
نبذة عن الكتاب:
يُحلِّل إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني في هذا الكتاب تراكيب الآيات وألفاظها من جهة النَّحو والصَّرف والاشتقاق واللُّغة، ويصل ذلك بمعاني القرآن وتفسيره وقراءاته، فلا يقف عند تعيين المرفوع والمنصوب والمجرور، بل يبحث سبب الإعراب وما يحتمله التَّركيب من أوجه، ويوازن بين مذاهب النَّحويين، ويختار الوجه الذي يراه أقيس في العربيَّة وأوفق بسياق الآية. ويسير في مادَّته على ترتيب المصحف، بعد استهلال يذكر فيه المكيَّ والمدنيَّ من السُّور وما استُثني من آياتها، ثمَّ يبدأ بالبسملة وينتقل إلى السُّور، مستخرجًا من الآيات مسائل لغويَّة ونحويَّة وتفسيريَّة متفاوتة الطُّول.
ويبدأ تحليل البسملة بتفسير ألفاظها، ثمَّ يفرد مسائل لموضع الباء من «بسم الله»، وسبب جرِّها وتحريكها واختيار الكسرة لها، ووزن «اسم» واشتقاقه، والخلاف في ردِّه إلى السُّمو أو السِّمة، ثمَّ يبحث اشتقاق اسم «الله» عزَّ وجلَّ وأصله وما قيل فيه من مذاهب. ويعرض في هذه المسائل أقوال البصريين والكوفيين والخليل وسيبويه والفرَّاء وغيرهم، ولا يكتفي بنقلها، بل يستدلُّ بالتَّصغير والجمع والتَّصريف واستعمال العرب والشَّواهد الشِّعريَّة، ويرجِّح بين الأقوال؛ فيقرِّر مثلًا أنَّ مذهب البصريين في اشتقاق «اسم» من السُّمو أقوى من جهة التَّصريف، مع بيان وجه القوَّة في قول الكوفيين من جهة المعنى.
ويجري كثير من الكتاب في صورة سؤال وجواب، فيقول: «وممَّا يُسأل عنه أن يقال»، ثمَّ يحدِّد الإشكال ويذكر الأجوبة المحتملة وأدلَّتها واعتراضاتها. ففي قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} يفصِّل أوجه «إذا»، فيجعلها ظرفًا زمانيًّا متضمِّنًا معنى الشَّرط، أو ظرف مكان في استعمال آخر، أو جوابًا للشَّرط في موضع آخر، ويستطرد إلى الخلاف المشهور بين سيبويه والكسائي في «فإذا هو هي» و«فإذا هو إيَّاها»، ثمَّ ينتصر للتحليل الذي يوجب الرَّفع عند وقوع الضَّمير معرفةً لا تصلح للحاليَّة.
ويجمع عند تحليل الآية بين الإعراب والدَّلالة المعجميَّة والتَّفسير؛ ففي قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} يشرح «المثل» و«الاستيقاد» و«الوقود» و«الإضاءة» و«الظُّلمة»، ثمَّ يبيِّن معنى المثل المضروب للمنافقين، وبعد ذلك يعود إلى البنية النَّحويَّة فيسأل عن تشبيه الجماعة بـ«الذي» المفرد، ويعرض احتمالات حمل الموصول على معنى الجمع أو تقدير المحذوف، ثمَّ يعرب «مثلهم» و«كمثل الذي»، ويناقش زيادة الكاف، ويقارن ذلك بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، مستعينًا بالشَّاهد الشِّعري لتقرير الاستعمال العربي.
ويُفصِّل أحيانًا الاحتمالات الإعرابيَّة للكلمة الواحدة حتى تتبيَّن آثارها في المعنى، كما يفعل في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً}؛ فيبحث وظيفة «ما» ووجوه نصب «بعوضة»، وينقل ما قيل في إسقاط حرف الخفض والبدل وغيرهما، ثمَّ يختار جعل «بعوضة» مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ «ضرب المثل» صار في معنى «جعل»، ويستدلُّ لذلك بمقابلة قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ} بقوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ}. ويذكر كذلك وجوه الرَّفع والقراءات واختلاف العرب في «يستحيي» و«يستحي».
ويستثمر علم الصَّرف والاشتقاق في تفسير الأبنية القرآنيَّة، فيردُّ الكلمات إلى أصولها، ويزنها، ويبحث الحروف الأصليَّة والزَّوائد والإعلال والإبدال والقلب والحذف والإدغام، ويستشهد بتصاريف الكلمة وجموعها ومصغَّراتها. كما يفسِّر الحروف والأدوات بحسب وظائفها المختلفة، فيبحث «إذ» و«إذا» و«ثمَّ» و«ما» و«من» والواو والفاء واللَّام والباء والكاف وهمزة الاستفهام وغيرها، ويبيِّن متعلَّقات الجارِّ والمجرور، والعوامل في الظُّروف والأحوال، ومواضع الجمل من الإعراب، وما يجوز حذفه وتقديره وما لا يجوز.
ويظهر اهتمامه بالخلاف النَّحوي في مواضع كثيرة؛ فيورد مذاهب سيبويه والخليل والمبرِّد والزَّجَّاج والأخفش والمازني من البصريين، ومذاهب الكسائي والفرَّاء وغيرهما من الكوفيين، ويناقش علل الفريقين بدل الاكتفاء بنسبة الأقوال إليهم. وقد يصف قولًا بأنَّه أقيس أو أجود أو أظهر، ويردُّ آخر لضعف دليله أو لمخالفته أصلًا نحويًّا. وفي قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} يرفض القول بزيادة «إذ» ما دام يمكن حملها على معنى صحيح، ويقرِّر أنَّه لا ينبغي الإقدام على القول بالزِّيادة في القرآن مع إمكان تخريج اللَّفظ من غيرها.
وتدخل القراءات في صميم تحليله؛ إذ يذكر اختلاف القرَّاء متى ترتَّب عليه اختلاف في البناء أو الحركة أو الإعراب أو الدَّلالة، ويوجِّه كلَّ قراءة بحسب العربيَّة، ويوازن أحيانًا بينها من جهة القياس والاستعمال. كما يستحضر ما نُقل في بعض المصاحف والقراءات غير المشهورة حين يخدم المسألة اللُّغويَّة، ويستعين باختلاف اللُّغات العربيَّة واللهجات لتفسير اختلاف الأداء أو البناء، فينسب بعض الظَّواهر إلى أهل الحجاز أو بني تميم أو غيرهم، ويجعل كثرة الاستعمال والقياس وما عليه جمهور القرَّاء من وجوه التَّرجيح.
ويكثر من الشَّاهد الشِّعري وكلام العرب لإثبات الأبنية والدَّلالات والتَّراكيب، فيستشهد بأشعار الجاهليين والإسلاميين والرُّجَّاز، ويورد أحيانًا أكثر من شاهد للمسألة الواحدة. ولا يأتي الشِّعر عنده للزِّينة، بل يحتجُّ به على معنى لفظ، أو حركة، أو حذف، أو قلب، أو مجيء مفرد بمعنى الجمع، أو استعمال حرف على وجه مخصوص. ويستند كذلك إلى كتب اللُّغة وأقوال أئمَّتها، فيشرح الألفاظ الغريبة ويبيِّن تعدُّد معاني الكلمة في كلام العرب قبل تعيين المراد منها في الآية.
ويمتزج الإعراب بالتَّفسير امتزاجًا ظاهرًا، فيذكر أقوال ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والحسن وغيرهم، ويورد أسباب النُّزول والأخبار التي تعين على بيان المراد، ثمَّ ينظر في مناسبة التَّفسير للفظ والتَّركيب. ففي قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} يشرح معنى «الرَّب» واشتقاق «الملائكة» ووجوه «جعل» ومعنى «الخليفة»، ثمَّ يناقش المراد بالخلافة وكيف علمت الملائكة بوقوع الإفساد وسفك الدِّماء، ويبحث همزة {أَتَجْعَلُ فِيهَا}، فلا يرتضي إخراجها عن أصل الاستفهام بلا ضرورة، ثمَّ يختار أنَّها للاستِرشاد، أي إنَّ الملائكة سألت عن وجه المصلحة في ذلك.
ويستفيد من النَّحو كذلك في دفع ما قد يُتوهَّم من التَّعارض في الآيات؛ فعند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} يناقش دلالة «ثمَّ» وعلاقة خلق الأرض بالسَّماء، ويقابل الآية بآيات سُورة النَّازعات، ثمَّ يفرِّق بين خلق الأرض ودحوها، فلا يجعل قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} دالًّا على ابتداء خلقها بعد بناء السَّماء. ويبحث في الموضع نفسه معنى «استوى»، ويورد ما نُقل في تفسيره، ويربط قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} بما سبقه من ذكر القدرة وخلق السَّماوات والأرض.
ولا يلتزم في جميع السُّور مقدارًا واحدًا من التَّفصيل؛ فبعض الآيات تفتح أمامه مسائل طويلة متشعِّبة، وبعضها يقتصر فيه على لفظة أو تركيب أو قراءة. ويستمرُّ بهذه الطَّريقة في السُّور المتتابعة، فيختار المواضع التي تقتضي بيانًا نحويًّا أو صرفيًّا أو لغويًّا أو تفسيريًّا، مع بقاء الإعراب محورًا يجتمع حوله سائر ما يورده. ولذلك لا يمثِّل الكتاب إعرابًا آليًّا لكلِّ كلمة من القرآن، بل معالجةً لمسائل منتقاة من تراكيبه، تتَّسع حين يقتضي الموضع مناقشة أصل نحوي أو خلاف أو قراءة أو دلالة لغويَّة.
ويواصل هذا النَّهج في قصار السُّور، فيبحث في سُورة العصر دلالة «الإنسان» على الجنس وما يترتَّب على ذلك من صحَّة الاستثناء، وفي سُورة الهمزة وجوه إعراب {الَّذِي جَمَعَ مَالًا} بين البدل والنَّصب على إضمار «أعني» والرَّفع على إضمار «هو»، وفي سُورة قريش متعلَّق اللَّام في {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} وأقوال الخليل وسيبويه والفرَّاء فيها، وفي سُورة الماعون موضع {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} واحتماله النَّعت أو النَّصب أو الرَّفع، ثمَّ يشرح أصل «الماعون» وما قيل في معناه.
ويُفصِّل في سُورة الإخلاص تركيب قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فيجعل «هو» مبتدأ و«الله» مبتدأ ثانيًا و«أحد» خبره والجملة خبر المبتدأ الأوَّل على مذهب البصريين، وينقل قول الكسائي في جعل «هو» عمادًا ثمَّ يردُّه لانتفاء شروط العماد، ثمَّ يعرب {اللَّهُ الصَّمَدُ} ويعرض وجوه «الصَّمد» واشتقاق «أحد» والقراءات الواردة فيه، ويذكر في {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} احتمال جعل «كفوًا» خبرًا لـ«يكن» أو حالًا مع جعل الجارِّ والمجرور خبرًا.
ويبحث في سُورة الفلق قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} فيجعل «ما» في موضع جرٍّ بإضافة «شرِّ» إليها، ويناقش قراءة «من شرٍّ ما خلق» بالتَّنوين وما ينبني عليها من توجيه، ثمَّ يشرح «الغاسق» و«وقب». وينتهي في سُورة النَّاس إلى قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}، فيشرح «الوسواس» و«الخنَّاس»، ويورد ثلاثة أقوال في توجيه المراد بالوسواس، ثمَّ يناقش تعلُّق {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} وما نقله الفرَّاء في إطلاق «النَّاس» على الجنِّ والإنس، ويختار الوجه الذي يجعل الاستعاذة من شرِّ الإنس والجنِّ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














