مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب إعراب القرآن لإسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني PDF
كتاب إعراب القرآن لإسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني PDF

نبذة عن الكتاب:

يُحلِّل إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني في هذا الكتاب تراكيب الآيات وألفاظها من جهة النَّحو والصَّرف والاشتقاق واللُّغة، ويصل ذلك بمعاني القرآن وتفسيره وقراءاته، فلا يقف عند تعيين المرفوع والمنصوب والمجرور، بل يبحث سبب الإعراب وما يحتمله التَّركيب من أوجه، ويوازن بين مذاهب النَّحويين، ويختار الوجه الذي يراه أقيس في العربيَّة وأوفق بسياق الآية. ويسير في مادَّته على ترتيب المصحف، بعد استهلال يذكر فيه المكيَّ والمدنيَّ من السُّور وما استُثني من آياتها، ثمَّ يبدأ بالبسملة وينتقل إلى السُّور، مستخرجًا من الآيات مسائل لغويَّة ونحويَّة وتفسيريَّة متفاوتة الطُّول.

ويبدأ تحليل البسملة بتفسير ألفاظها، ثمَّ يفرد مسائل لموضع الباء من «بسم الله»، وسبب جرِّها وتحريكها واختيار الكسرة لها، ووزن «اسم» واشتقاقه، والخلاف في ردِّه إلى السُّمو أو السِّمة، ثمَّ يبحث اشتقاق اسم «الله» عزَّ وجلَّ وأصله وما قيل فيه من مذاهب. ويعرض في هذه المسائل أقوال البصريين والكوفيين والخليل وسيبويه والفرَّاء وغيرهم، ولا يكتفي بنقلها، بل يستدلُّ بالتَّصغير والجمع والتَّصريف واستعمال العرب والشَّواهد الشِّعريَّة، ويرجِّح بين الأقوال؛ فيقرِّر مثلًا أنَّ مذهب البصريين في اشتقاق «اسم» من السُّمو أقوى من جهة التَّصريف، مع بيان وجه القوَّة في قول الكوفيين من جهة المعنى.

ويجري كثير من الكتاب في صورة سؤال وجواب، فيقول: «وممَّا يُسأل عنه أن يقال»، ثمَّ يحدِّد الإشكال ويذكر الأجوبة المحتملة وأدلَّتها واعتراضاتها. ففي قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} يفصِّل أوجه «إذا»، فيجعلها ظرفًا زمانيًّا متضمِّنًا معنى الشَّرط، أو ظرف مكان في استعمال آخر، أو جوابًا للشَّرط في موضع آخر، ويستطرد إلى الخلاف المشهور بين سيبويه والكسائي في «فإذا هو هي» و«فإذا هو إيَّاها»، ثمَّ ينتصر للتحليل الذي يوجب الرَّفع عند وقوع الضَّمير معرفةً لا تصلح للحاليَّة.

ويجمع عند تحليل الآية بين الإعراب والدَّلالة المعجميَّة والتَّفسير؛ ففي قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} يشرح «المثل» و«الاستيقاد» و«الوقود» و«الإضاءة» و«الظُّلمة»، ثمَّ يبيِّن معنى المثل المضروب للمنافقين، وبعد ذلك يعود إلى البنية النَّحويَّة فيسأل عن تشبيه الجماعة بـ«الذي» المفرد، ويعرض احتمالات حمل الموصول على معنى الجمع أو تقدير المحذوف، ثمَّ يعرب «مثلهم» و«كمثل الذي»، ويناقش زيادة الكاف، ويقارن ذلك بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، مستعينًا بالشَّاهد الشِّعري لتقرير الاستعمال العربي.

ويُفصِّل أحيانًا الاحتمالات الإعرابيَّة للكلمة الواحدة حتى تتبيَّن آثارها في المعنى، كما يفعل في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً}؛ فيبحث وظيفة «ما» ووجوه نصب «بعوضة»، وينقل ما قيل في إسقاط حرف الخفض والبدل وغيرهما، ثمَّ يختار جعل «بعوضة» مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ «ضرب المثل» صار في معنى «جعل»، ويستدلُّ لذلك بمقابلة قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ} بقوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ}. ويذكر كذلك وجوه الرَّفع والقراءات واختلاف العرب في «يستحيي» و«يستحي».

ويستثمر علم الصَّرف والاشتقاق في تفسير الأبنية القرآنيَّة، فيردُّ الكلمات إلى أصولها، ويزنها، ويبحث الحروف الأصليَّة والزَّوائد والإعلال والإبدال والقلب والحذف والإدغام، ويستشهد بتصاريف الكلمة وجموعها ومصغَّراتها. كما يفسِّر الحروف والأدوات بحسب وظائفها المختلفة، فيبحث «إذ» و«إذا» و«ثمَّ» و«ما» و«من» والواو والفاء واللَّام والباء والكاف وهمزة الاستفهام وغيرها، ويبيِّن متعلَّقات الجارِّ والمجرور، والعوامل في الظُّروف والأحوال، ومواضع الجمل من الإعراب، وما يجوز حذفه وتقديره وما لا يجوز.

ويظهر اهتمامه بالخلاف النَّحوي في مواضع كثيرة؛ فيورد مذاهب سيبويه والخليل والمبرِّد والزَّجَّاج والأخفش والمازني من البصريين، ومذاهب الكسائي والفرَّاء وغيرهما من الكوفيين، ويناقش علل الفريقين بدل الاكتفاء بنسبة الأقوال إليهم. وقد يصف قولًا بأنَّه أقيس أو أجود أو أظهر، ويردُّ آخر لضعف دليله أو لمخالفته أصلًا نحويًّا. وفي قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} يرفض القول بزيادة «إذ» ما دام يمكن حملها على معنى صحيح، ويقرِّر أنَّه لا ينبغي الإقدام على القول بالزِّيادة في القرآن مع إمكان تخريج اللَّفظ من غيرها.

وتدخل القراءات في صميم تحليله؛ إذ يذكر اختلاف القرَّاء متى ترتَّب عليه اختلاف في البناء أو الحركة أو الإعراب أو الدَّلالة، ويوجِّه كلَّ قراءة بحسب العربيَّة، ويوازن أحيانًا بينها من جهة القياس والاستعمال. كما يستحضر ما نُقل في بعض المصاحف والقراءات غير المشهورة حين يخدم المسألة اللُّغويَّة، ويستعين باختلاف اللُّغات العربيَّة واللهجات لتفسير اختلاف الأداء أو البناء، فينسب بعض الظَّواهر إلى أهل الحجاز أو بني تميم أو غيرهم، ويجعل كثرة الاستعمال والقياس وما عليه جمهور القرَّاء من وجوه التَّرجيح.

ويكثر من الشَّاهد الشِّعري وكلام العرب لإثبات الأبنية والدَّلالات والتَّراكيب، فيستشهد بأشعار الجاهليين والإسلاميين والرُّجَّاز، ويورد أحيانًا أكثر من شاهد للمسألة الواحدة. ولا يأتي الشِّعر عنده للزِّينة، بل يحتجُّ به على معنى لفظ، أو حركة، أو حذف، أو قلب، أو مجيء مفرد بمعنى الجمع، أو استعمال حرف على وجه مخصوص. ويستند كذلك إلى كتب اللُّغة وأقوال أئمَّتها، فيشرح الألفاظ الغريبة ويبيِّن تعدُّد معاني الكلمة في كلام العرب قبل تعيين المراد منها في الآية.

ويمتزج الإعراب بالتَّفسير امتزاجًا ظاهرًا، فيذكر أقوال ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والحسن وغيرهم، ويورد أسباب النُّزول والأخبار التي تعين على بيان المراد، ثمَّ ينظر في مناسبة التَّفسير للفظ والتَّركيب. ففي قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} يشرح معنى «الرَّب» واشتقاق «الملائكة» ووجوه «جعل» ومعنى «الخليفة»، ثمَّ يناقش المراد بالخلافة وكيف علمت الملائكة بوقوع الإفساد وسفك الدِّماء، ويبحث همزة {أَتَجْعَلُ فِيهَا}، فلا يرتضي إخراجها عن أصل الاستفهام بلا ضرورة، ثمَّ يختار أنَّها للاستِرشاد، أي إنَّ الملائكة سألت عن وجه المصلحة في ذلك.

ويستفيد من النَّحو كذلك في دفع ما قد يُتوهَّم من التَّعارض في الآيات؛ فعند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} يناقش دلالة «ثمَّ» وعلاقة خلق الأرض بالسَّماء، ويقابل الآية بآيات سُورة النَّازعات، ثمَّ يفرِّق بين خلق الأرض ودحوها، فلا يجعل قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} دالًّا على ابتداء خلقها بعد بناء السَّماء. ويبحث في الموضع نفسه معنى «استوى»، ويورد ما نُقل في تفسيره، ويربط قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} بما سبقه من ذكر القدرة وخلق السَّماوات والأرض.

ولا يلتزم في جميع السُّور مقدارًا واحدًا من التَّفصيل؛ فبعض الآيات تفتح أمامه مسائل طويلة متشعِّبة، وبعضها يقتصر فيه على لفظة أو تركيب أو قراءة. ويستمرُّ بهذه الطَّريقة في السُّور المتتابعة، فيختار المواضع التي تقتضي بيانًا نحويًّا أو صرفيًّا أو لغويًّا أو تفسيريًّا، مع بقاء الإعراب محورًا يجتمع حوله سائر ما يورده. ولذلك لا يمثِّل الكتاب إعرابًا آليًّا لكلِّ كلمة من القرآن، بل معالجةً لمسائل منتقاة من تراكيبه، تتَّسع حين يقتضي الموضع مناقشة أصل نحوي أو خلاف أو قراءة أو دلالة لغويَّة.

ويواصل هذا النَّهج في قصار السُّور، فيبحث في سُورة العصر دلالة «الإنسان» على الجنس وما يترتَّب على ذلك من صحَّة الاستثناء، وفي سُورة الهمزة وجوه إعراب {الَّذِي جَمَعَ مَالًا} بين البدل والنَّصب على إضمار «أعني» والرَّفع على إضمار «هو»، وفي سُورة قريش متعلَّق اللَّام في {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} وأقوال الخليل وسيبويه والفرَّاء فيها، وفي سُورة الماعون موضع {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} واحتماله النَّعت أو النَّصب أو الرَّفع، ثمَّ يشرح أصل «الماعون» وما قيل في معناه.

ويُفصِّل في سُورة الإخلاص تركيب قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فيجعل «هو» مبتدأ و«الله» مبتدأ ثانيًا و«أحد» خبره والجملة خبر المبتدأ الأوَّل على مذهب البصريين، وينقل قول الكسائي في جعل «هو» عمادًا ثمَّ يردُّه لانتفاء شروط العماد، ثمَّ يعرب {اللَّهُ الصَّمَدُ} ويعرض وجوه «الصَّمد» واشتقاق «أحد» والقراءات الواردة فيه، ويذكر في {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} احتمال جعل «كفوًا» خبرًا لـ«يكن» أو حالًا مع جعل الجارِّ والمجرور خبرًا.

ويبحث في سُورة الفلق قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} فيجعل «ما» في موضع جرٍّ بإضافة «شرِّ» إليها، ويناقش قراءة «من شرٍّ ما خلق» بالتَّنوين وما ينبني عليها من توجيه، ثمَّ يشرح «الغاسق» و«وقب». وينتهي في سُورة النَّاس إلى قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}، فيشرح «الوسواس» و«الخنَّاس»، ويورد ثلاثة أقوال في توجيه المراد بالوسواس، ثمَّ يناقش تعلُّق {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} وما نقله الفرَّاء في إطلاق «النَّاس» على الجنِّ والإنس، ويختار الوجه الذي يجعل الاستعاذة من شرِّ الإنس والجنِّ.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

قوام السنة إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني

الإمام العلَّامة الحافظ، شيخ الإسلام، أبو القاسم إسماعيل بن مُحَمَّد بن الفضل بن علي بن أحمد بن طاهر القرشي التَّيمي، ثمَّ الطَّلحي الأصبهاني، الملقَّب بقَوَّام السُّنَّة، مصنِّف كتاب «التَّرغيب والتَّرهيب».

مولده في سنة سبع وخمسين وأربعمائة.

سمع أبا عمرو عبد الوهَّاب بن أبي عبد الله بن مَنْدَه، وعائشة بنت الحسن، وإبراهيم بن مُحَمَّد الطَّيَّان، وأبا الخير مُحَمَّد بن أحمد بن ررا، والقاضي أبا منصور بن شَكْرَوَيْه، وأبا عيسى عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن زياد، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، ومُحَمَّد بن أحمد بن علي السِّمْسَار، وأحمد بن عبد الرحمن الذَّكْواني، والرَّئيس أبا عبد الله الثَّقفي، وطبقتهم بأصبهان، وأبا نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزَّيْنبي، وعاصم بن الحسن، وخلقًا ببغداد، وأبا بكر بن خلف الشِّيرازي، وأبا نصر مُحَمَّد بن سهل السَّرَّاج، وعبد الرحمن بن أحمد الواحدي، وأقرانهم بنيسابور. وأقدم سماعه من مُحَمَّد بن عمر الطَّهراني، صاحب ابن مَنْدَه، في سنة سبع وستِّين، وهو ابن عشر سنين.

وسمع بمكَّة، وجاور سنة، وأملى وصنَّف، وجرَّح وعدَّل، وكان من أئمَّة العربيَّة أيضًا، وفي تواليفه الأشياء الموضوعة كغيره من الحفَّاظ.

حدَّث عنه: أبو سعد السَّمعاني، وأبو العلاء الهَمَذاني، وأبو طاهر السِّلَفي، وأبو القاسم بن عساكر، وأبو موسى المديني، وأبو سعد الصَّائغ، ويحيى بن محمود الثَّقفي، وهو سبطه، وعبد الله بن مُحَمَّد بن حمد الخبَّاز، وأبو الفضائل محمود بن أحمد العَبْدَكوي، وأبو نجيح فضل الله بن عثمان، والمؤيَّد بن الإخوة، وأبو المجد زاهر بن أحمد الثَّقفي، وخلق سواهم.

قال أبو موسى المديني: أبو القاسم إسماعيل الحافظ إمام أئمَّة وقته، وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السُّنَّة في زمانه، حدَّثنا عنه جماعة في حال حياته، أصمت في صفر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، ثمَّ فلج بعد مدَّة، ومات يوم النَّحر سنة خمس وثلاثين. واجتمع في جنازته جمع لم أر مثلهم كثرة. وكان أبوه أبو جعفر مُحَمَّد صالحًا ورعًا، سمع من سعيد العيَّار، وقرأ القرآن على أبي المظفَّر بن شبيب، وتوفِّي في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة... إلى أن قال: ووالدته كانت من ذريَّة طلحة بن عبيد الله التَّيمي، أحد العشرة رضي الله عنهم.

قال أبو موسى: قال إسماعيل: سمعت من عائشة وأنا ابن أربع سنين، وقد سمع من أبي القاسم بن عليك في سنة إحدى وستِّين.

قال أبو موسى: ولا أعلم أحدًا عاب عليه قولًا ولا فعلًا، ولا عانده أحد إلا ونصره الله، وكان نزه النَّفس عن المطامع، لا يدخل على السَّلاطين، ولا على من اتَّصل بهم، قد أخلى دارًا من ملكه لأهل العلم مع خفَّة ذات يده، ولو أعطاه الرَّجل الدُّنيا بأسرها لم يرتفع عنده. أملى ثلاثة آلاف وخمسمائة مجلس، وكان يملي على البديهة.

وقال الحافظ يحيى بن مَنْدَه: كان أبو القاسم حسن الاعتقاد، جميل الطَّريقة، قليل الكلام، ليس في وقته مثله.

وقال عبد الجليل كوتاه: سمعت أئمَّة بغداد يقولون: ما رحل إلى بغداد بعد الإمام أحمد أفضل ولا أحفظ من إسماعيل.

قلت: هذا قول من لا يعلم.

وقال أبو موسى المديني في ذكر من هو على رأس المائة الخامسة: لا أعلم أحدًا في ديار الإسلام يصلح لتأويل الحديث إلا إسماعيل الحافظ.

قلت: وهذا تكلُّف؛ فإنَّه على رأس المائة الخامسة ما اشتهر، إنَّما اشتهر قبل موته بعشرين عامًا.

وروي عن إسماعيل الحافظ أنَّه قال: ما رأيت في عمري من يحفظ حفظي.

قال أبو موسى: وقرأ بروايات على جماعة من القرَّاء، وأمَّا التَّفسير والمعاني والإعراب، فقد صنَّف فيه كتبًا بالعربيَّة وبالفارسيَّة، وأمَّا علم الفقه فقد شهرت فتاويه في البلد والرَّساتيق.

قال أبو المناقب مُحَمَّد بن حمزة العلوي: حدَّثنا الإمام الكبير، بديع وقته، وقريع دهره، أبو القاسم إسماعيل بن مُحَمَّد... فذكر حديثًا.

وبلغنا عن أبي القاسم تعبُّد وأوراد وتهجُّد، فقال أبو موسى: سمعت من يحكي عنه في اليوم الذي قدم بولده ميتًا، وجلس للتَّعزية، أنَّه جدَّد الوضوء في ذلك اليوم مرَّات نحو الثَّلاثين، كلُّ ذلك يصلِّي ركعتين. وسمعت بعض أصحابه أنَّه كان يملي شرح «صحيح مسلم» عند قبر ولده أبي عبد الله، ويوم تمامه عمل مأدبة وحلاوة كثيرة.

وكان ابنه ولد في سنة خمسمائة، ونشأ، صار إمامًا في اللُّغة والعلوم، حتَّى ما كان يتقدَّمه كبير أحد في الفصاحة والبيان والذَّكاء، وكان أبوه يفضِّله على نفسه في اللُّغة وجريان اللِّسان. أملى جملة من شرح «الصَّحيحين»، وله تصانيف كثيرة مع صغر سنِّه، مات بهمذان سنة ستٍّ وعشرين، وفقده أبوه.

وسمعت أحمد بن حسن يقول: كنَّا مع الشَّيخ أبي القاسم، فالتفت إلى أبي مسعود الحافظ، فقال: أطال الله عمرك، فإنَّك تعيش طويلًا، ولا ترى مثلك.

فهذا من كراماته.

إلى أن قال الحافظ أبو موسى: وله التَّفسير في ثلاثين مجلَّدًا، سمَّاه «الجامع»، وله تفسير آخر في أربع مجلَّدات، وله «الموضِّح» في التَّفسير في ثلاث مجلَّدات، وكتاب «المعتمد» في التَّفسير عشر مجلَّدات، وكتاب «السُّنَّة» مجلَّد، وكتاب «سير السَّلف» مجلَّد ضخم، وكتاب «دلائل النُّبوَّة» مجلَّد، وكتاب «المغازي» مجلَّد، وأشياء كثيرة.

وقال مُحَمَّد بن ناصر الحافظ: حدَّثنا أبو جعفر مُحَمَّد بن الحسن، ابن أخي إسماعيل الحافظ، حدَّثني أحمد الأُسْواري، الذي تولَّى غسل عمِّي، وكان ثقة، أنَّه أراد أن ينحِّي عن سوأته الخرقة لأجل الغسل، قال: فجبذها إسماعيل بيده، وغطَّى فرجه، فقال الغاسل: أحياة بعد موت؟!

قال أبو سعد السَّمعاني: أبو القاسم هو أستاذي في الحديث، وعنه أخذت هذا القدر، وهو إمام في التَّفسير والحديث واللُّغة والأدب، عارف بالمتون والأسانيد، كنت إذا سألته عن المشكلات، أجاب في الحال. وهب أكثر أصوله في آخر عمره، وأملى بالجامع قريبًا من ثلاثة آلاف مجلس. وكان أبي يقول: ما رأيت بالعراق من يعرف الحديث ويفهمه غير اثنين: إسماعيل الجَوْزي بأصبهان، والمؤتمن السَّاجي ببغداد.

قال أبو سعد: تلمذت له، وسألته عن أحوال جماعة. قال: ورأيته وقد ضعف، وساء حفظه.

وقال مُحَمَّد بن عبد الواحد الدَّقَّاق: كان أبو القاسم عديم النَّظير، لا مثل له في وقته، كان ممَّن يضرب به المثل في الصَّلاح والرَّشاد.

وقال أبو طاهر السِّلَفي: هو فاضل في العربيَّة ومعرفة الرِّجال.

وقال أبو عامر العَبْدَري: ما رأيت أحدًا قط مثل إسماعيل، ذاكرته، فرأيته حافظًا للحديث، عارفًا بكلِّ علم، متفنِّنًا، استعجل عليه بالخروج. روى السِّلَفي هذا عن العَبْدَري.

وقال السِّلَفي: وسمعت أبا الحسين بن الطُّيوري غير مرَّة يقول: ما قدم علينا من خراسان مثل إسماعيل بن مُحَمَّد.

قلت: قول أبي سعد السَّمعاني فيه: «الجَوْزي» بضمِّ الجيم وبزاي، هو لقب أبي القاسم، وهو اسم طائر صغير.

وقد سئل أبو القاسم التَّيمي رحمه الله: هل يجوز أن يقال: لله حد أو لا؟ وهل جرى هذا الخلاف في السَّلف؟ فأجاب: هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلَّة وقوفي على غرض السَّائل منها، لكنِّي أشير إلى بعض ما بلغني. تكلَّم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أنَّ حدَّ كلِّ شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد، لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب. وإن كان غرضه بذلك: لا يحيط علمه تعالى بنفسه، فهو ضال، أو كان غرضه أنَّ الله بذاته في كلِّ مكان، فهو أيضًا ضال.

قلت: الصَّواب الكف عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نص، ولو فرضنا أنَّ المعنى صحيح، فليس لنا أن نتفوَّه بشيء لم يأذن به الله، خوفًا من أن يدخل القلب شيء من البدعة، اللهمَّ احفظ علينا إيماننا.

وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر أبا نصر الحسن بن مُحَمَّد اليونارتي الحافظ، فرجَّحه على أبي القاسم إسماعيل، فالله أعلم. وكأنَّ ابن عساكر لمَّا رأى إسماعيل بن مُحَمَّد وقد كبر ونقص حفظه، قال هذا.

قد مرَّ أنَّه مات سنة خمس وثلاثين.

وفيها مات الإمام الكبير المحدِّث أبو الحسن رزين بن معاوية العَبْدَري السَّرَقُسْطي المجاور، والفقيه البديع أبو علي أحمد بن سعد العجلي الهَمَذاني، والعلَّامة اللُّغوي الإمام أبو عبد الله جعفر بن مُحَمَّد بن مَكِّي بن أبي طالب القيسي القرطبي، ومسند بغداد أبو منصور عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن زُريق الشَّيباني القزَّاز، ومسند العصر قاضي المارستان أبو بكر مُحَمَّد بن عبد الباقي الأنصاري البغدادي، والزَّاهد القدوة يوسف بن أيوب الهَمَذاني بمرو، ومسند نيسابور أبو الفتوح عبد الوهَّاب بن شاه الشَّاذياخي، والمعمَّر أبو الحسن مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن توبة الأسدي العُكْبَري، وأخوه أبو منصور عبد الجبَّار.

أخبرنا مُحَمَّد بن عمر بن محمود الفقيه، أخبرنا مُحَمَّد بن عبد الهادي، أخبرنا يحيى بن محمود، أخبرنا جدِّي لأمِّي إسماعيل بن مُحَمَّد الحافظ بأصبهان، أخبرنا أبو نصر مُحَمَّد بن سهل السَّرَّاج، أخبرنا عبد الملك بن الحسن الأزهري، حدَّثنا أبو عَوَانة، حدَّثنا الحسن بن علي بن عفَّان، وإبراهيم بن مسعود الهَمَذاني، قالا: حدَّثنا ابن نُمير، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، فلها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، له بما احتسب، ولها بما أنفقت».

قال أبو موسى المديني: سألت إسماعيل يومًا: أليس قد روي عن ابن عبَّاس في قوله «استوى»: قعد؟ قال: نعم. قلت له: إسحاق بن راهويه يقول: إنَّما يوصف بالقعود من يمل القيام. قال: لا أدري أيش يقول إسحاق.

وسمعته يقول: أخطأ ابن خزيمة في حديث الصُّورة، ولا يطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب.

قال أبو موسى: أشار بهذا إلى أنَّه قلَّ إمام إلا وله زلَّة، فإذا ترك لأجل زلَّته، ترك كثير من الأئمَّة، وهذا لا ينبغي أن يفعل.

وعن أبي مسعود عبد الرحيم، قال: كنَّا نمضي مع أبي القاسم إلى بعض المشاهد، فإذا استيقظنا من اللَّيل رأيناه قائمًا يصلِّي.

وذكر أبو موسى في نسبة أبي القاسم التَّيمي الطَّلحي أنَّ ذلك النَّسب له من جهة أمِّه، ثمَّ قال: وابن أخت القوم منهم.

المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.

عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب إعراب القرآن لإسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني PDF - مكتبة الكتب الإسلامية