
نبذة عن الكتاب:
يَجمع يحيى بن شرف النَّووي في «التبيان في آداب حملة القرآن» جملةً من الأحكام والآداب المتعلِّقة بالقرآن وقارئه ومعلِّمه ومتعلِّمه وحامله، قاصدًا إلى كتاب مختصر يسهل حفظه ويكثر الانتفاع به، بعد أن رأى عناية النَّاس بتعلُّم القرآن وتعليمه وتلاوته ودراسته. ويصرِّح بأنَّ من النَّصيحة لكتاب الله عزَّ وجلَّ بيان آداب حملته وطلَّابه وإرشادهم إليها، ولذلك يحذف أكثر الأسانيد، ويقتصر من المسائل والآثار على ما يحقِّق مقصوده، ويجعل كتابه في 10 أبواب تبدأ بفضائل التِّلاوة وحملة القرآن، ثمَّ تتدرَّج إلى آداب المعلِّم والمتعلِّم وحامل القرآن والتِّلاوة نفسها، وتنتهي بأحكام المصحف وضبط الأسماء واللُّغات الواردة في الكتاب.
ويفتتح بفضيلة تلاوة القرآن وحملته، فيورد ما يدلُّ على فضل تعلُّمه وتعليمه، ومنزلة الماهر بالقرآن، ومضاعفة الأجر على حروفه، وكونه شفيعًا لأصحابه، ورفعة من أقامه وعمل به، وما لصاحب القرآن من المنزلة بحسب قراءته. ثمَّ ينتقل إلى ترجيح القراءة والقارئ، فيذكر تقديم الأقرأ في الإمامة، ومكانة القرَّاء في مجالس أهل العلم والمشورة، ويختار أنَّ قراءة القرآن أفضل من التَّسبيح والتَّهليل وسائر الأذكار. ويتبع ذلك بإكرام أهل القرآن والنَّهي عن أذاهم، رابطًا تعظيم حامل القرآن بتعظيم ما يحمله من كلام الله تعالى.
ويُفصِّل آداب معلِّم القرآن، فيجعل الإخلاص أصل عمله، فلا يقصد بتعليمه مالًا ولا رياسةً ولا وجاهةً ولا كثرة الأتباع ولا ثناء النَّاس، ولا يكره أن ينتفع طالبه بمعلِّم غيره؛ لأنَّ من قصد وجه الله تعالى سرَّه ازدياد المتعلِّم من العلم حيث وجده. ويلزمه بمحاسن الأخلاق من الزُّهد والورع والخشوع والسَّكينة والوقار والتَّواضع، والبعد عن الحسد والرِّياء والعجب واحتقار الآخرين، ومراقبة الله عزَّ وجلَّ في السِّرِّ والعلانية. ويأمره بالرِّفق بالمتعلِّم وإكرامه والنُّصح له وتأليف قلبه وتحريضه على العلم، وأن يشفق عليه كإشفاقه على ولده، ويصبر على ما قد يقع منه من جفاء أو سوء أدب، ويحبَّ له من الخير ما يحبُّه لنفسه.
ويبيِّن طريقة المعلِّم في تربية طلَّابه، فيدعوه إلى تأديبهم بالتَّدرُّج وتعويدهم الإخلاص والصِّدق وحسن النِّيَّة ومراقبة الله تعالى، وإعطاء كلِّ طالب ما يناسب قدرته؛ فلا يكثر على من لا يحتمل ولا يقصِّر مع من يحتمل الزِّيادة، مع تعاهد محفوظهم وتشجيع النَّجيب من غير أن يعرِّضه للعجب، وتنبيه المقصِّر من غير تنفير. ويذكر أنَّ تعليم القرآن فرض كفاية، وقد يتعيَّن إذا لم يوجد من يقوم به غير شخص واحد، ويحثُّ المعلِّم على تفريغ قلبه حال الإقراء من الشَّواغل، وترتيب الطَّلبة عند ازدحامهم، وتفقُّد الغائب، وإظهار البِشر لهم، وصيانة مجلس العلم عن العبث وما ينافي الوقار.
ويضع للمتعلِّم آدابًا تقابل آداب معلِّمه، فيطالبه بتطهير قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه والانتفاع به، والتَّواضع لمعلِّمه وإن كان أصغر منه سنًّا أو أقلَّ شهرةً ونسبًا، وألَّا يأخذ العلم إلَّا عمَّن ظهرت أهليَّته وديانته ومعرفته وصيانته. ويأمره بتوقير شيخه، وحسن الجلوس بين يديه، والإنصات له، وعدم رفع الصَّوت أو العبث والالتفات بلا حاجة، ومراعاة حاله فلا يقرأ عليه في وقت ملله أو نعاسه أو انشغال قلبه، والصَّبر على ما قد يجده منه، والحرص على التَّعلُّم والمواظبة عليه، واغتنام أوقات الفراغ والنَّشاط وقوَّة البدن، والمحافظة على المحفوظ، وترك الحسد والعجب.
ويرسم لحامل القرآن سلوكًا يوافق شرف ما يحمله؛ فيطلب منه أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشَّمائل، وأن يترفَّع عمَّا نهى عنه القرآن، ويتنزَّه عن دنيء المكاسب، ويتواضع للصَّالحين والمساكين، ويلزم الخشوع والسَّكينة والوقار. وينقل عن السَّلف ما يدلُّ على أنَّ حامل القرآن ينبغي أن يظهر أثر القرآن في ليله ونهاره وخشوعه وعمله، وألَّا يلهو مع اللاهين ولا يلغو مع اللَّاغين. ويناقش التَّكسُّب بالقرآن، ويميِّز بين سؤال النَّاس بالقراءة واتِّخاذها وسيلةً إلى الدُّنيا، وبين مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن التي اختلف فيها العلماء، ويعرض أقوال المانعين والمجيزين وأدلَّتهم.
ويحثُّ حامل القرآن على ملازمة التِّلاوة وتعاهد المحفوظ، ويعرض اختلاف عادات السَّلف في مقدار الختم، ثمَّ لا يجعل مقدارًا واحدًا لازمًا لكلِّ أحد، بل يربط ذلك بحال القارئ؛ فمن فُتح له في التَّدبُّر ودقائق المعاني اقتصر على قدر يحصل معه كمال الفهم، ومن كان مشغولًا بنشر العلم أو مصالح المسلمين قرأ ما لا يخلُّ بما أقيم له، ومن خلا من هذه الشَّواغل استكثر من القراءة من غير ملل ولا هذرمة. ويذكر كراهة جماعة من المتقدِّمين للختم في يوم وليلة، ويعتني بقراءة اللَّيل لما فيها من اجتماع القلب والبعد عن الشَّواغل والرِّياء، ثمَّ يشدِّد في تعاهد القرآن والتحذير من تعريض المحفوظ للنِّسيان، ويذكر ما يفعله من نام عن ورده من اللَّيل.
ويجعل آداب التِّلاوة معظم الكتاب ومقصوده، فيبدأ باستحضار القارئ أنَّه يناجي الله تعالى، وأن يقرأ مراقبًا لربِّه، ثمَّ يتناول تنظيف الفم بالسِّواك، والطَّهارة، وأحكام قراءة المحدث والجنب والحائض، وطهارة المكان، واستحباب القراءة في المسجد، وحكم القراءة في الطَّريق وغيره، واستقبال القبلة والسَّكينة والوقار. ويشرح الاستعاذة عند الشُّروع في القراءة والمحافظة على البسملة في أوائل السُّور سوى براءة، ثمَّ يجعل الخشوع والتَّدبُّر من أعظم مقاصد القراءة؛ إذ المقصود أن يتلقَّى القلب الآيات بالفهم والاعتبار، ويذكر ما كان عليه السَّلف من ترديد الآية الواحدة زمنًا طويلًا لتدبُّرها.
ويعرض بعد ذلك طائفة واسعة من أحوال القراءة وآدابها؛ فيتناول التَّرتيل، وتحسين الصَّوت من غير خروج بالقراءة عن وجهها، والبكاء والتَّخشُّع، والقراءة سرًّا وجهرًا وما يترتَّب على كلٍّ منهما بحسب حال القارئ ومن حوله، وما يقال عند افتتاح القراءة وختمها، وآداب الختم والدُّعاء عنده، والاجتماع للقراءة، والإدارة التي يقرأ فيها الجماعة واحدًا بعد واحد، وقراءة القرآن على الشَّيخ، وما يتعلَّق بالقراءات والرِّوايات. ويتطرَّق إلى مسائل تعرض للقارئ أثناء التِّلاوة؛ كالتَّثاؤب، والسَّلام وتشميت العاطس، وقطع القراءة للكلام، وما يفعله عند المرور بآيات الرَّحمة أو العذاب أو التَّنزيه، وسجود التِّلاوة وأحكامه، والقراءة في الصَّلاة وما يتصل بها من مسائل فقهية.
وينقل آداب القرآن من القارئ إلى عموم المسلمين، فيقرِّر وجوب تعظيم كلام الله عزَّ وجلَّ وصيانته عن الاستخفاف والتَّحريف والتَّعرُّض له بما لا يليق، ويتناول ما يقع من ألفاظ وأفعال تمسُّ حرمته، وما يجب على سامعه من الإنكار بحسب الحال. ثمَّ يخصُّص بابًا لما تُستحبُّ قراءته في أوقات وأحوال معيَّنة، فيذكر زيادة العناية بالتِّلاوة في رمضان والعشر الأواخر وليالي الوتر، وفي عشر ذي الحجَّة ويوم عرفة والجمعة واللَّيل وبعد الصُّبح، ويورد السُّور والآيات الواردة في صلوات وأذكار مخصوصة؛ كسُورتي السَّجدة والإنسان في فجر الجمعة، والجمعة والغاشية أو الأعلى في صلاة الجمعة، وق والكلام على السَّاعة أو الأعلى والغاشية في العيد، والكافرون والإخلاص في بعض السُّنن، وسُورة الكهف يوم الجمعة، وآية الكرسي والمعوِّذات وما يُقرأ عند النَّوم وفي غيره من الأحوال.
ويناقش أحكام كتابة القرآن وإكرام المصحف بعد تمهيد مختصر لجمع القرآن في عهد أبي بكر ثمَّ نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنهما، فيقرِّر استحباب تحسين كتابة المصحف وتبيينها وإيضاحها، ويجيز نقطه وشكله صيانةً له من اللَّحن والتَّصحيف، ويشدِّد في وجوب صيانة المصحف واحترامه، ويتناول حكم كتابته بما لا يليق، والسَّفر به إلى أرض العدو، وبيعه لغير المسلم، وتمكين غير المميِّز منه، ومسِّه وحمله للمحدث، ومسِّ اللوح المكتوب فيه شيء من القرآن، وما يتصل بأغلفته ومواضع حفظه، جامعًا بين أحكام الطَّهارة ووجوه التَّعظيم العملي للمصحف.
ويخصِّص آخر أبوابه لضبط الأسماء واللُّغات التي جرت في الكتاب، فيفسِّر الغريب ويضبط أسماء الرُّواة والعلماء والبلدان والأنساب، ويبيِّن نطق الألفاظ المحتملة ومعانيها، من ألفاظ المقدِّمة إلى ما ورد في أبواب التِّلاوة والتعليم والقرَّاء. ولا يقصد استيعاب كلِّ ما يمكن شرحه، بل يقتصر على ما يراه مشكلًا أو نافعًا لمن لا يخالط العلماء، فيشرح مثلًا «المنَّان» و«الطَّول» و«الملوان» و«السَّفرة» و«الهذرمة» وغيرها، ويضبط أسماء عدد من المحدِّثين والفقهاء والرُّواة والنِّسب الواردة في الأحاديث والآثار.
ويُنهي مسائل الكتاب بضبط ألفاظ من أواخر أبوابه؛ فيبيِّن معنى «تشميت العاطس»، و«الآصال»، وضبط «سُبُّوح قُدُّوس»، وأسماء بعض الرُّواة، ثمَّ يشرح «المحيا والممات» بالحياة والموت، و«أوزعهم» بمعنى ألهمهم، ومعنى أن يكون الحمد موافيًا للنِّعمة ومكافئًا للمزيد. ويصرِّح بعد ذلك بأنَّ ما ذكره أحرف وجيزة في ضبط مشكل ألفاظ الكتاب، وأنَّه ترك ما بقي لظهوره، لتكون هذه الضُّبوط عونًا لمن يحتاج إليها في قراءة الكتاب وفهم عباراته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














