
نبذة عن الكتاب:
يُجيب زين الدِّين محمد بن أبي بكر الرَّازي في هذا الكتاب عن أكثر من 1200 سؤال ممَّا يَرِد على آيات القرآن الكريم من غرائب المعاني ومواضع الإشكال، فيكشف ما قد يُتوهَّم في ظاهر النَّظم من تعارض أو تكرار أو زيادة، ويبيِّن وجوه اختلاف التَّعبير بين الآيات المتشابهة، وما وراء التَّقديم والتَّأخير والتَّعريف والتَّنكير والحذف والتَّقدير واختيار لفظ دون آخر من دلالات. وقد جمع مادَّته ممَّا نقله من كتب العلماء فنقَّحه ولخَّصه، وممَّا فتح الله تعالى عليه به في المذاكرة والبحث، وقصد إلى تقريب هذه المسائل إلى الأفهام والابتعاد عن الدِّقَّة التي تُفضي إلى الغموض، أمَّا الأسئلة المتعلِّقة بوجوه الإعراب والمعاني الأشدِّ خفاءً فقد أفرد لها مختصرًا آخر.
ويرتِّب الرَّازي الأسئلة على ترتيب سُور القرآن، فيبدأ بسُورة الفاتحة، ثمَّ يمضي مع السُّور والآيات إلى آخر المصحف، ويقيم الكتاب على صيغة واضحة متكرِّرة: «فإن قيل» لعرض الإشكال، و«قلنا» للإجابة عنه. ولا يفسِّر الآيات تفسيرًا متتابعًا، وإنَّما ينتقي المواضع التي تستدعي سؤالًا مخصوصًا؛ كأن يبدو في اللَّفظ تكرار لا تظهر فائدته، أو يختلف التَّعبير بين موضعين متشابهين، أو يُقدَّم ما يُتوقَّع تأخيره، أو يُعرَّف اللَّفظ في موضع ويُنكَّر في آخر، أو يظهر تعارض بين آيتين، أو يُشكل إسناد فعل أو وصف، أو يبدو قيدٌ يمكن في الظَّاهر الاستغناء عنه، فيستخرج من نظم الآية وسياقها ما يبيِّن فائدته.
ويبدأ ذلك في الفاتحة بالسؤال عن تقديم «الرَّحمن» على «الرَّحيم» مع القول بأنَّ الأوَّل أبلغ في الرَّحمة، وعن تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مع أنَّ العبد يستعين بالله عزَّ وجلَّ على العبادة، وعن طلب المؤمنين الهداية إلى الصِّراط المستقيم مع كونهم مهتدين، وعن فائدة «لا» في {وَلَا الضَّالِّينَ}. ويفرِّق في أجوبته بين أصل الهداية والثَّبات عليها وزيادتها، وبين التَّرتيب في الذِّكر والتَّرتيب في الوجود، ويستخرج من اللَّفظ وظيفةً معنوية تمنع حمله على التَّكرار المحض.
ويتَّسع في سُورة البقرة وما يليها لنماذج كثيرة من هذا المسلك؛ فيجيب عن نفي الرَّيب عن القرآن مع وقوع الارتياب فيه، ووصفه بأنَّه هدى للمتَّقين مع أنَّهم مهتدون، ونسبة المخادعة والاستهزاء إلى ما يتعلَّق بالله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن المعاني المذمومة، وحصر الفساد في المنافقين، وفوائد القيود التي يبدو الاستغناء عنها. ويعالج ما يظهر من تكرار المعنى، فيفرِّق مثلًا بين تفجُّر الأنهار من الحجارة وتشقُّقها وخروج الماء منها بالكثرة ونفس الخروج، ويجعل التصريح بالأيدي في كتابة المحرِّفين تأكيدًا لمباشرتهم الفعل بأنفسهم، كما يفرِّق بين التَّولِّي عن الوفاء بالميثاق والإعراض عن النَّظر في عاقبة نقضه.
ويقارن بين الآيات المتشابهة في المبنى المختلفة في التَّعبير، فيسأل عن قوله في دعاء إبراهيم عليه السَّلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} في موضع، و{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} في موضع آخر، ويربط اختلاف التَّنكير والتَّعريف باختلاف الحال المقصودة في الدُّعاء. ويتتبَّع كذلك اختلاف الضَّمائر والأزمنة والحروف، وزيادة لفظ في آية وحذفه من نظيرتها، واختيار المفرد أو الجمع، وتقديم بعض أجزاء الجملة وتأخيرها، فيجعل المقارنة بين المواضع القرآنية المتشابهة سبيلًا إلى بيان خصوصيَّة كلِّ تعبير وملاءمته لسياقه.
ويدفع ما قد يُتوهَّم من التَّعارض بين الآيات بحمل كلِّ نصٍّ على الجهة التي ورد فيها؛ فعند قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} مع قوله في سُورة الرَّحمن: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} يجعل المثبت سؤال التَّوبيخ: لِمَ فعلتم؟ والمنفي سؤال الاستعلام والاستخبار: هل فعلتم؟ ويسلك نظير ذلك في مواضع أخرى، فيفرِّق بين كلام الإكرام وكلام التَّوبيخ، وبين أحوال القيامة المختلفة، وبين الحكم العام وما خُصَّ منه، وبين المعنى الحقيقي وما جاء على المجاز أو المشاكلة.
ويستثمر سياق الآية في إزالة الإشكال، فلا يقف عند المعنى المعجمي للَّفظ منفردًا؛ فعند قوله تعالى في أصحاب الحِجر: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} مع أنَّ المرسل إليهم صالح عليه السَّلام، يجيب بأنَّ من كذَّب رسولًا واحدًا فكأنَّما كذَّب الرُّسل جميعًا؛ لاتِّفاق دعوتهم إلى توحيد الله تعالى. وعند تقديم إراحة الأنعام على سَرْحها في قوله تعالى: {حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} لا يجعل ترتيب اللَّفظ تابعًا لمجرَّد التَّرتيب الزَّمني، بل يعلِّله بكون منظر الأنعام عند رجوعها بالعشيِّ أجمل؛ لإقبالها ممتلئة البطون والضُّروع متتابعةً في سيرها.
ويتناول أسئلة الأحكام والعبادات حين يكون منشأ الإشكال دلالة الآية نفسها؛ فيعرض للقصاص والوصيَّة والصِّيام والدُّعاء والحجِّ والنَّفقة والطَّلاق والرَّجعة والرِّبا والدَّين والرَّهن والشَّهادة وغيرها. ويبيِّن أنَّ تشبيه صيام المسلمين بصيام من قبلهم قد يكون في أصل الصَّوم لا في جميع كيفيَّته، ويفسِّر إعادة ذكر المريض والمسافر بما يدفع توهُّم دخول رخصتهما فيما نُسخ من حكم غيرهما، ويبحث فائدة قوله تعالى في صيام المتمتِّع: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} بعد ذكر الثَّلاثة والسَّبعة، فيجعل التصريح بالمجموع دافعًا لاحتمال إرادة التَّخيير بين العددين، ويذكر للكمال وجوهًا تتجاوز مجرَّد كمال العدد.
ويكشف دلالات الألفاظ التي قد يحمل ظاهرها على غير المراد، فيردُّها إلى استعمالات العربيَّة وسياق الكلام؛ فيفسِّر «الطَّعم» في الماء بمعنى الذَّوق، ويفرِّق بين «المنِّ» بمعنى الإنعام وبين المنِّ المذموم الذي هو الاعتداد بالنِّعمة واستعظامها على من أُعطيها، ويبيِّن كيف يُعبَّر بالأكل عن مطلق الانتفاع بالمال في وعيد آكلي الرِّبا. ويستعين بالحذف والتَّقدير والاشتراك اللَّفظي واتِّساع الدَّلالة وتعدُّد معاني الحروف وأسماء الإشارة وصيغ المبالغة وغيرها من أساليب العربيَّة لتوجيه الآيات وإزالة ما يبدو في ظاهرها من إشكال.
ويبحث المسائل العقدية التي تثيرها دلالات الآيات، فيتناول صفات الله تعالى وتنزيهه، والعلم الإلهي، والهداية والإضلال، والإيمان والكفر، والنُّبوَّة والمعجزات، والبعث والجزاء والشَّفاعة والخلود. فعند قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ} مع سبق علم الله عزَّ وجلَّ، يحمل العلم على ظهور المعلوم واقعًا موجودًا أو على التَّمييز للعباد. وعند سؤال إبراهيم عليه السَّلام عن إحياء الموتى يفرِّق بين أصل اليقين وبين طلب مشاهدة الكيفيَّة، ويوجِّه قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بما لا يجعله شكًّا في قدرة الله تعالى على الإحياء.
ولا يكتفي في جميع المواضع بنقل جواب واحد، بل يسوق للسؤال الواحد أحيانًا عدَّة وجوه، ثمَّ يعترض على بعضها أو يبيِّن ما يَرِد عليها، وقد يصرِّح بأنَّ في أصل السؤال نظرًا أو أنَّ بعض الأجوبة غير سديد. ويستدلُّ بآيات أخرى من القرآن، ويستحضر كلام العرب والشِّعر وأقوال المفسِّرين واللُّغويين، ويوازن بين توجيهاتهم؛ ولذلك تتحوَّل صيغة السؤال والجواب عنده إلى مناقشة تبحث مدى مطابقة الجواب للإشكال، وتختبر الاحتمالات الممكنة في اللَّفظ والسِّياق قبل ترجيح الوجه أو إبقاء أكثر من جواب محتمل.
ويمضي بهذه الطَّريقة في السُّور المكيَّة والمدنيَّة إلى المفصَّل، فتظلُّ الأسئلة متَّصلة بدقَّة اختيار الألفاظ والعلاقات بين الآيات. ففي سُورة القارعة يسأل عن قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} مع إمكان رجحان سيئات بعض المؤمنين، فيجيب بأنَّ الآية لا تدلُّ على خلود المؤمن في النَّار، فيكون مكثه فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبه ثمَّ يخرج منها، ويذكر وجهًا آخر يجعل خفَّة الموازين خلوَّها من الحسنات بالكلِّيَّة، فتكون في الكفَّار. وفي سُورة التَّكاثر يسأل عن جواب {لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}، ويقدِّره محذوفًا بما يفيد أنَّ العلم بحقيقة الأمر كان سيشغلهم عن التَّكاثر والتَّفاخر.
ويُدقِّق في السُّور الأخيرة في فروق لغوية وبلاغية شديدة الصِّلة بألفاظها؛ فيناقش في سُورة الكافرون العدول إلى «ما» في قوله تعالى: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} بدل «مَن»، ويعرض وجوهًا منها مراعاة المقابلة، وكون «ما» مصدرية، وإرادة الصِّفة، ثمَّ يبحث فائدة تكرار جمل العبادة والنَّفي، فيذكر القول بأنَّه للتَّأكيد وقطع أطماع المشركين، والقول باختلاف دلالات الجمل بحسب الأزمنة، ويناقش ما يَرِد على هذا التَّوجيه من جهة دلالة المضارع واسم الفاعل.
ويتناول في سُورة الإخلاص استعمال «أحد» في الإثبات في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مع غلبة استعمال «أحد» في النَّفي و«واحد» في الإثبات، فيذكر القول بعدم الفرق بينهما في أصل المعنى، ويستشهد بما ورد من استعمال «أحد» في الإثبات، ويذكر احتمال العدول عن الغالب مراعاةً لمقابلة «الصَّمد». ثمَّ يسأل في سُورة الفلق عن تخصيص الغاسق والنَّفَّاثات والحاسد بعد عموم قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}، فيجعل تخصيصها إمَّا لتعظيم شرِّها وإمَّا لخَفائه ووصوله إلى الإنسان من حيث لا يشعر، ويناقش تعريف «النَّفَّاثات» مع تنكير الغاسق والحاسد، مفرِّقًا بين لزوم الشَّرِّ في المقصود بالنَّفَّاثات وعدم لزومه لكلِّ غاسق أو حاسد.
ويختم أسئلته في سُورة النَّاس ببحث قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، فيسأل عن تخصيص النَّاس بالذِّكر مع أنَّ الله عزَّ وجلَّ ربُّ كلِّ شيء، ويجيب بأنَّ في ذلك تشريفًا لهم لما اختصُّوا به من العقل والتَّمييز، وبأنَّ الاستعاذة من شرِّ الموسوس إلى النَّاس ناسَبَ أن تقع بربِّهم الذي يملك دفع شرِّه عنهم. ثمَّ يناقش قوله تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}: أهو بيان للوسواس، فتكون الاستعاذة من الموسوسين من شياطين الجنِّ والإنس، أم بيان للنَّاس الذين تقع الوسوسة في صدورهم، فيشمل الجنَّ والإنس، ويعرض توجيهات المفسِّرين واللُّغويين في الوجهين وما وُجِّه إلى بعضهما من اعتراضات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














