
نبذة عن الكتاب:
يُؤصِّل أبو بكر ابن العربي الأندلسي في هذا الكتاب علم النَّسخ قبل الانتقال إلى تطبيقه على آيات القرآن، فيحدِّد شروطه والوجوه التي يقع بها، ويميِّزه من التَّخصيص والبيان وانتهاء الحكم بانتهاء غايته، ثمَّ يعرض الآيات التي نُسب إليها النَّسخ مرتَّبة على السُّور، فيقبل من تلك الدَّعاوى ما استوفى شروط النَّسخ، ويردُّ كثيرًا منها حين يمكن الجمع بين النُّصوص أو لا يثبت تقدُّم أحد الدَّليلين على الآخر أو تكون المسألة من باب التَّخصيص لا النَّسخ. ولذلك لا يقوم الكتاب على جمع المنسوخات فحسب، بل على فحص ما اشتهر في هذا الباب وإعادة كلِّ مسألة إلى أصلها الأصولي.
ويشترط للنَّسخ ستَّة أصول: أن يكون الحكم شرعيًّا لا عقليًّا؛ وأن يكون الدَّليل الرَّافع منفصلًا عن الدَّليل الأوَّل؛ وأن يختلف مقتضي النَّاسخ عن مقتضي المنسوخ؛ وأن يتعذَّر الجمع بين الدَّليلين؛ وأن يكون النَّاسخ في العلم والعمل في مرتبة تصلح لرفع المنسوخ؛ وأن يُعرف المتقدِّم من المتأخِّر. ويجعل تعذُّر الجمع ومعرفة التَّاريخ من أهمِّ ما يمنع التَّسرُّع في دعوى النَّسخ، إذ لا يكفي اختلاف ظاهر آيتين للحكم بأنَّ إحداهما أبطلت الأخرى، كما لا يكفي ورود حكمين مختلفين مع إمكان حمل كلِّ واحد منهما على حال أو محلٍّ يخصُّه.
ويقرِّر أنَّ النَّسخ لا يشترط انتقال الحكم فيه إلى بدل؛ فقد يُرفع الحكم من غير أن يحلَّ محلَّه حكم مماثل، وقد ينتقل التَّكليف من الأشدِّ إلى الأخفِّ أو من الأخفِّ إلى الأشدِّ، ومن الوجوب إلى غيره، ومن التَّخيير إلى الإلزام، ومن جهة من جهات التَّكليف إلى أخرى. ويذكر من صوره انتقال وجوب ثبات الواحد أمام عشرة في القتال إلى ثبات الواحد أمام اثنين، ونسخ قيام اللَّيل، وانتقال الصَّوم من التَّخيير إلى الإلزام، وتحويل القبلة، وإباحة المباشرة في ليالي الصِّيام بعد منعها.
ويبحث جهة النَّاسخ نفسه، فيقرِّر أنَّ النَّاسخ حقيقةً هو الله تعالى، وأنَّ إطلاق النَّسخ على كلامه أو على الدَّليل المبيِّن للحكم إطلاق تابع لذلك، ثمَّ يقسِّم طرق النَّسخ إلى كتاب ينسخ كتابًا، وسُنَّة تنسخ سُنَّة، وكتاب ينسخ سُنَّة، وسُنَّة تنسخ كتابًا؛ لأنَّ الجميع عنده من عند الله عزَّ وجلَّ. ويناقش القول الذي يحصر نسخ القرآن في القرآن ونسخ السُّنَّة في السُّنَّة، كما يبحث منزلة خبر الواحد والإجماع، وينفي أن يكون الإجماع نفسه منشئًا للنَّسخ؛ لأنَّه ينعقد بعد انقطاع الوحي، وإنَّما قد يكشف إجماع الأمَّة عن دليل سابق قام عليه الحكم.
ويفرِّق بين بقاء التِّلاوة وارتفاع الحكم وبين ارتفاع التِّلاوة وبقاء الحكم، ويذكر إمكان رفع الأمر من أصله لفظًا وحكمًا. ثمَّ ينبِّه إلى جملة من «المغالطات» التي يكثر وقوعها في هذا العلم، فيبحث حكم الزِّيادة على النَّص، وزيادة الشَّرط، والنُّقصان، والوقت الذي يثبت فيه حكم النَّاسخ للمكلَّف، ودعوى النَّسخ بالإجماع، ودعوى إمكان طمس القرآن كلِّه. ويظهر في هذه المباحث أنَّ ضبط مفهوم النَّسخ عنده سابق على إحصاء مواضعه؛ لأنَّ الخلل في تعريفه يُدخل في المنسوخ ما ليس منه.
ويبدأ التَّطبيق بعد هذه الأصول بترتيب السُّور، مستصحبًا البحث في المكِّي والمدني وترتيب النُّزول بقدر ما يصحُّ من النَّقل؛ لأنَّ معرفة المتقدِّم والمتأخِّر شرط في إثبات النَّسخ. ويعترض على الجزم بترتيب جميع السُّور بحسب النُّزول، ويرى أنَّ كثيرًا من ذلك لا سبيل إلى القطع به، كما ينتقد التَّقسيمات الجاهزة التي تُحصي السُّور ذات النَّاسخ والمنسوخ قبل تحقيق آياتها واحدةً واحدةً. ومن هنا ينتقل إلى فحص الآيات نفسها بدل الاكتفاء بما تناقلته المصنَّفات السابقة.
ويظهر تشدُّده في الإثبات منذ مسائل سُورة البقرة؛ فعند قوله تعالى في الوصيَّة للوالدين والأقربين يناقش أربعة أقوال في النَّاسخ، ويردُّ ما لا يستوفي شروطه، ثمَّ ينتهي إلى أنَّ الوصيَّة للوالدين الوارثين رُفعت بالمواريث، مع بقاء النَّدب إلى الوصيَّة لمن لا يرث من القرابة. وفي قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} يجمع القراءات والأقوال والآثار، ويثبت نسخ التَّخيير للصَّحيح المقيم بإلزامه الصِّيام، ثمَّ يناقش ما بقي من أحكام الكبير والحامل والمرضع، ويميِّز في المسألة نفسها بين ما يكون نسخًا وما يكون تخصيصًا.
ويستثمر التَّاريخ التَّشريعي في تحقيق النَّسخ؛ فيتتبَّع تدرُّج حكم الخمر من بيان ما فيها من الإثم والمنافع، إلى النَّهي عن قربان الصَّلاة حال السُّكر، ثمَّ إلى الأمر باجتنابها وتحريمها، ويبحث ما ترتَّب على التَّحريم من سقوط جواز شربها والاتِّجار بها والتَّداوي بها. وفي عدَّة المتوفَّى عنها زوجها يوازن بين آية الحول وآية الأربعة أشهر وعشر، ويقرِّر وقوع النَّسخ في المدَّة، ثمَّ يفصل حكم الحامل بما ثبت في السُّنَّة، فلا يجعل كلَّ انتقال في الحكم واقعًا على صورة واحدة.
ويقاوم التَّوسُّع في إطلاق النَّسخ على كلِّ آية ورد بعدها قتال أو تشريع جديد. ففي قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} يردُّ القول بنسخها بآية القتال، ويرى بقاء حكمها مع ما يرد على عمومها من تخصيص. وفي قوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} يرفض عدَّ مجيء الغاية ناسخًا للحكم؛ لأنَّ الحكم المحدَّد ابتداءً بغاية ينتهي عندها بحسب دلالته الأولى. كما يرفض دعاوى من قبيل نسخ {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} بقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}، إذ لا يرى بينهما التَّعارض الذي يتوقَّف عليه النَّسخ.
ويستعمل اللُّغة والسِّياق والحديث والفقه والأصول معًا في اختبار الدَّعوى؛ فلا يكفي عنده أن ينقل المفسِّر قولًا في النَّسخ حتى يبحث دلالة الآية وسببها وسياقها وما يقابلها من النُّصوص. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ}، إذ يردُّ القول بنسخها بآيات القتال ويحكم بإحكامها، وقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}، إذ يجعل العلاقة بينها وبين إباحة المحصنات من أهل الكتاب من باب التَّخصيص إذا حُمِل لفظ الكوافر على العموم، لا من باب النَّسخ.
ويعود في أواخر الكتاب إلى آيات السَّكنى والعدَّة، فيجمع بين قوله تعالى في المطلَّقات: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} وبين آيات التَّربُّص في سُورة البقرة، ويقرِّر أنَّ النَّسخ في آية المتوفَّى عنها زوجها تعلَّق بمدَّة الحول، أمَّا حكم عدم الإخراج فلم يتناوله النَّسخ عنده فبقي معتبرًا. ويستعين في تقرير ذلك بالنَّظم العربي للجمل والضَّمائر ودلالات الألفاظ، فيقدِّم مثالًا واضحًا على أنَّ تحديد القدر المنسوخ قد يتوقَّف على تحليل تركيب الآية نفسها، لا على مجرَّد معرفة وجود نصٍّ متأخِّر.
ويناقش في سُورة المزَّمِّل قيام اللَّيل، ويميِّز ما كان مفروضًا على الأمَّة ممَّا بقي في حقِّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يردُّ دعاوى أخرى وصفها بالجهالات، ومنها القول بنسخ قوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} بآيات التَّخفيف. كما يرفض في سُورة القيامة عدَّ قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} ناسخًا للنَّهي عن تحريك النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لسانه استعجالًا بالوحي؛ لأنَّ الآيات عنده متوافقة في بيان حفظ القرآن وليست أحكامًا متعارضة.
ويصحِّح في سُورة الإنسان القول في إطعام الأسير، فيردُّ دعوى نسخ قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} بالنسبة إلى أسير المشركين، ويقرِّر وجوب إطعام الأسير وسقيه حتى مع جواز قتله في الموضع الذي يثبت فيه ذلك الحكم. ثمَّ يناقش قيام اللَّيل في السُّورة، ويردُّ مرَّة أخرى دعوى نسخ مشيئة العبد بقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}.
ويختم المسائل التَّطبيقية بردِّ دعاوى النَّسخ في السُّور الأخيرة؛ فيرفض عدَّ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} منسوخةً بفرض الزَّكاة، ويرى أنَّ النَّسخ لا يتطرَّق إليها على الوجوه التي فُسِّرت بها. وفي سُورة الغاشية يرفض نسخ قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} بآيات القتال، ويجعل معناها متعلِّقًا بأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم مبلِّغ مذكِّر لا يتولَّى كشف السَّرائر والحساب، مستدلًّا بالحديث الذي يجعل عصمة الدَّم والمال بالظَّاهر والحساب على الله تعالى. ثمَّ يناقش قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}، ويذكر وجوه تفسيره ويرفض تخصيصه بقيام اللَّيل بما يفضي إلى ادِّعاء نسخه، وينتهي إلى قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} فيبيِّن أنَّ معاني الحكم والعلم والإحكام التي تتضمَّنها الآية ثابتة لا وجه لدخول النَّسخ عليها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














