
نبذة عن الكتاب:
يَضبط علم الدِّين السَّخاوي في «هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطُّلاب في تبيين متشابه الكتاب» مواضع المتشابه اللَّفظي في القرآن الكريم التي قد يلتبس بعضها ببعض على الحافظ والقارئ، فينظُم الفروق الدَّقيقة بين الآيات المتقاربة في ألفاظها ليعين على استحضار كلِّ موضع بلفظه ومكانه، ويقي من نقل لفظ آية إلى نظيرتها أو زيادة كلمة وحذفها وتقديمها وتأخيرها. وقد صرَّح بأنَّه نظم أرجوزته في «اشتباه الكلم»، وأودعها المواضع التي تخفى على تالي القرآن، فجاءت المنظومة في أصلها أداةً لضبط الحفظ وتمييز النَّظائر، لا كتابًا في تفسير أسباب اختلاف المتشابه أو توجيه أسراره البلاغية.
ويرتِّب السَّخاوي مادَّته على حروف المعجم بدل ترتيب السُّور، فيجعل الحرف الأوَّل من اللَّفظ المشكل بابًا يُرجع إليه الباحث؛ فمن أشكل عليه لفظ نظر إلى أوَّل حروفه فوجد نظائره وفروقه في بابه. وإذا توالت كلمات مشتبهة جمعها في باب الحرف الأوَّل من الكلمة الأولى متى أمكن، وإلَّا أفرد كلَّ واحدة في بابها، وقد يكتفي بذكر أحد القرينين إذا كان ذكره يدلُّ على الآخر، وقد يجمعهما معًا لزيادة البيان. ويستبعد من منظومته ما يكفي الإعراب نفسه في تمييزه، لأنَّ الحركة الإعرابية عندئذٍ تصبح علامةً تمنع الاشتباه ولا يحتاج الموضع معها إلى قاعدة حفظ مستقلة.
ويبدأ بباب الألف، فيجمع تحته طائفة واسعة من الفروق التي تكشف طبيعة عمله؛ فيميِّز بين {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} في البقرة و{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ} في الأعراف، وينبِّه إلى اختلاف خاتمة الموضعين بين {يَفْسُقُونَ} و{يَظْلِمُونَ}، ويضبط {إِلَيْنَا} و{عَلَيْنَا}، ومواضع تقديم «الأرض» على «السَّماء»، وتكرار {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ}، ومواضع {أَطِيعُوا} التي تتكرَّر فيها الكلمة أو تسقط، كما يحصي مواضع «أبدًا» بعد {خَالِدِينَ فِيهَا}، ويميِّز بين إنجاء نوح ولوط وهود عليهم السَّلام، وبين {مَا أَشْرَكْنَا} في الأنعام و{مَا عَبَدْنَا} في النَّحل. وهكذا يربط كلَّ صيغة بموضعها أو بسياق قريب منها لتصبح القرينة وسيلةً إلى تثبيت اللَّفظ.
ويعتني بالزِّيادة والحذف عنايةً ظاهرة، لأنَّهما من أكثر أسباب الاشتباه بين الآيات؛ فينبِّه إلى الواو والفاء والباء و«من» و«إلى» وغيرها حين تثبت في موضع وتسقط في نظيره، ويقابل مثلًا {أَلَمْ يَرَوْا} بما جاء مقرونًا بالواو في المواضع الأخرى، و{آتِيكُمْ بِقَبَسٍ} في طه بـ{بِخَبَرٍ} في غيرها، ويضبط {فَقَدْ كُذِّبَ} بالباء، وموضع {بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا}، ويقابل {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} في الإسراء بـ{مِنْ إِمْلَاقٍ} في الأنعام. ولا يكتفي غالبًا بالإشارة إلى وجود الفرق، بل يقرنه باسم السُّورة أو بما يسبقه أو يليه من ألفاظ حتى يرسخ الموضع في الحفظ.
ويُفصِّل فروق التَّقديم والتَّأخير بين النَّظائر، فينبِّه إلى المواضع التي تتَّحد فيها الكلمات ويتغيَّر ترتيبها، كما في الأموال والأنفس إذا اقترنت بالجهاد في سبيل الله، وفي صيغ الشَّهادة والقسط، وفي بعض تراكيب قصص الأنبياء عليهم السَّلام. ويضبط كذلك الموضع الذي يتقدَّم فيه لفظ على قرينه أو يتأخَّر عنه، لأنَّ الحافظ قد يستدعي أصل العبارة ثمَّ يخلط ترتيب كلماتها بترتيب موضع آخر. ومن هذا الباب أيضًا مقابلته بين {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ} في القمر و{أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} في ص، إذ يجمع اختلاف الفعل واختلاف ترتيب أجزاء التَّركيب في قاعدة واحدة تحفظ الموضعين.
ويحصي اختلاف الإفراد والجمع حيث تتقارب بقيَّة ألفاظ الآية، فينبِّه مثلًا إلى إفراد «السَّماء» في موضع وجمع «السَّماوات» في آخر، وإلى ما يرد من اختلاف صيغ الأسماء والأفعال بين النَّظائر. ويضمُّ إلى ذلك فروق التَّعريف والتَّنكير، وإثبات الضَّمير أو إسقاطه، وتذكير الفعل وتأنيثه، والتَّشديد والتَّخفيف، واختلاف صيغة الفعل أو مادَّته، لأنَّ مقصوده هو كلُّ فرق لفظي يمكن أن يعرض للحافظ بسبب شدَّة تشابه السِّياقين، لا نوعًا واحدًا من أنواع المتشابه.
ويستعمل العدَّ وسيلةً رئيسةً في تثبيت المواضع، فيقول إنَّ تركيبًا بعينه جاء في موضعين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، ثمَّ يسمِّي السُّور التي ورد فيها ويحدِّد أحيانًا الأوَّل أو الثَّاني أو الأخير منها. ومن ذلك إحصاؤه مواضع {أَجْرٌ كَبِيرٌ}، و{رِزْقٌ كَرِيمٌ}، و{غَفُورٌ حَلِيمٌ}، و{وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}، و{أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}، وغيرها. وتتحوَّل الأعداد بذلك إلى مفاتيح للحفظ؛ فليس المطلوب معرفة أنَّ العبارة متكرِّرة فحسب، بل معرفة عدد مواضعها وتوزيعها وما ينفرد به كلُّ موضع منها.
ويخصُّ الآيات المتقاربة في قصص الأنبياء عليهم السَّلام بعناية كبيرة، لأنَّ القصَّة الواحدة قد تتكرَّر بألفاظ متشابهة مع فروق يسيرة. فيفرِّق بين صيغ قصص نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى عليهم السَّلام، ويضبط ما يرد في خطاب فرعون وقومه، وما يسبق أقوال الملأ أو يلحقها، وما يقع من اختلاف بين الأعراف والشُّعراء وهود وطه والنَّمل والقصص وغيرها. ومن أمثلته تمييزه {آتِيكُمْ بِقَبَسٍ} في طه من الصِّيغة الأخرى، وتنبيهه إلى {فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ} في الأعراف في مقابل {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ} في غيرها، وضبطه اختلاف الألفاظ المتكرِّرة في قصص الأمم وما نزل بها.
ويجعل الكلمات المتجاورة قرائن بعضها لبعض، فلا يعزل الكلمة المشتبهة دائمًا عن سياقها، بل يذكر ما قبلها أو بعدها مما يميِّز موضعها. ففي {يَوْمٍ أَلِيمٍ} يربط الموضع بقصَّة نوح عليه السَّلام، وفي {أَجْرٌ كَبِيرٌ} يربطه بذكر المغفرة، وفي {غَفُورٌ حَلِيمٌ} يذكر السِّياقات التي تسبقه، وفي {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} يحصي مواضع التَّركيب. وقد نبَّه في مقدِّمته إلى هذه الطَّريقة حين ذكر أنَّ أحد القرينين قد يغني عن صاحبه، وأنَّ جمع القرينين أحيانًا يكون بمنزلة شاهدين يزيدان الموضع وضوحًا.
ويمتدُّ التَّرتيب الهجائي عبر أبواب الباء والتَّاء والثَّاء والجيم والحاء والخاء والدَّال والذَّال والرَّاء والزَّاي والسِّين والشِّين والصَّاد والضَّاد والطَّاء والظَّاء والعين والغين والفاء والقاف والكاف واللَّام والميم والنُّون والهاء والواو والياء، فتجتمع تحت كلِّ باب الكلمات التي يبدأ بها موضع الاشتباه. ولا يلتزم داخل الباب بسورة واحدة، بل ينتقل بين السُّور بحسب الكلمة الجامعة، وهو ما يجعل المنظومة أشبه بدليل هجائي لمواضع المتشابه اللَّفظي؛ فالقارئ الذي يشكُّ في كلمة لا يحتاج إلى استعراض السُّور كلِّها، وإنَّما يرجع ذهنيًّا إلى باب حرفها ويستحضر القاعدة التي نظمها السَّخاوي.
ويصل في باب الطَّاء مثلًا إلى فروق دقيقة في بنية الكلمة نفسها، فيضبط تشديد الطَّاء في {الْمُطَّهِّرِينَ} بالتَّوبة، ويميِّز في سُورة الكهف بين {فَمَا اسْطَاعُوا} و{اسْتَطَاعُوا}، وبين {مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} وصيغتها الأخرى، بما يبيِّن أنَّ مادَّة المنظومة لا تقتصر على اختلاف الكلمات الكاملة، بل تشمل الحرف الزَّائد أو المحذوف داخل الكلمة إذا كان موضعًا متوقَّعًا للخطأ في الحفظ.
ويستمرُّ في الأبواب الأخيرة في ضبط الفروق بالمنهج نفسه، حتى يبلغ باب الياء؛ فيميِّز {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} وموضعها من الآية، وينبِّه إلى {يُذَبِّحُونَ} في البقرة وما يقابله من زيادة الواو في إبراهيم، ويفرِّق بينه وبين {يَقْتُلُونَ} في الأعراف، ويحصي مواضع {يَا قَوْمِ} في تراكيب مخصوصة، ومواضع {أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} و{لَا يُؤْمِنُونَ} و{أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ}، ويضبط موضعي {قَالَ يَا إِبْلِيسُ} في الحجر وص، ثمَّ مواضع {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} و{لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}، وينتهي إلى تمييز {يَجْعَلُهُ حُطَامًا} و{أَوَلَمْ يَعْلَمُوا} في الزُّمر.
ويختم السَّخاوي منظومته بعد البيت 425 بالتَّنبيه إلى أنَّه تتبَّع الكلمات المشتبهة التي قصدها، من غير أن يدَّعي استيعاب كلِّ مشكل في القرآن، فيقول صراحةً إنَّه لم يحصر المشكل كلَّه وإنَّما أراد أن تكون منظومته معينةً لمن يتلو كتاب الله عزَّ وجلَّ. ثمَّ يذكر عدد أبياتها، وهو 431 بيتًا، ويحمد الله تعالى ويصلِّي على النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ويدعو لمن دعا له بالرَّحمة وحسن الحال؛ فتظلُّ غاية النَّظم إلى آخره مرتبطةً بما افتتحه به: إعانة الحافظ على تمييز الألفاظ المتشابهة وصيانة التِّلاوة من الخلط بينها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














