
نبذة عن الكتاب:
يُوجِّه بدر الدِّين محمد بن إبراهيم بن جماعة في كتاب «كشف المعاني في المتشابه من المثاني» الفروقَ بين الآيات القرآنية المتشابهة في ألفاظها وتراكيبها، ويكشف مناسبة كلِّ صيغة للسِّياق الذي وردت فيه، فيسأل عن سبب زيادة لفظ في موضع وحذفه في آخر، والتَّقديم والتَّأخير، والتَّعريف والتَّنكير، والإفراد والجمع، واختلاف حروف العطف والجرِّ، وتكرار بعض الألفاظ والآيات، واختيار صيغة صرفية دون أخرى، ثمَّ يجيب بما يراه مبيِّنًا لخصوصية كلِّ موضع ودقَّة نظمه. ويجري في ذلك على ترتيب سُور القرآن، ويصوغ مادَّته في مسائل متتابعة تقوم في الغالب على سؤال وجواب، حتى تبلغ مسائل الكتاب أواخر القرآن.
ويبدأ بسُورة الفاتحة، فيقف عند البسملة وأسماء الله تعالى فيها، ويبيِّن دلالة «الرَّحمن» و«الرَّحيم» والفرق بين صيغتيهما، ووجه تقديم «الرَّحمن»، ثمَّ يتناول العدول من الغيبة إلى الخطاب في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، وتكرار {إِيَّاكَ} لإفادة حصر العبادة والاستعانة بالله عزَّ وجلَّ، وإعادة لفظ «الصِّراط»، والتَّعبير في {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بإسناد النِّعمة إليه تعالى مع مجيء الغضب في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} على غير ذلك الأسلوب.
ويُفصِّل في سُورة البقرة وجوهًا كثيرة من التَّشابه، فيوازن بين الآية ونظيرتها في السُّورة نفسها أو في سُور أخرى، ويربط اختلاف العبارة باختلاف المقام. فيفسِّر تقديم السَّمع على البصر بما للسَّمع من تعلُّق بتلقِّي النُّبوَّات وأخبار الله تعالى وأوامره ونواهيه، ويفرِّق بين «الضِّياء» و«النُّور» في أمثال المنافقين، ويعلِّل جمع «الظُّلمات» وإفراد «الرَّعد» و«البرق»، ثمَّ يقارن تحدِّي المشركين بالإتيان بسُورة في البقرة ويونس وهود، ويجعل اختلاف التَّعبير تابعًا لما تقدَّم في كلِّ سُورة من سياق التَّحدِّي.
ويردُّ ما يبدو من اختلاف بين ترتيب الأخبار أو تفاصيل القصص إلى دلالة اللَّفظ والسِّياق، فيجمع بين ما جاء في البقرة من خلق ما في الأرض ثمَّ الاستواء إلى السَّماء وبين قوله تعالى في النَّازعات: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}، ويجعل «ثمَّ» في موضع البقرة لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع. ويقارن كذلك بين قصة آدم عليه السَّلام في البقرة والأعراف وطه، فيشرح اختلاف الواو والفاء في الأمر بالسُّكنى والأكل، والفرق بين {تَبِعَ هُدَايَ} و{اتَّبَعَ هُدَايَ}، ويربط اختيار كلِّ صيغة بما يحيط بها من سياق القصة.
ويعتني بمقابلة القصص المكرَّرة في القرآن وتفسير ما يطرأ عليها من تغيير دقيق؛ فيوازن بين قصة بني إسرائيل في البقرة والأعراف وإبراهيم، ويشرح مجيء {يُذَبِّحُونَ} في موضع و{وَيُذَبِّحُونَ} في آخر و{يَقْتُلُونَ} في ثالث، ثمَّ يقارن الأمر بدخول القرية في البقرة بما يقابله في الأعراف، فيتناول اختلاف {ادْخُلُوا} و{اسْكُنُوا}، وذكر «رغدًا» وحذفه، وتقديم السُّجود أو القول، واختلاف «خطاياكم» و«خطيئاتكم»، وإثبات الواو في {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} وحذفها، ويربط ذلك بسياق تعداد النِّعم في البقرة وما تقدَّم في الأعراف من توبيخ بني إسرائيل.
ويجعل سياق السُّورة من أبرز أدواته في توجيه المتشابه؛ فلا ينظر إلى الكلمتين المتقاربتين منفصلتين عمَّا قبلهما وما بعدهما. ومن ذلك تفسيره اختلاف {مَعْدُودَةً} في البقرة و{مَعْدُودَاتٍ} في آل عمران، والفرق بين {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} في البقرة و{وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} في الجمعة، وبين {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} و{إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}. كما يفرِّق بين {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} في البقرة و{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} في إبراهيم بحسب اختلاف الحال التي وقع فيها دعاء إبراهيم عليه السَّلام.
ويكشف مناسبة التَّقديم والتَّأخير لاختلاف المقصود، كما في تقديم النَّصارى على الصَّابئين في موضع وتأخيرهم في مواضع أخرى، وتقديم المغفرة على العذاب في قوله تعالى: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} مع تقديم العذاب في موضع آخر من المائدة. ويشرح كذلك اختلاف الخواتيم والصفات بحسب موضوع الآية، فيربط «المحسنين» بما يناسب الإحسان، و«المتَّقين» بما يناسب الحكم الواجب، ويجعل تقديم المغفرة في بعض السِّياقات مناسبًا للتَّرغيب وسعة الرَّحمة، وتقديم العذاب في غيرها مناسبًا لما تقدَّم من ذكر الجريمة والعقوبة.
ويستثمر علوم العربيَّة في أجوبته، فيستدلُّ بدلالة الأبنية الصَّرفية، ومعاني الحروف، ومراتب العموم والخصوص، والفروق بين صيغ الجموع، ودلالة التَّعريف والتَّنكير، ووظائف الواو والفاء و«ثمَّ» و«مِن»، وما تقتضيه صلة الموصول واختيار الضَّمير أو الاسم الظَّاهر. ويجعل التَّفنُّن في الألفاظ والفصاحة جوابًا في بعض المواضع التي يتَّحد فيها المعنى ولا يقتضي السِّياق فرقًا جوهريًّا، فلا يتكلَّف إثبات فارق معنوي في كلِّ اختلاف لفظي، كما يصرِّح في بعض المسائل بأنَّ اختلاف العبارة من تنويع الألفاظ مع اتِّحاد المقصود.
ويتجاوز توجيه المفردة إلى بناء الآية وترتيب عناصرها، فيفسِّر تكرار الأمر بالتَّوجُّه إلى المسجد الحرام في البقرة بأنَّ لكلِّ موضع وظيفةً تتعلَّق بإعلام النَّسخ، وبيان كون التَّوجُّه حقًّا، وذكر علَّته وعموم حكمه، مع ما في التَّكرار من توكيد استقبال الكعبة. ويقابل بين {فَلَا تَقْرَبُوهَا} و{فَلَا تَعْتَدُوهَا} في الحديث عن حدود الله تعالى، فيجعل النَّهي عن القرب مناسبًا للمحرَّمات، والنَّهي عن الاعتداء مناسبًا للأحكام التي يجب الوقوف عند حدودها.
ويعرض الأقوال المختلفة حين يحتمل الإشكال أكثر من توجيه، فلا يلتزم جوابًا واحدًا في جميع المسائل؛ ففي قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} مع آيات القتال يذكر وجوهًا، منها حمل الآية على نفي الإكراه من غير إقامة الدَّليل، ومنها القول بنسخها بآيات السَّيف، ومنها تخصيصها بأهل الكتاب. وقد يرجِّح بين الأجوبة بقوله إنَّ أحدها أحسن أو أظهر، وقد يكتفي بإمكان الوجه أو احتماله، فيبقى منهجه قائمًا على حلِّ الإشكال بحسب ما يحتمله النَّظم والسِّياق وأقوال أهل العلم.
ويمتدُّ هذا النَّظر في سائر السُّور، فيقارن مواضع قصص الأنبياء عليهم السَّلام، وأوصاف المؤمنين والكافرين، وآيات الوعد والوعيد، والأحكام، وألفاظ الدُّعاء، وصيغ الأمر والنَّهي، وما يتكرَّر من أخبار القيامة والجنَّة والنَّار. ويستعين في التَّوجيه بالسِّياق، وأسباب النُّزول، ومكِّي السُّور ومدنيِّها، وترتيب الوقائع، ودلالة اللُّغة والنَّحو والصَّرف، ومناسبة رؤوس الآيات، وقد يجعل اختلاف الفاصلة سببًا في اختيار لفظ أو ترتيب دون نظيره، كما في تقديم بعض الألفاظ وتأخيرها لمناسبة رؤوس الآي.
ويصل إلى سُورة الكافرون فيدفع توهُّم التَّكرار في قوله تعالى: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وما يليه، فيفرِّق بين نفي العبادة في الحال ونفيها في الاستقبال، ويرى أنَّ الآيات تقطع بإبطال المساومة على تبادل العبادة. ثمَّ يفسِّر في سُورة الفلق تخصيص شرِّ الغاسق والنَّفَّاثات والحاسد بعد عموم {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} بأنَّه تخصيص بعد تعميم يدلُّ على شدَّة هذه الشُّرور وكثرة وقوعها.
ويختم بسُورة النَّاس، فيسأل عن تخصيص الاستعاذة بـ{رَبِّ النَّاسِ} مع أنَّ الله عزَّ وجلَّ ربُّ كلِّ شيء، فيربط ذلك بكون الوسوسة المستعاذ منها متعلِّقة بالنَّاس. ثمَّ يقابل بين سُورتي الفلق والنَّاس، فيلاحظ أنَّ المستعاذ به في النَّاس ذُكر بثلاث صفات: {رَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} مع كون المستعاذ منه شرًّا واحدًا هو الوسوسة، بينما جاء المستعاذ به في الفلق بصفة واحدة مع تعدُّد الشُّرور؛ ويعلِّل ذلك بأنَّ المطلوب في سُورة النَّاس سلامة الدِّين من الوسوسة، وسلامة الدِّين أعظم من سلامة النَّفس والبدن والمال. ثمَّ يشرح ترتيب «الرَّب» و«الملك» و«الإله»، وإعادة لفظ «النَّاس» مع إمكان الإضمار، رابطًا ترتيب الصِّفات بتدرُّج معاني التَّربية والملك والألوهيَّة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














