
نبذة عن الكتاب:
يُؤصِّل ناصح الدِّين عبد الرَّحمن بن نجم الحنبلي في «استخراج الجدال من القرآن الكريم» طرائق المحاجَّة والاستدلال من نصوص القرآن نفسه، قاصدًا إلى بيان أنَّ أصول الجدل الصَّحيح لا تتوقَّف على اصطلاحات الجدليِّين المتغيِّرة، بل يمكن استخراجها من طرائق القرآن في إقامة الحجَّة، ودفع الشُّبهة، وإلزام الخصم، والسُّؤال والجواب. ويجعل مادَّة الكتاب في 8 أبواب تبدأ ببيان الجدل الممدوح والمذموم، ثمَّ تبحث نشأة الجدال وجدال الأنبياء عليهم السَّلام، وأدلَّة وجود الله عزَّ وجلَّ ووحدانيَّته والبعث، ودلائل نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وتنتهي باستخراج صور الأسئلة والأجوبة والقواعد الجدليَّة المتفرِّقة من الآيات.
ويبدأ بتتبُّع ألفاظ الجدل والحجَّة والسُّلطان في القرآن، فيذكر أنَّ لفظ الجدل وتصاريفه ورد في 29 موضعًا، ولفظ الحجَّة وتصاريفه في 27 موضعًا، ولفظ السُّلطان في 33 موضعًا، ويرى أنَّ الجدل جاء مذمومًا في عامة مواضعه إلا ما دلَّ على المجادلة بالتي هي أحسن. ثمَّ يُفصِّل معنى هذا الجدل المحمود، فيدخُل فيه اختيار أظهر الأدلَّة، والاستدلال بإعجاز القرآن، والإصغاء إلى شُبَه المخالفين وحلِّها ودحضها، والرِّفق بالخصم وترك الغلظة التي تحمله على العناد وتمنعه من تدبُّر الحجَّة. ويستشهد بطريقة الأنبياء عليهم السَّلام في جواب أقوامهم؛ فقد قابل نوح وهود وصالح عليهم السَّلام اتِّهامات أقوامهم بالبيان والحجَّة دون مقابلة السَّفه بالسَّفه.
ويرجع في نشأة الجدال إلى سؤال الملائكة في خلق آدم عليه السَّلام: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}، فيفسِّره على أنَّه استدلال بالتَّرجيح والأولويَّة، ويُفرِّق بين سؤال الملائكة وإبائهم وبين مجادلة إبليس؛ فالملائكة طلبوا البيان ولم يعصوا، أمَّا إبليس فعارض الأمر بقياسه حين قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}. ويكشف فساد هذا القياس من وجوه، أهمُّها معارضة النَّص بالقياس، ودعوى أفضليَّة النَّار من غير دليل، وأنَّ امتثال الأمر أولى من مخالفته، وأنَّ قياس إبليس يفضي إلى الاعتراض على الأمر الإلهيِّ. ثمَّ يبيِّن معنى الحجَّة، فيجعل حقيقتها دليل الدَّعوى، مع إمكان إطلاقها على الشُّبهة من جهة كونها مستندًا للمخالف، ويميِّز بين الحجَّة البالغة التي لا يعارضها معارض والشُّبهة الدَّاحضة.
ويستخرج من محاورات الأنبياء عليهم السَّلام نماذج عمليَّة للجدل القرآني؛ فيعرض دعوة نوح عليه السَّلام وما اشتملت عليه من الاستدلال بخلق الإنسان والسَّماوات والقمر والشَّمس والأرض والبعث، ثمَّ يتناول جدال إبراهيم عليه السَّلام في ثلاثة مقامات: نظره في الكوكب والقمر والشَّمس، وجداله أباه، ومحاجَّته الملك. ويربط الأفول بالتَّغيُّر والحدوث، ثمَّ يقف عند انتقال إبراهيم عليه السَّلام في محاجَّة الملك من الإحياء والإماتة إلى الإتيان بالشَّمس من المشرق، ويرى أنَّ الانتقال إلى دليل آخر جائز إذا قابل الخصم الحجَّة بالمباهتة، وكان الدَّليل الثَّاني أقرب إلى الفهم وأقطع للمعارضة.
ويُفصِّل كذلك جدال موسى عليه السَّلام لفرعون حين سأله: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}، فيرى أنَّ موسى عليه السَّلام لم يُجبه عن الماهيَّة التي تضمَّنها السُّؤال، وإنَّما عرَّف الله عزَّ وجلَّ بآثار ربوبيَّته وصفاته فقال: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}، ثمَّ {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}، ثمَّ {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا}. فلمَّا انقطع فرعون عن المحاجَّة انتقل إلى التَّهديد بالسِّجن، ثمَّ ظهرت آيتا العصا واليد. ويُلحظ المؤلِّف من ذلك اختلاف نوع الحجَّة بحسب حال المخاطب؛ فقد تكون عقليَّة، وقد تكون آية حسِّيَّة، وقد ينتقل المستدلُّ من دليل إلى آخر بحسب ما يقتضيه موقف الخصم.
ويجمع في إثبات وجود الصَّانع سبحانه الأدلَّة القرآنيَّة المبنيَّة على النَّظر في المخلوقات، فيجعل كلَّ موجود بعد عدم دليلًا على موجده، ويستشهد بخلق الإبل والسَّماء والجبال والأرض، واختلاف اللَّيل والنَّهار، والشَّمس والقمر، وإنزال الماء وإحياء الأرض، واختلاف الثِّمار مع اتِّحاد الماء، والفلك والرِّياح والسَّحاب، وخلق الإنسان وتحوُّله من طور إلى طور، وما في الأنعام والطَّعام والنَّار من دلائل القدرة والتَّدبير. ويجعل التَّفكُّر في هذه الآيات طريقًا إلى معرفة الخالق، ويضيف إليه طريق الخبر المتواتر عن الأنبياء عليهم السَّلام الذين اتَّفقوا على الإخبار عن إله واحد قادر مريد عالم حيٍّ.
وينتقل إلى إثبات الوحدانيَّة، فيبني الاستدلال على أنَّ الصَّنعة مفتقرة إلى صانع ولا تفتقر إلى تعدُّده، ثمَّ يعرض أدلَّة القرآن، وفي مقدِّمتها قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا}، وقوله: {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}. ويعرض اعتراضين على دليل التَّمانع: إمكان اتِّفاق إرادة إلهين، والاستدلال بوجود الأضداد من خير وشرٍّ ونور وظلمة وحياة وموت على تعدُّد المدبِّرين، ثمَّ يجيب بأنَّ افتراض اثنين متكافئين تمامًا في العلم والقدرة والإرادة لا يثبت تعدُّدًا حقيقيًّا، وأنَّ صدور الأضداد عن تدبير واحد أدلُّ على كمال القدرة، كما تختلف الثِّمار مع أنَّها تُسقى بماء واحد.
ويستدلُّ للبعث بمسالك قرآنيَّة متنوِّعة، فيجعل الخلق الأوَّل دليلًا على إمكان الإعادة: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}، ويستدلُّ بخلق السَّماوات والأرض على القدرة على إعادة الإنسان، وبإحياء الأرض بعد موتها، وإخراج النَّار من الشَّجر، وخلق الإنسان من النُّطفة، وإنزال الماء وإنبات الزَّرع. ويقسم أدلَّة البعث إلى ما يثبت جوازه بالنَّظائر الحسِّيَّة، وما يثبت وقوعه بما أخبر الله تعالى به ووعد به من الإعادة والجزاء، ويقف عند الأقسام الإلهيَّة المؤكِّدة للبعث. ويردُّ استبعاد المنكرين بأنَّهم يشاهدون في العالم نظائر الإحياء بعد الموت، وأنَّ النَّشأة الثَّانية ليست بأعجب من النَّشأة الأولى.
ويُفصِّل دلائل نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم من القرآن، ويجعل القرآن كلَّه دليلًا على صدق رسالته لما وقع به من التَّحدِّي والعجز عن المعارضة، فيتتبَّع آيات التَّحدِّي بالقرآن وبعشر سور وبسورة وبحديث مثله. ويضمُّ إلى الإعجاز ما أخبر به القرآن من الغيوب ثمَّ وقع على وفق الخبر؛ كانتصار الرُّوم بعد هزيمتهم، ودخول المسجد الحرام آمنين، واستخلاف المؤمنين وتمكين دينهم، وما أخبر به في شأن المنافقين وأهل الكتاب، وعصمة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من النَّاس. ويستدلُّ كذلك بما في شريعته من العدل ومكارم الأخلاق، وبما جاء في شأن أهل الكتاب من تحدِّيهم بما يعرفونه في كتبهم، وبالمباهلة، وبامتناع اليهود عن تمنِّي الموت حين تحدَّاهم القرآن بذلك. ويعدُّ كلَّ سورة من القرآن وجهًا من وجوه الدَّلالة على النُّبوَّة من جهة العجز عن الإتيان بمثلها، ثمَّ يربط صدق الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بصدق من سبقه من الأنبياء عليهم السَّلام وبالدَّلالة على الله عزَّ وجلَّ.
ويجعل الباب الأخير تطبيقًا مباشرًا لاصطلاحات الجدل على الأساليب القرآنيَّة، فيبدأ بسؤال المنع، ومثاله دعوى المنافقين أنَّهم مصلحون في جواب النَّهي عن الإفساد، ثمَّ ردُّ القرآن دعواهم بقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}. ويستخرج سؤال النَّقض من إلزام من زعموا أنَّهم لا يؤمنون لرسول حتى يأتي بقربان تأكله النَّار بأنَّ رسلًا سبقوا إلى ما طلبوه ثمَّ قتلوهم، ومن نقض تقليد الآباء باحتمال كونهم لا يعقلون ولا يهتدون. ويشرح القول بالموجب من جواب الرُّسل لمن اعترض بأنَّهم بشر: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}، ومن جواب من قالوا في النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّه أذن: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ}. ويجعل آيات التَّحدِّي مثالًا للمعارضة؛ لأنَّ القرآن أقام إعجازه دليلًا على النُّبوَّة ثمَّ طالب الخصوم بمعارضته بمثله.
ويبحث بعد ذلك بناء التَّعليل نفسه؛ فقد يُعلَّل الحكم بعلَّة واحدة، وقد يجتمع له أكثر من علَّة، وقد تستقلُّ كلُّ علَّة بإثبات الحكم. ويعرض صورًا لتعليق الأحكام بعلل تقتضي نقيض ما ينبغي، كما في جعل التَّطهُّر سببًا لإخراج لوط عليه السَّلام وأتباعه، أو مطالبة المكذِّبين بالعذاب علامةً على صدق الرُّسل. ويذكر الجواب المفصَّل بحسب أجزاء السُّؤال من قصَّة موسى والخضر عليهما السَّلام في تفسير أمر السَّفينة والغلام والجدار، ويميِّز بين القياس الدَّال حقيقةً وبين التَّشبيه الذي يراد به تحقيق الوقوع واليقين، ثمَّ يذكر قياس الشَّبه والاستدلال باللَّازم والسبب مقام الحكم.
ويستخرج التَّرجيح من مواضع كثيرة؛ فمنه ترجيح المؤمنين على أعدائهم بأنَّ الفريقين يتألَّمون ولكنَّ المؤمنين يرجون من الله تعالى ما لا يرجوه خصومهم، والموازنة بين من يهدي إلى الحقِّ ومن لا يهتدي إلا أن يُهدى، وبين الله عزَّ وجلَّ وما يشركون، وبين من أسَّس بنيانه على تقوى ومن أسَّسه على شفا جرف هار، وبين الأرباب المتفرِّقين والله الواحد القهَّار. ثمَّ يعرض مفهوم الموافقة، ومثاله دلالة تحريم قول «أفٍّ» للوالدين على تحريم ما هو أشدُّ منه من السَّب والضَّرب، ويعرض مفهوم المخالفة والخلاف في الاحتجاج به، مستخرجًا القواعد الأصوليَّة من نظم الخطاب القرآني لا من عرضها مجرَّدة عن أمثلتها.
ويفسِّر تسمية القرآن لشُبَه الكفَّار «أمثالًا»، ويعرض اعتراضهم على الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بأكله الطَّعام ومشيه في الأسواق وعدم نزول ملك معه أو إلقاء كنز إليه، ثمَّ يبيِّن ما في أجوبتهم من التَّناقض وما جاء في القرآن من ردِّ اقتراح الآيات. ويفرِّق بين الآيات التي تأتي ابتداءً دليلًا على صدق الرُّسل وبين الآيات التي يقترحها المكذِّبون؛ لأنَّ الإتيان بالمقترح بعد تعيينهم إيَّاه يقطع عذرهم ويجعل الجحود بعده عنادًا يستوجب تعجيل العقوبة، بخلاف سائر الدَّلائل التي يبقى للنَّاظر معها مجال التَّأمُّل.
ويعرض ذمَّ التَّقليد من خلال تكرار احتجاج الأمم بما وجدوا عليه آباءهم، ويستخرج من أجوبة القرآن نقض هذا الأصل بالسُّؤال عن علم الآباء وهدايتهم، وبعرض ما هو أهدى ممَّا ورثوه. ثمَّ يذكر جواز التَّجوُّز في الخطاب، وجواز عطف الواجب على غير الواجب، وعدم سماع الإنكار بعد الاعتراف، ويلتفت إلى لطائف الأجوبة الجدليَّة؛ فمنها جواب موسى عليه السَّلام لفرعون حين امتنَّ عليه بتربيته، فردَّ عليه بأنَّ تلك المنَّة مرتبطة باستعباد بني إسرائيل، فقلب ما عدَّه فرعون نعمةً إلى بيان أصل النِّقمة. ويتناول كذلك المباكتة بالتَّشنيع، والمقابلة في الجزاء، وقاعدة أنَّ تخصيص شيء بالذِّكر لا يستلزم اختصاصه بالحكم.
ويختم مسائله بثلاث شُبَه وأجوبتها؛ فيجيب عن اختلاف مراتب التَّحدِّي بالقرآن كلِّه وعشر سور وسورة بأنَّ المقصود إظهار العجز عن الكلِّ والبعض، ثمَّ يجيب عن سؤال نزول القرآن منجَّمًا لا جملةً واحدةً بما نصَّ عليه القرآن من تثبيت فؤاد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وترتيله، وينقل وجهًا آخر في استمرار الوحي وتتابعه. ثمَّ يعرض شبهةً في القدر تتعلَّق بالجمع بين خلق الفعل والعقاب عليه، ويردُّها بإثبات حكمة الله عزَّ وجلَّ وعدله وتنزيهه عن الظُّلم، ويحذِّر من التَّعمُّق في هذه المسألة. وآخر مسألة علميَّة في الرِّسالة استدلاله بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} في مسألة توبة الزِّنديق، ويفسِّر زيادة الكفر بإبطانه مع إظهار الإيمان، ثمَّ ينهي الرِّسالة بقوله إنَّ الله تعالى أعلم بكتابه وأسرار خطابه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














