
نبذة عن الكتاب:
يُنقِّح ابن الجوزي في «نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر» ما جمعه المتقدِّمون من الألفاظ القرآنية التي تتعدَّد معانيها باختلاف مواضعها وسياقاتها، مستدركًا على كتب هذا الفنِّ ما وقع فيها من تقليد وأوهام وتكلُّف في تكثير الوجوه. ويحدِّد المقصود بالوجوه والنظائر بأن ترد الكلمة الواحدة في مواضع من القرآن على لفظ واحد، ويُراد بها في كلِّ موضع معنى يختلف عن غيره؛ فالنظائر عنده اسم للألفاظ المتشابهة، والوجوه اسم للمعاني المختلفة التي تحملها تلك الألفاظ بحسب السِّياق. ولا يقتصر في الكتاب على نقل ما سبقه، بل يفحص التقسيمات، ويردُّ ما لا يراه صحيحًا، ويجمع بعض الوجوه المتقاربة حين لا يظهر بينها فرق معتبر.
وينطلق في تصنيفه من ملاحظة أنَّ أصحاب الوجوه والنظائر المتأخِّرين كثيرًا ما تابعوا المتقدِّمين من غير بحث كافٍ فيما نقلوه، حتى أدَّى الحرص على كثرة الأبواب والوجوه إلى إدخال ألفاظ متباعدة لمجرَّد تشابه بعض حروفها أو اشتقاقاتها. ويضرب لذلك أمثلة بمن جمع تحت باب «الذُّرِّيَّة» ألفاظًا مثل «ذرني» و«تذروه الرِّياح» و«ذرَّة»، أو أدخل في باب «الرِّبا» ألفاظ «رابية» و«ربِّيُّون» و«ربائبكم» و«ربوة». لذلك يصرِّح بأنَّه انتخب أجود ما في تلك المصنَّفات، وأسقط ما ثبت عنده وهمه، وأضاف ما رآه صالحًا من كتب التَّفسير.
ويرتِّب ابن الجوزي مادَّته على حروف الهجاء، ثمَّ يقسِّم أبواب الحرف بحسب عدد الوجوه التي نُسبت إلى اللفظة، فيبدأ بأبواب الوجهين ثمَّ ينتقل إلى الثلاثة والأربعة وما فوقها. ويبلغ ترقيم موادِّ الكتاب في آخره 324 بابًا، تتفاوت ألفاظها تفاوتًا كبيرًا في عدد المعاني المنسوبة إليها؛ فمنها ما لا يتجاوز وجهين، ومنها ما يتَّسع إلى عدد كبير من الوجوه، كما في لفظ «الهدى» الذي يسوق له 24 وجهًا.
ويبدأ كثيرًا من الموادِّ بتأصيل المعنى اللُّغوي للفظة قبل توزيع استعمالاتها القرآنية، فيشرح أصلها واشتقاقها وما يتَّصل بها من ألفاظ، ويستعين بأقوال اللُّغويين كابن فارس وابن قتيبة وابن الأنباري والفرَّاء وغيرهم، وبالشِّعر وكلام العرب عند الحاجة. ثمَّ يعقب ذلك بصيغة متكرِّرة من نحو «ذكر أهل التَّفسير أنَّه في القرآن على وجهين» أو ثلاثة أو أكثر، فيسمِّي كلَّ وجه، ويورد الآيات التي تمثِّله، وقد يشرح وجه الدَّلالة أو ينقل تفسيرًا يحدِّد المراد في الآية.
ويكشف هذا المنهج كيف ينتقل اللفظ القرآني من دلالته الأصلية إلى دلالات يحدِّدها السِّياق. فالاستطاعة تأتي عنده بمعنى سعة المال وبمعنى الإطاقة، والأسف يأتي بمعنى الحزن وبمعنى الغضب، و«أصبح» يدلُّ تارة على إدراك الصَّباح وتارة على معنى «صار»، والأمانة تُحمل على الفرائض والوديعة والعفَّة، والإحصاء يأتي للحفظ والكتابة والإطاقة والعدِّ. كما يدخل في البحث الحروف والأدوات، فيتناول «إلى» و«أم» و«أو» و«هل» و«لا» وغيرها، ويعرض المعاني التي ذكر المفسِّرون واللُّغويون أنَّها تؤدِّيها في مواضع القرآن.
ولا يتعامل ابن الجوزي مع الأقسام المنقولة بوصفها مسلَّمات؛ فقد يعرض وجهين ثمَّ ينبِّه إلى إمكان ردِّهما إلى معنى واحد، كما فعل في «الأذان» حين ذكر النداء والإعلام ثمَّ قال إنَّه يجوز عدُّهما وجهًا واحدًا. وقد ينقل تفسيرًا آخر يترتَّب عليه سقوط التقسيم أصلًا، كما فعل في «الإصر» حين أورد قول من فسَّره في مواضع مختلفة بالعهد، ثمَّ نبَّه إلى أنَّ التقسيم يبطل على هذا القول. وفي مواضع أخرى يناقش زيادة وجه ثالث أو رابع، أو يعرض اختلاف اللُّغويين في حمل الحرف على معنى حرف آخر، فلا تصبح كثرة الوجوه غاية مستقلة عن صحَّة التَّفسير.
ويجمع الكتاب بهذا بين التَّفسير واللُّغة؛ لأنَّ معرفة الوجه المراد لا تنفصل عند ابن الجوزي عن أصل الكلمة واستعمال العرب لها. ففي «أَنَّى» مثلًا يعرض دلالتها على «متى» و«كيف» و«من أين» بحسب نوع السؤال، وفي «أو» يناقش دلالات التَّخيير والواو و«بل» والإبهام والإباحة، وينقل اعتراض ابن قتيبة على بعض ما نُسب إليها، كما يستحضر قاعدة حمل الحرف على معناه الأصلي ما أمكن قبل نقله إلى معنى غيره. ويجري الأمر نفسه في الأسماء والأفعال، إذ يقدِّم الاشتقاق والفروق اللُّغوية ثمَّ يربطها بمواضع الاستعمال القرآني.
ويتَّسع التطبيق ليشمل ألفاظًا تتعلَّق بالعقيدة والعبادات والأخلاق والقصص وأحوال الآخرة وغيرها، فلا يقوم ترتيب الكتاب على الموضوعات القرآنية، وإنما على اللفظة نفسها وتصرُّف معناها. ولهذا تجتمع في الباب الواحد آيات من سُور متباعدة متى اشتركت في اللفظ، ثمَّ تُفصل بحسب المراد منه في كلِّ موضع. ففي «اليقين» يذكر التَّصديق والصِّدق والمشاهدة والموت والعلم المتيقَّن، وفي «الوحي» يذكر الإرسال والإشارة والإلهام والأمر والقول والإعلام في المنام والإعلام بالوسوسة، ويجعل اختلاف السِّياق هو الذي يعيِّن الوجه المقصود.
ويبرز اتِّساع الوجوه بصورة خاصة في باب «الهدى»، إذ يسوق له 24 معنى، منها البيان، ودين الإسلام، والإيمان، والدُّعاء، والعرفان، والإرشاد، والقرآن، والتَّوراة، والتَّوحيد، والسُّنَّة، والإلهام، والإصلاح، والرَّسول، والاستبصار، والدَّليل، والتَّعليم، والثَّواب، والثَّبات. ولا يعني تعداد هذه الوجوه عنده أنَّ كلَّ واحد منها أصل لغوي مستقل؛ بل ينبِّه في خاتمة الكتاب إلى أنَّ المحقِّق الدَّقيق يستطيع جمع كثير من الوجوه المتفرِّقة في معنى أعمَّ، وأنَّه أبقى بعض ما نقله عن المتقدِّمين تساهلًا في إثبات ما لا بأس بذكره.
ويختتم ابن الجوزي موادَّ الكتاب بباب «اليَمين»، فيقسِّم استعمالها القرآني إلى سبعة أوجه: العضو المعروف، وجهة اليمين، والقوَّة، والحلف، والعهد، والدِّين، وما عدَّه صلة في الكلام. ثمَّ يعود إلى تقويم منهجه نفسه، فيصرِّح بأنَّ ما أورده هو منتخَب من كتب الوجوه والنظائر التي رتَّبها المتقدِّمون، وأنَّه رفض منها ما لا يصلح ذكره وزاد من التَّفاسير المنقولة، ويحذِّر من الاغترار بكثرة الوجوه والأبواب؛ لأنَّ كثرتها لا تدلُّ بنفسها على دقَّة العلم، ويؤكِّد أنَّ ما ضمَّه إلى الأبواب من الاشتقاق والموادِّ اللُّغوية قصد به تنبيه الأفهام إلى أصول الكلام وما يتفرَّع من الألفاظ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














