
نبذة عن الكتاب:
يُمَحِّص ابن الجوزي في «المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ» الآيات التي قيل بدخول النَّسخ عليها، مختصرًا مادَّته من كتابه «عمدة الرَّاسخ»، ومصرِّحًا بأنَّه بالغ في اختصار ألفاظه ليكون أقرب إلى الحفظ والكفاية لطالب هذا العلم. ولا يكتفي بجمع الأقوال في النَّاسخ والمنسوخ، بل يعرض دعاوى النَّسخ على أصول تضبط معناه وشروطه، فيُثبت ما يراه نسخًا حقيقيًّا، ويردُّ كثيرًا ممَّا أدخله غيره في النَّسخ وهو عنده من التَّخصيص أو الاستثناء أو البيان أو اختلاف الأحوال، أو ممَّا يمكن الجمع بين نصوصه من غير تعارض.
ويؤصِّل للمسألة قبل تطبيقها على آيات القرآن، فيفرِّق بين النَّسخ والبداء ردًّا على من أنكر جواز النَّسخ، ويجعل النَّسخ رفع عبادة عُلِم عند الأمر بها أنَّ للتَّكليف بها غاية ينتهي إليها، بخلاف البداء الذي يكون انتقالًا بسبب أمر حادث لم يسبق به العلم. ويقرِّر جواز النَّسخ عقلًا ووقوعه شرعًا، ثمَّ يقصر محلَّه على الأمر والنَّهي دون الخبر المحض، ويرفض عدَّ الاستثناء والتَّخصيص نسخًا. ويضع له خمسة شروط، منها تعذُّر الجمع بين حكم النَّاسخ والمنسوخ، وتقدُّم المنسوخ على النَّاسخ، وثبوت الحكمين بطريق الشَّرع، وأن يكون طريق النَّاسخ مماثلًا لطريق المنسوخ أو أقوى منه، ولذلك يمنع نسخ القرآن بالسُّنَّة.
ويقسِّم المنسوخ في القرآن إلى ثلاثة أضرب: ما نُسخ رسمه وحكمه، وما نُسخ رسمه وبقي حكمه كآية الرَّجم، وما نُسخ حكمه وبقي رسمه، وهو القسم الذي وضع الكتاب لتتبُّعه. ثمَّ يسير في القرآن بحسب ترتيب السُّور التي وردت فيها آيات قيل بنسخها، مبتدئًا بسُورة البقرة، فيذكر الآية، ويعرض ما قيل في نسخها، ويوازن بين وجوه تفسيرها، ثمَّ يقرِّر النَّسخ أو الإحكام بحسب ما يراه من دلالة الآية وإمكان الجمع بينها وبين النَّصِّ الذي قيل إنَّه ناسخ لها.
ويظهر تشدُّده في إثبات النَّسخ منذ مسائل البقرة؛ فيردُّ القول بنسخ قوله تعالى في المؤمنين والذين هادوا لأنَّ الآية خبر، والخبر عنده لا يُنسخ، ويرفض جعل الاستثناء بعد آية كتمان البيِّنات ناسخًا لأنَّ الاستثناء إخراج لبعض ما شمله اللَّفظ. ويردُّ دعوى نسخ قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} بأمر التَّوجُّه إلى الكعبة، ويرى أنَّ الآية خبر عن إحاطة الله تعالى، وأنَّ الأمر باستقبال الكعبة حكم ابتدائي لا يرفع مدلولها. كما يرفض عدَّ تخصيص عموم تحريم نكاح المشركات بإباحة نساء أهل الكتاب نسخًا، ويرفض كذلك عدَّ خروج الحامل والآيسة والصَّغيرة من عموم عدَّة المطلَّقات نسخًا؛ لأنَّ ذلك عنده من باب التَّخصيص.
ويُثبت في المقابل عددًا من صور النَّسخ التي يرى تحقُّق شروطه فيها، فيذكر نسخ الوصيَّة للوالدين بآيات المواريث، ونسخ التَّخيير بين الصِّيام والفدية في حقِّ القادر بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، ونسخ حكم متاع المتوفَّى عنها زوجها إلى الحول بما تقرَّر من عدَّتها أربعة أشهر وعشرًا. ويتناول تدرُّج أحكام الخمر، فيذكر ما تضمَّن ذمَّها قبل الأمر باجتنابها، كما يبحث انتقال عقوبة الزِّنا من الحبس والأذى إلى الحكم اللاحق الوارد في سُورة النُّور، ويناقش أحكام التَّوارث بالمعاقدة وما طرأ عليها بعد تشريع المواريث.
ويتكرَّر في الكتاب فحص الدَّعاوى التي ربطها المصنِّفون بـ«آية السَّيف»، ولا يقبل ابن الجوزي أن تكون كلُّ آية فيها عفو أو صفح أو إعراض أو صبر منسوخة بها. فينظر في مدلول كلِّ آية على حدة؛ فإن كان الإعراض تهديدًا أو كان الكلام خبرًا أو أمكن بقاء الحكم مع مشروعية القتال منع النَّسخ، وإن دلَّ النَّصُّ على ترك القتال في حال ثمَّ قام دليل يرفع ذلك الحكم أثبت النَّسخ. ولهذا يردُّ مثلًا دعوى نسخ قوله تعالى: {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} لانتفاء التَّنافي ولكونها خبرًا، ويرى قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} محكمًا؛ لأنَّه لا يمنع قتال المشركين ولا يسقط ما يجب تجاه الضَّال.
ويطبِّق المعيار نفسه على آيات كثيرة من الأنعام والأعراف والأنفال ويونس وهود والرَّعد والحجر والنَّحل وما بعدها، فيتوقَّف عند الأوامر بالصَّبر والإعراض والإنذار والبلاغ، ويميِّز بين ما يتضمَّن حكمًا شرعيًّا قابلًا للرَّفع وبين ما خرج مخرج التَّهديد أو وصف وظيفة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في البلاغ والهداية. ويستعمل إمكان الجمع بين الآيتين حاجزًا دون التَّسرُّع في دعوى النَّسخ؛ فمتى أمكن حمل كلِّ نصٍّ على حال أو معنى مستقلٍّ لم يرَ أحدهما رافعًا للآخر، إذ لا يتحقَّق النَّسخ عنده مع إمكان العمل بالدَّليلين.
ويعتني كذلك بالفروق الأصولية التي تغيِّر الحكم على الآية؛ فيفرِّق بين النَّسخ والتَّخصيص، وبين انتهاء الحكم عند غاية منصوص عليها ورفعه بدليل متأخِّر، وبين الحكم والخبر، وبين اختلاف موضوع الآيتين وتناقض حكميهما. فمن ذلك رفضه عدَّ قوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} منسوخًا لمجرَّد ورود حكم لاحق، لأنَّ العفو لم يؤمر به مطلقًا بل جُعل له حدٌّ وغاية، ويرفض في مواضع أخرى بناء النَّسخ على دليل الخطاب إذا عارضه دليل أقوى. وبهذه التَّفرقة يعيد عددًا من الآيات التي عدَّها غيره من المنسوخ إلى دائرة المحكم.
ويعرض مسائل فقهيَّة يتفرَّع عليها الخلاف في النَّسخ، كالشَّهادة، والوصيَّة، والمواريث، والصِّيام، والقتال، والذَّبائح، والنِّكاح، والعِدَد، والحدود، وأحكام أهل الكتاب. وينقل في أثناء ذلك أقوال الصَّحابة والتَّابعين والفقهاء والمفسِّرين، ثمَّ يرجِّح بينها بحسب أصوله؛ فليس غرضه مجرَّد إحصاء المواضع التي وُصفت بالنَّسخ، بل تنقية هذا الباب من التَّوسُّع الذي يجعل العامَّ المخصوص أو الخبر أو الاستثناء أو اختلاف الأحوال من قبيل المنسوخ.
ويمتدُّ التَّتبُّع إلى السُّور المتأخِّرة، فيبحث آية النَّجوى في سُورة المجادلة، ويميِّز في سُورة الحشر بين حكم الفيء وحكم الغنيمة فلا يجعل آية أحدهما ناسخة للأخرى، ويناقش في سُورة الممتحنة أحكام الصِّلة بغير المحاربين وما يتعلَّق بالمهاجرات والمهور، ثمَّ ينظر في آيات الصَّبر والإمهال والإعراض في سُور القلم والمعارج والمزمِّل والإنسان والطَّارق والمدَّثِّر والغاشية. ويُثبت في قيام اللَّيل بسُورة المزمِّل وقوع النَّسخ في أصل الوجوب على أحد الأقوال، مع نقل الخلاف في كونه كان مفروضًا على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأمَّته أو مختصًّا به.
ويصل في آخر مباحثه إلى سُورة الكافرون وقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، فيذكر قول الأكثرين إنَّها نُسخت بآية السَّيف، ثمَّ يقيِّد إمكان هذا القول بأن يكون معنى الآية إقرار المشركين على دينهم؛ أمَّا إذا لم يكن مدلولها إقرارهم عليه فلا يتحقَّق وجه النَّسخ. وينتهي بذلك إلى تطبيق القاعدة التي سارت في الكتاب كلِّه: لا يكفي تأخُّر آية أو اختلاف ظاهر عبارتين للحكم بالنَّسخ، بل لا بدَّ من ثبوت حكمين متنافيين على وجه يتعذَّر معه الجمع بينهما، وإلَّا بقيت الآية على إحكامها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














