالى بدعوى أنَّ الحروف لا تخرج إلا من مخارج وأدوات، فيرفض قياس صفة الله عزَّ وجلَّ على صفة المخلوق؛ لأنَّ لوازم كلام الإنسان لا يلزم أن تكون لوازم كلام الخالق. ويقيس ذلك على العلم والسَّمع والبصر؛ فالإنسان لا يحصل له السَّمع والبصر إلا بآلات مخصوصة، مع إثبات السَّمع والبصر لله تعالى من غير إثبات آلات المخلوقين له. ويستشهد كذلك بما أخبر القرآن عن إنطاق الله عزَّ وجلَّ الأيدي والأرجل والجلود والسَّماء والأرض، ليدلَّ على أنَّ القدرة الإلهيَّة لا تُقاس بالكيفيَّة التي يعرفها الإنسان من نفسه.
ويستدلُّ على أنَّ السُّور والآيات والحروف هي القرآن نفسه بآيات الإشارة إلى «هذا القرآن»، وبآيات التَّحدِّي بالإتيان بمثله، وبوصفه بأنَّه عربيٌّ ومفصَّل الآيات ومتلوٌّ ومسموع. ويحتجُّ بأنَّ التَّحدِّي لا يتعلَّق بمعنى خفيٍّ لا يعرفه المخاطبون ولا يستطيعون إدراكه، وإنَّما تعلَّق بالقرآن العربيِّ الذي سمعوه وعرفوا نظمه، فقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}، كما يستدلُّ بما حكاه القرآن عن الكفَّار من طلب الإتيان بقرآن غيره أو تبديله، وادِّعائهم القدرة على قول مثله.
ويضيف إلى دلالة القرآن الاستدلال بالسُّنَّة واستعمال المسلمين؛ فيورد ما جاء في فضل تلاوة القرآن والحسنات المرتَّبة على حروفه، ثمَّ يحتجُّ بما استقرَّ في أحكام المسلمين من قراءة القرآن في الصَّلاة، وترتيله، وتعلُّمه وحفظه، ووجود النَّاسخ والمنسوخ فيه، ووقوع الإعجاز والتَّحدِّي بسوره. ويجعل هذه الاستعمالات كلَّها متعلِّقة بالقرآن المتلوِّ المعروف المؤلَّف من السُّور والآيات والكلمات، لا بمعنى لا يُتلى ولا يُسمع ولا يُحفظ.
ويُفصِّل مسألة إطلاق «الحروف» على القرآن، فيردُّ على الاعتراض بأنَّ هذا اللَّفظ لم يرد، محتجًّا أولًا بأنَّ ثبوت المعنى لا يتوقَّف في كلِّ موضع على ورود العبارة الاصطلاحيَّة نفسها، كما يتحدَّث المسلمون عن عدد السُّور والآيات والأحزاب والأسباع. ثمَّ يسوق ما ورد في السُّنَّة والآثار من إطلاق الحرف على أجزاء القرآن، ويذكر الحديث في الأجر على قراءة الحروف، وما نُقل عن عليٍّ وابن مسعود رضي الله عنهما وغيرهما، ويستشهد كذلك بالحروف المقطَّعة في أوائل السُّور، مثل {الم} و{الر}، ويرى أنَّ كون النَّظم القرآنيِّ مشتملًا على حروف وكلمات أمر ظاهر لا يحتاج في أصله إلى استدلال اصطلاحيٍّ مستقل.
وينتقل إلى مسألة كلام الله تعالى بالصَّوت، فيستدلُّ بقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}، وبذكر النِّداء والكلام من وراء حجاب، ويقرِّر أنَّ موسى عليه السَّلام سمع كلام الله تعالى من غير واسطة. وينقل أخبارًا وآثارًا في النِّداء والصَّوت، ثمَّ يردُّ على قول من يجعل الصَّوت مفتقرًا بالضَّرورة إلى الهواء والأجرام بما ردَّ به على شبهة مخارج الحروف؛ فلا يجعل الكيفيَّة المعروفة في كلام البشر معيارًا لصفة الخالق. ويقرِّر في هذا الموضع منهجه في الصِّفات، وهو الوقوف مع ما جاء في الكتاب والسُّنَّة، وإثبات ما أثبته الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم من غير تعدٍّ إلى كيفيَّات لم يرد بها النَّص.
ويجعل اتِّباع السَّلف أصلًا حاكمًا على هذه المسائل، فيستشهد بالأمر باتِّباع الصِّراط المستقيم واتِّباع الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وبالوصيَّة بلزوم السُّنَّة وسُنَّة الخلفاء الرَّاشدين، وينقل عن ابن مسعود رضي الله عنه الأمر بالاتِّباع وترك الابتداع، وعن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ما يؤكِّد الوقوف عند آثار السَّابقين. ثمَّ يستحضر محنة القول بخلق القرآن، وما وقع لأهل السُّنَّة فيها من حبس وضرب وأذى، ليقرِّر أنَّ القرآن الذي دار عليه ذلك الخلاف التاريخي هو القرآن المعروف من السُّور والآيات، لا معنى آخر منفصل عنه.
ويبحث وجود القرآن في المصاحف، فيردُّ على القول بأنَّه ليس فيها إلا الورق والمداد، مستدلًّا بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ}، وقوله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}، وبالنَّهي عن السَّفر بالقرآن إلى أرض العدوِّ. ويحتجُّ كذلك بما استقرَّ عند المسلمين من تعظيم المصحف وأحكام مسِّه والحلف به، ويرى أنَّ هذه الأحكام لا تستقيم مع حصر الموجود فيه في الورق والحبر، لأنَّ اختصاص المصحف بالتَّعظيم والأحكام إنَّما يتعلَّق بما كُتب فيه من كلام الله تعالى.
ويعود إلى أصل المناظرة نفسها، فيذكر أنَّ مناظره صرَّح له في الخلوة بأنَّ هذا الذي بين أيدي المسلمين «قرآن» ولكنَّه ليس القرآن القديم، فسأله ابن قدامة عن لزوم إثبات قرآنين، فنقل عنه قبول هذا اللَّازم. ويستعمل هذه الواقعة لإبراز ما يراه تناقضًا بين إطلاق اسم القرآن على النَّظم العربيِّ الموجود وبين نفي أن يكون هو كلام الله تعالى غير المخلوق، كما يعترض على إخفاء بعض المتكلِّمين تفصيل مذهبهم عن العامَّة مع إظهار تعظيم المصاحف والقرآن أمامهم.
ويحتجُّ بعد ذلك باستمرار الاعتقاد والعمل عبر طبقات المسلمين، فيسأل: لو كان التَّفريق بين القرآن العربيِّ المتلوِّ وبين كلام الله تعالى هو الاعتقاد الصَّحيح، فكيف لم يُنقل بهذا البيان عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين والأئمَّة، مع شدَّة الحاجة إلى بيانه؟ ويجعل عدم ظهور هذا التَّفصيل في خطابهم واستعمالهم، مع تواتر إطلاق القرآن وكلام الله على ما يُقرأ ويُحفظ ويُكتب، حجَّةً على أنَّ المذهب الذي يدافع عنه هو الموافق لما استقرَّ عليه السَّلف في هذه المسألة.
ويتناول في أواخر الرسالة احتجاج خصومه بكثرة أتباعهم وقوَّتهم وجاههم، فيرفض جعل الكثرة والمال والسُّلطان دليلًا على صحَّة الاعتقاد، ويستشهد بما حكاه القرآن عن أقوام الأنبياء حين عيَّروا أتباع الرُّسل بضعفهم، وبقول قوم نوح عليه السَّلام: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}، وبما وقع بين المستكبرين والمستضعفين من قوم صالح عليه السَّلام، وبقول المكذِّبين: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}. ويستحضر كذلك سؤال هرقل لأبي سفيان رضي الله عنه عن أتباع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، واستدلاله باتِّباع الضُّعفاء له على موافقته حال الرُّسل.
ويختم مناقشته بالتَّحذير من الاغترار بزينة الدُّنيا وقوَّة المخالف وكثرة أتباعه، مستشهدًا بالآيات الآمرة بالصَّبر مع الذين يدعون ربَّهم، والنَّاهية عن مدِّ العين إلى متاع الدُّنيا، وبحديث عمر رضي الله عنه حين رأى أثر الحصير في جنب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما كان فيه الرُّوم وفارس من سعة، فأجابه بما يفيد أنَّ لهم الدُّنيا وللمؤمنين الآخرة. ثمَّ يدعو بالثَّبات على الإسلام والسُّنَّة، ويورد في آخر الرِّسالة أبياتًا لأبي الحسن علي بن أبي بكر الطَّرازي في نقد أهل الكلام ومقالتهم في القرآن، وتنتهي الأبيات بالتَّثبيت على الصَّبر وأنَّ الحقَّ لا يضيع وإن ظهر الباطل زمنًا.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














