
نبذة عن الكتاب:
يجمع ابن الجوزي في «فنون الأفنان في عيون علوم القرآن» طائفة واسعة من المباحث المتعلِّقة بالقرآن الكريم، قاصدًا إلى استيعاب فنون متنوِّعة من علومه في مصنَّف واحد؛ إذ يذكر أنَّه لما ألَّف في غرائب علوم الحديث رأى أنَّ تأليف كتاب في عجائب علوم القرآن أولى. ويشير في مقدِّمته إلى ما يشتمل عليه القرآن من الحلال والحرام، والوعد والوعيد، والنَّاسخ والمنسوخ، والمجمل، والنَّصِّ، والمتشابه، والأمر والنَّهي والخبر وغيرها، ثمَّ يبني كتابه على أبواب تجمع فضائل القرآن، ومسائل الاعتقاد فيه، والأحرف والقراءات، والرَّسم والعدِّ، والمكِّي والمدني، ولغات القرآن، والوقف والابتداء، والمتشابه اللفظي، وغيرها من المسائل.
ويستهلُّ مباحثه بفضائل القرآن وحملته وتعلُّمه وتعليمه وتلاوته، فيورد الأحاديث والآثار الدَّالَّة على فضل القارئ والحافظ والمعلِّم، وما رُتِّب على قراءة الحروف من الحسنات. ثمَّ يفرد بابًا لتقرير أنَّ القرآن كلام الله عزَّ وجلَّ غير مخلوق، ويسوق فيه ما يرويه عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابة رضي الله عنهم، ثمَّ يتوسَّع في نقل أقوال التَّابعين والأئمَّة وأهل الأمصار، فيذكر علماء المدينة ومكَّة والكوفة والبصرة واليمن والشَّام والجزيرة ومصر وخراسان وبغداد والرَّي وأصبهان، قاصدًا إلى إثبات ما يراه اتِّفاق أهل الأثر في هذه المسألة.
ويناقش نزول القرآن على سبعة أحرف، فيورد حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه مع هشام بن حكيم رضي الله عنه، ثمَّ يستعرض الأقوال الكثيرة في تفسير الأحرف السَّبعة، ومنها حملها على أصناف المعاني القرآنية، أو أنواع الاختلاف في القراءة، أو وجوه الإعراب والتَّصريف والتَّذكير والتَّأنيث والجمع والإفراد والزيادة والنُّقصان والتَّقديم والتَّأخير. وبعد عرض تلك الأقوال يختار أنَّ المراد سبع لغات فصيحة من لغات العرب، ويرفض الجزم بتعيين القبائل التي تمثِّل هذه اللُّغات لعدم ثبوت ذلك عنده بطريق يعتمد عليه، ويستدلُّ لتفسيره بتصويب النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم القراءات المختلفة التي قرأ بها أصحابه.
ويتناول رسم المصحف وهجاءه، فيتتبَّع عددًا من المواضع التي اتَّصلت فيها الكلمات أو انفصلت، وما كُتب بالتَّاء أو الهاء، وما خالف رسمه في موضع رسمه في موضع آخر. فيبحث رسم «أن لا» و«ألا»، و«نعمة»، و«كلمة»، و«معصية»، و«لعنة»، و«ثمرة»، و«إنَّما»، و«أمَّن»، و«الرِّبا»، و«لكيلا»، و«فيما»، و«ممَّا»، و«بئسما»، وغيرها، ويذكر مواضع الاستثناء في السُّور، وقد يعلِّل الوصل والإدغام بقرب المخارج وبناء الخطِّ على اللَّفظ، أو يردُّ الفصل إلى مراعاة أصل الكلمتين.
ويخصِّص مساحة كبيرة لعدِّ القرآن وتقسيمه، فيذكر عدد سوره وما نُقل في ذلك عن مصاحف الصَّحابة، ثمَّ مذاهب أهل مكَّة والمدينة والكوفة والبصرة والشَّام في عدِّ الآيات، وينسب كلَّ عدد إلى رواته وأهله، ويبيِّن مواضع اختلاف العادِّين. ثمَّ ينتقل إلى عدد كلمات القرآن وحروفه، وما نُقل من مقادير مختلفة في ذلك، ويورد إحصاءات لتكرار حروف المعجم والنُّقط، قبل أن يعرض تقسيم القرآن إلى أنصاف وأثلاث وأرباع وأخماس وأسداس وأسباع وأثمان وأتساع وأعشار وما يتفرَّع عنها، محدِّدًا الموضع الذي ينتهي عنده كلُّ جزء من هذه الأقسام.
ويفصِّل بعد ذلك عدد آيات السُّور سورةً سورة، ويقارن ما تختلف فيه مدارس العدِّ، ثمَّ يجمع السُّور المتقاربة في أعداد آياتها، ويذكر القرائن منها على مذهب أهل الكوفة، وما ورد في ثواب قراءة مقادير معيَّنة من الآيات. ويتبع ذلك بتمييز السُّور المكِّيَّة من المدنيَّة، فيورد ما نُقل في ترتيب نزولها وما وقع فيه من اختلاف، وبذلك لا يقف عند العدد المجرَّد، بل يضمُّ إليه جملة من المعارف التي ارتبطت عند علماء القرآن ببنية المصحف وسوره وآياته.
ويستعرض لغات العرب الواقعة في القرآن، رابطًا بعض الألفاظ بالقبائل التي نُسب استعمالها إليها، ليبيِّن جانبًا من السَّعة اللُّغوية التي نزل بها الكتاب العزيز. ثمَّ ينتقل إلى أدب الوقف والابتداء، فيفرِّق بين المواضع التي يحسن الوقف عليها والمواضع التي يتعلَّق فيها الكلام بما بعدها، ويورد أمثلة كثيرة من الآيات، ويتتبَّع بعض صيغ الوقف الخاصَّة، كالوقف على «يا أيُّها»، وهاء التَّأنيث، وبعض الكلمات التي يختلف حكم الوقف عليها، كما يفرد بحثًا للياءات المحذوفة من رسم المصحف.
ويعرض جملة من مصطلحات علوم القرآن كالتَّفسير والنَّسخ والمحكم والمتشابه، ثمَّ يتوسَّع توسُّعًا ظاهرًا في المتشابه اللفظي، فيجمع الآيات المتقاربة في العبارة التي تختلف في حرف أو كلمة أو ترتيب، ويضعها في أبواب وفصول تعين على ضبط الفروق بينها. فيتتبَّع المواضع المنفردة التي لا نظير لها، والتَّراكيب المتكرِّرة، وصيغًا مثل «الحمد لله»، و«تبارك»، و«تلك»، و«نِعْمَ»، و«بئس»، و«أم لم»، ونداءات «يا أيُّها النَّاس» و«يا أيُّها الذين آمنوا» و«يا أيُّها النَّبي»، ثمَّ يقابل المواضع التي تبدأ بـ«فلمَّا» بما يشابهها من «ولمَّا» ونحو ذلك.
ويجعل لاختلاف الألفاظ المتشابهة أبوابًا أدقَّ، فيرصد إبدال كلمة بكلمة أو حرف بحرف مع تقارب تركيب الآيتين، ويتناول الحروف الزَّائدة والنَّاقصة، والمواضع التي يختلف فيها تقديم لفظ وتأخيره. ويدخل في ذلك الفروق بين عبارات تبدو شديدة التَّشابه، مثل تقديم النَّفع على الضُّرِّ في مواضع وتقديم الضُّرِّ على النَّفع في أخرى، وتقديم اللَّعب على اللَّهو أو عكسهما، واستعمال «الرَّجفة» و«الصَّيحة» في قصص الأقوام، والفرق بين «في دارهم» و«في ديارهم»، ومواضع اقتران التُّراب بالعظام أو انفراده عنها، وتقديم الإنس على الجنِّ، وغيرها من الأنماط التي تفيد في تمييز نظائر الآيات وحفظ ألفاظها.
ويفرد للمتشابه كذلك مسائل على سبيل المعاياة والاختبار، فيسأل عن مواضع مخصوصة في القرآن: آيات متوالية تنتهي بأسماء لله عزَّ وجلَّ، أو مجموعة من الآيات تبدأ بلفظ واحد، أو آيات اشتملت على حروف المعجم، أو السُّور التي لا يرد فيها اسم «الله»، ونحو ذلك. ويجعل الجواب بتعيين السُّورة والموضع، فتتحوَّل هذه المسائل إلى تدريب على استحضار بنية القرآن ومواضع ألفاظه إلى جانب ما سبق من جمع النَّظائر والفروق بينها.
ويختم ابن الجوزي بذكر الأوصاف التي شاركت فيها أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم الأنبياء عليهم السَّلام، فينقل تقسيمها إلى 30 وصفًا: 10 تقابل أوصاف إبراهيم عليه السَّلام، و10 تقابل أوصاف موسى عليه السَّلام، و10 تقابل ما وصف الله تعالى به النَّبي محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم. فيقابل بين الاصطفاء والاجتباء والصَّلاح والهداية والسَّلام والإيمان وقبول الدُّعاء وغيرها، ثمَّ يقابل ما ورد لموسى عليه السَّلام من شرح الصَّدر والتَّيسير والمعيَّة وإجابة الدُّعاء والأمن بما ورد للمؤمنين، ويقابل ما خصَّ الله تعالى به نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم من رفع الحرج والمغفرة وإتمام النِّعمة والهداية والنَّصر والتَّثبيت والرِّضا وشرح الصَّدر والأجر والشَّهادة بما ورد لأمَّته من نظائر هذه المعاني. ويُنهي الكتاب بأثر ابن عبَّاس رضي الله عنهما في صلاة الله عزَّ وجلَّ وملائكته على أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، مستدلًّا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ}.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














