
نبذة عن الكتاب:
يَستنبط أبو محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم ابن الفرس الأندلسي في هذا الكتاب الأحكام الشَّرعيَّة من آيات الكتاب العزيز، متتبِّعًا ما تدلُّ عليه ألفاظها وتراكيبها من وجوه الاستدلال، وما تحتمله من العموم والخصوص والإطلاق والتَّقييد والمنطوق والمفهوم والأمر والنَّهي وغيرها من المآخذ الأصوليَّة. ولا يقف عند سرد الأحكام المنقولة عن الفقهاء، بل يجعل عنايته الكبرى ببيان الطريق الذي أُخذ منه الحكم من القرآن، ويعرض ما يتعارض في المسألة من أدلَّة واحتمالات، ثمَّ ينظر في قوَّتها وما يرجِّح بعضها على بعض.
ويرتِّب مادَّته على سُور القرآن، فيذكر السُّورة وكونها مكِّيَّة أو مدنيَّة عند الحاجة، وينبِّه إلى ما فيها من أحكام أو نسخ، ثمَّ يتناول الآيات التي تتعلَّق بها مسألة شرعيَّة أو أصوليَّة. وقد يصرِّح بأنَّ السُّورة ليس فيها أحكام ولا نسخ فينتقل عنها، فلا يقصد إلى تفسير القرآن آيةً آيةً، وإنَّما ينتخب منه المواضع التي ينبني عليها حكم أو قاعدة أو خلاف معتبر. ويضمُّ إلى ذلك الناسخ والمنسوخ، فيفحص دعاوى النَّسخ ولا يقبلها لمجرَّد نقلها، ويفرِّق بين النَّسخ والتَّخصيص والبيان؛ ولذلك يردُّ مثل القول بأنَّ آيات الإنفاق منسوخة بفرض الزَّكاة، ويرى أنَّ ما وقع فيها من تضييق الدَّلالة أو تخصيصها لا يلزم أن يكون نسخًا.
ويجعل اختلاف العلماء وسيلةً لكشف احتمالات النَّصِّ وأدلَّة الشَّريعة، فيورد مذاهب مالك والشَّافعيِّ وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، ويذكر أقوال الصَّحابة والتَّابعين والمفسِّرين والفقهاء والأصوليِّين، ثمَّ يفحص مستند كلِّ قول. ويظهر المذهب المالكيُّ حضورًا قويًّا في مناقشاته، لكنَّه لا يكتفي بنقله ولا يلتزم ترجيحه في كلِّ موضع، بل يعترض أحيانًا على الاستدلال المنسوب إلى مالك أو أصحابه، ويصحِّح قولًا لغيرهم إذا رآه أقرب إلى دلالة الآية أو أقوى من جهة الأصول، كما يصف بعض الأقوال بالضَّعف أو الوهم أو الشُّذوذ حين لا ينهض دليلها.
ويُدقِّق في دلالات الألفاظ قبل بناء الحكم عليها؛ فيبحث حقيقة اللَّفظ ومجازه، وعمومه وخصوصه، وإجماله وبيانه، وما إذا كان الأمر للوجوب أو النَّدب أو الإباحة، وما يقتضيه النَّهي، ومدى الاحتجاج بدليل الخطاب. ففي قوله تعالى: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} يستدلُّ على اقتضاء الأمر الامتثال، وفي النَّهي عن قرب الشَّجرة يفرِّق بين ما يدلُّ عليه مجرَّد النَّهي وما دلَّت القرينة فيه على التَّحريم، ويستخرج من النَّهي عن القرب أصلًا في منع ما يفضي إلى المحظور. ويبحث في ألفاظ الصَّلاة والزَّكاة هل هي باقية على أصلها اللُّغويِّ مع قيود شرعيَّة أم منقولة إلى حقائق شرعيَّة، وما يترتَّب على ذلك من القول بالإجمال والحاجة إلى البيان.
وتتَّسع مباحثه في سُورة البقرة لأبواب متنوِّعة من أصول الفقه والفروع؛ فيناقش حكم الأشياء المسكوت عنها وهل الأصل فيها الإباحة، ويبحث تعارض أدلَّة الحظر والإباحة، ودلالة الأمر على الفور من قصَّة البقرة، وشريعة من قبلنا، وحجِّيَّة مفهوم الخطاب، ونسخ القرآن بخبر الآحاد، وما يجوز من تغيير الألفاظ المنصوصة ونقل الحديث بالمعنى. ومن الأمر بذبح البقرة ينتقل إلى أحكام الذَّكاة، فيعرض الخلاف في الذَّبح والنَّحر، وما يجب قطعه، وحكم قطع النُّخاع أو الرَّأس، وذكاة الحيوان النَّادِّ، رابطًا كلَّ فرع بوجه الاستدلال الذي يمكن استخراجه من الآية وبما يعارضه من السُّنَّة أو الأصول.
ويستثمر آيات العبادات في تحرير تفاصيل الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ، فيناقش دلالة الأوامر ومقادير الواجبات وشروطها وأوقاتها، ويجمع الآيات المتعلِّقة بالمسألة مع الأحاديث المبيِّنة لها. ويعالج آيات الصِّيام من جهة فرضه والرُّخصة للمريض والمسافر والفدية والقضاء والاعتكاف وأحكام اللَّيل، وآيات الحجِّ من جهة الإحرام والهدي والفدية والطَّواف والسَّعي والوقوف والإحصار وسائر المناسك، مع بيان مواضع اختلاف الفقهاء في مدلول الآية وما خصَّصته أو بيَّنته السُّنَّة.
ويُفصِّل أحكام الأسرة عند آيات النِّكاح والطَّلاق والرَّضاع والعِدَد والإيلاء والظِّهار والخلع والمهر والنَّفقة، ويبحث حدود الألفاظ القرآنيَّة التي تتعلَّق بها هذه الأحكام وما يدخل فيها وما يخرج عنها. كما يتناول آيات المواريث والوصايا وأموال اليتامى، ويوازن بين عمومات القرآن وما ورد من السُّنَّة في تخصيصها أو بيانها، ويعرض خلاف العلماء في الفروع التي تشعَّبت عن كلِّ نصٍّ، فلا تكون الآية عنده مجرَّد شاهد على حكم مقرَّر، بل أصلًا يعاد فحص الحكم على ضوء دلالتها.
ويبحث في المعاملات من خلال آيات البيع والرِّبا والدُّيون والرُّهون والشَّهادات والعقود والأيمان والنُّذور، ويعتني خصوصًا بما تدلُّ عليه الصِّيغ القرآنيَّة من لزوم أو إباحة أو منع. ويتتبَّع عند آية الدَّين مسائل الكتابة والإشهاد وصفة الشُّهود وتحمل الشَّهادة وأدائها والرَّهن في السَّفر وغيره، كما يناقش أحكام الرِّبا وما يدخل تحت ألفاظه، ويصل بين القواعد العامَّة في الوفاء بالعقود وبين الفروع التي اختلف الفقهاء في إدخالها تحتها.
ويعرض في آيات الجنايات والحدود أحكام القتل والقصاص والدِّيات والقسامة والسَّرقة والزِّنا والقذف والحرابة، مستخرجًا من ألفاظ الآيات شروط الحكم وحدوده وموانعه، ومقابلًا بينها وبين السُّنَّة وآثار الصَّحابة. ويظهر منهجه في قصَّة قتيل بني إسرائيل حين يناقش الاستدلال بقول المقتول على قاتله وعلاقته بالقسامة، ويعرض مذهب مالك ومخالفيه وأدلَّة كلِّ فريق، ثمَّ يجيب عمَّا يعارض الاستدلال من الأحاديث والقواعد. كما ينظر في معنى الحرز في السَّرقة، حتى يستخرج في أواخر الكتاب من قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} مسألة نبش القبور، وينقل الاحتجاج بأنَّ القبر حرز للميت كما أنَّ البيت حرز للحيِّ.
ويستدعي السُّنَّة باستمرار لبيان القرآن أو تخصيص عمومه أو تقييد مطلقه أو ترجيح أحد احتمالاته، ويناقش العلاقة بين الدَّليلين بدل أن يعالج الآية بمعزل عن الحديث. ويستعمل كذلك الإجماع والقياس وقواعد الأصول واللُّغة، وينظر في القراءات حين يترتَّب على اختلافها أثر في الحكم، ويستفيد من أسباب النُّزول وأقوال المفسِّرين في تعيين المراد. ومن ثمَّ تتجاور في الكتاب صناعة الفقيه والأصوليِّ والمفسِّر؛ لأنَّ المسألة عنده تبدأ غالبًا بتحرير دلالة الآية ثمَّ تتفرَّع إلى الخلاف الفقهيِّ وتقويم أدلَّته.
ويتحفَّظ في دعاوى النَّسخ حين يمكن الجمع أو التَّخصيص أو حمل الآية على معنى لا تعارض فيه، ويردُّ النَّسخ في الأخبار المحضة؛ ففي قوله تعالى في أهل النَّار: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} يضعِّف القول بنسخها لأنَّ الخبر المحض لا يدخله النَّسخ، ويحمل الأحقاب على أحقاب تتعاقب من غير نهاية. وفي مواضع الموادعة مع الكفَّار يثبت النَّسخ إذا رأى أنَّ آيات القتال المتأخِّرة رفعت الحكم المتقدِّم، كما في قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}، ويناقش في مواضع أخرى إمكان بقاء الآية محكمةً بحسب تفسيرها، فلا يجعل مجرَّد وجود قول بالنسخ كافيًا للحكم به.
ويستمرُّ في استخراج الأحكام حتى من السُّور القصار؛ فيبحث من {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} احتمال الزَّكاة المفروضة وزكاة الفطر ومطلق الصَّدقة، وما يتَّصل بذلك من حكم زكاة الفطر، ويناقش في {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} احتمال الوجوب والنَّدب وما قيل في نسخ قيام اللَّيل. ويستدلُّ من سُورة القَدْر على بقاء ليلة القَدْر وأنَّ المرفوع إنَّما هو تعيينها، ومن {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} على الخلاف في التَّفريق بين صيغتي «حدَّثنا» و«أخبرنا» في نقل الحديث.
ويُطيل عند قوله تعالى في سُورة الكوثر: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} في وجوه تفسير الصَّلاة والنَّحر، ثمَّ يبني عليها مسائل الأضحية ووقتها وحكمها، ويعرض مذاهب مالك وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في اعتبار صلاة العيد أو ذبح الإمام أو مقدار زمن الصَّلاة والخطبتين، ويناقش أيُّها ألصق بظاهر الآية والأحاديث. كما يبحث المفاضلة بين الإبل والبقر والغنم في الأضحية، ويعرض ما قيل في تفسير النَّحر بوضع اليدين أو رفعهما في الصَّلاة أو استقبال القبلة، ويميِّز بين ما يحتمله اللَّفظ وما يضعف من جهة العربيَّة أو النَّقل.
ويبلغ في أواخر الكتاب قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، فيذكر الخلاف بين إبقائها محكمةً وبين عدِّها من موادعة المشركين المنسوخة بآية السَّيف، ثمَّ يمرُّ بسُورة النَّصر والمسد والإخلاص، ويختم بالمعوِّذتين بعد أن يذكر الخلاف في مكِّيَّتهما ومدنيَّتهما، وينصُّ على أنَّه ليس فيهما أحكام ولا نسخ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














