
نبذة عن الكتاب:
يَشرح محمد بن عبد الله بن إبراهيم البركاتي منظومة «روضة الطرائف في رسم المصاحف» لبرهان الدِّين إبراهيم بن عمر الجعبري، فيكشف ما اختصره النَّاظم من قواعد الرَّسم العثماني ومسائله، ويبيِّن مراده في الأبيات، ويوثِّق أحكام الكلمات القرآنية من المصادر المعتمدة في هذا الفنِّ، مع بيان ما عليه العمل في المصاحف المشرقية والمغربية. وتقوم المنظومة المشروحة على «عقيلة أتراب القصائد» للإمام الشَّاطبي، إذ اعتمد الجعبري مسائلها وزاد عليها وقيَّد بعض أحكامها وخالفها في مواضع، فجاء شرح البركاتي متتبِّعًا هذه العلاقات، ومبيِّنًا زيادات الجعبري واختياراته وما انفرد به في رسم المصاحف.
ويمهِّد البركاتي لشرح المنظومة بتحديد علم رسم المصحف وموضوعه، فيفرِّق بين الرَّسم القياسي الذي تجري عليه الكتابة الإملائية، والرَّسم العثماني الذي كُتبت به المصاحف في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويجعل موضوع هذا العلم حروف المصاحف العثمانية من جهة ما يقع فيها من حذف وزيادة وإبدال وقطع ووصل ونحو ذلك. ثمَّ يصل الرَّسم بعلم القراءات، موضِّحًا أنَّ موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا من أركان القراءة المقبولة، وأنَّ اختلاف رسوم المصاحف قد يحتمل وجوهًا من القراءات، كما في إثبات بعض الحروف أو حذفها واختلاف صور الكلمات.
ويعرض قبل النَّص المشروح نشأة التَّأليف في رسم المصاحف إلى عصر الجعبري، ثمَّ يدرس «روضة الطرائف» من حيث نسبتها إلى ناظمها ومصادرها ومنهجها وصلتها بـ«عقيلة أتراب القصائد». ويوازن بين المنظومتين في الأسلوب والمسائل والمصادر، ويرصد ما زاده الجعبري في مبادئ العلم وفرشه، وما قيَّده من كلام الشَّاطبي، وما أسقطه أو خالفه فيه، والمواضع التي خالف فيها جمهور علماء الرَّسم، والكلمات التي عبَّر عنها الجعبري بقراءة وعبَّر عنها الشَّاطبي بقراءة أخرى.
ويبدأ شرح النَّظم بمقدِّمات تتصل بالقرآن الكريم وإعجازه ونقله وكتابته، فيشرح أبيات الجعبري في حقيقة إعجاز القرآن، ويردُّ الأقوال التي حصرت وجه الإعجاز في الصَّرفة أو الإخبار بالغيب أو غير ذلك من الوجوه المفردة، ثمَّ ينتقل إلى عرض القرآن الكريم على جبريل عليه السَّلام، وحفَّاظه وكتَّابه في عهد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وجمعه وكتابته في المصاحف. ويتناول نشأة النَّقط والشَّكل وما يتصل بتجريد المصاحف، تمهيدًا للدخول في أحكام الرَّسم نفسها.
ويشرع بعد ذلك في فرش مسائل الرَّسم على ترتيب سُور القرآن، مبتدئًا بباب التَّغيير من الفاتحة إلى آخر الأنعام، فيفسِّر طريقة كتابة الألفاظ التي خالف رسمها صورتها الإملائية المعتادة، ويبيِّن ما اتَّفقت عليه المصاحف وما اختلفت فيه. ومن ذلك رسم «الصِّراط» بالصَّاد، و«المصيطرون»، وموضع «بسطة» في الأعراف، ثمَّ يتتبَّع اختلاف المصاحف في إثبات بعض الحروف وحذفها، ويصل كلَّ رسم بما ورد فيه من نقل عن أئمة هذا الفنِّ وما يحتمله من قراءة.
ويُفصِّل اختلاف المصاحف العثمانية بعضها عن بعض، فلا يقتصر على القواعد العامَّة، بل يذكر ما اختصَّ به المصحف المدني أو المكِّي أو الشَّامي أو العراقيان من زيادة حرف أو إسقاطه أو اختلاف صورة الكلمة. فيشرح مثلًا رسم قوله تعالى في المصحف الشَّامي بغير واو في موضع من {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}، وزيادة الباء في {وَبِالزُّبُرِ} واختلاف رسم {وَبِالْكِتَابِ}، وما وقع في بعض المصاحف من رسم {قَلِيلًا} في سُورة النِّساء، ويربط هذه الفروق بالقراءات التي وافقت رسوم مصاحف الأمصار.
ويتابع مواضع الزِّيادة والحذف في الكلمات والحروف، فيتناول زيادة «مِن» في المصحف المكِّي في قوله تعالى: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} من سُورة التَّوبة، وحذفها في بقية المصاحف، واختلاف إثبات الواو وحذفها في بعض المواضع، وزيادة الألف في ألفاظ مخصوصة، وما نُقل في ذلك عن أئمة الرَّسم. ولا يكتفي بإيراد الخلاف، بل يذكر ما جرى عليه العمل في المصاحف المعاصرة التي يعتمدها في المقارنة، فينبِّه مثلًا إلى ما يوافق مصحف المدينة وما يوافق المصحف المحمدي المغربي.
ويستوعب أحكام حذف الألفات وإثباتها في جملة واسعة من الألفاظ القرآنية، سواء تعلَّق الأمر بألف المفرد أو الجمع أو التَّثنية أو أبنية مخصوصة، ويشرح القيود التي يضعها الجعبري لإخراج النظائر التي لا تدخل في الحكم. ومن ذلك ما يعرضه في ألفاظ من نحو «عباده»، و«خاشعًا»، و«تكذبان»، و«بمواقع»، وما يقع في رسم ألفاظ متشابهة من اختلاف بين الإثبات والحذف، مع بيان ما نُقل عن الدَّاني وأبي داود وغيرهما، وما اختاره علماء الرَّسم، وما استقرَّ عليه رسم المصاحف التي يقارن بها.
ويعالج حذف الياءات وإثباتها في أواخر الكلمات وأوساطها، ويفرِّق بين ما حُذفت ياؤه رسمًا وما ثبتت فيه، ويربط بعض ذلك بالوقف والوصل وبوجوه القراءات. ثمَّ ينتقل إلى زيادة الياء، فيشرح ما اتَّفقت المصاحف على إثباته زائدًا على مقتضى الرَّسم القياسي، مثل رسم الياء في ألفاظ مخصوصة من نحو {أَفَإِنْ مَاتَ} و{أَفَإِنْ مِتَّ} و{مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} و{وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ} و{مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} و{بِأَيْدٍ}، ويبيِّن ضوابط كلِّ صورة والقيود التي تمنع إلحاق غيرها بها.
ويُفصِّل رسم الهمز وما يتصل بصورته في المصاحف، فيشرح قواعد الهمزة المتوسِّطة والمتطرِّفة وما خرج عن الأصول العامَّة، ويتتبَّع الألفاظ المستثناة التي خُصَّت بصورة رسمية معيَّنة. ويورد ما وقع في بعض المصاحف القديمة من صور تخالف الرَّسم القياسي في كلمات من نحو «جاء» ومشتقَّاتها، ثمَّ يوازن بين المنقول في المصاحف وبين ما عليه العمل، فلا يجعل كلَّ صورة مرويَّة رسمًا معمولًا به في المصاحف المتداولة.
ويتناول رسم التَّاء والهاء وما يرد من الكلمات التي اختلفت صورتها بين التَّاء المفتوحة والتَّاء المربوطة، ويشرح مواضع ألفاظ من نحو «كلمة» و«رحمة» و«نعمة» و«امرأة» وغيرها بحسب ما نقله علماء الرَّسم، مع تقييد كلِّ حكم بسُورته وموضعه عند الحاجة. ويبيِّن كذلك ما يرتبط بهذه الرسوم من اختلاف القراءات، إذ قد تكون صورة الكلمة في المصحف محتملةً لقراءة على الإفراد وأخرى على الجمع، أو لوجهين صرفيَّين مختلفين.
ويخصِّص جانبًا للقطع والوصل، فيضبط الكلمات المركَّبة التي اتَّفقت المصاحف على وصل أجزائها أو قطعها، والتي اختلف الرُّواة في رسمها، ويتتبَّع مواضع «أن لا»، و«إن ما»، و«عن ما»، و«من ما»، و«في ما»، و«أم من» ونظائرها. ويذكر في كلِّ نوع المواضع المستثناة من القاعدة، كما يبيِّن أنَّ {فِي مَا} تُقطع في مواضع مخصوصة وتوصل في غيرها، وأنَّ {أَمْ مَنْ} قُطعت في مواضع منها ما في النِّساء والتَّوبة والصَّافات وفصِّلت، فيتحوَّل النَّظم المختصر بهذا الشرح إلى ضبط تفصيلي لمواضع كلِّ حكم في القرآن.
ويعتني البركاتي أثناء ذلك ببيان اصطلاحات الجعبري وفكِّ رموز عباراته وتفسير غريب ألفاظه، ويضبط الأبيات من جهة المعنى وما يحتاج إليه وزنها، ويذكر القراءات الواردة في الكلمات التي يتناولها الرَّسم وينسبها إلى قرَّائها. كما يرجع في توثيق المسائل إلى أصول هذا العلم، وفي مقدِّمتها «المقنع» للدَّاني و«مختصر التبيين» لأبي داود و«عقيلة أتراب القصائد» للشَّاطبي و«الوسيلة إلى كشف العقيلة» للسَّخاوي، ويستفيد من كتب الرَّسم وشروحها في تحرير مواضع الاتفاق والخلاف. وقد صرَّح بأنَّ منهجه في الشرح يقوم على إيضاح المراد من الأبيات من غير تطويل مملٍّ ولا اختصار مخلٍّ، مع بيان العمل في مصاحف المشرق والمغرب وتوثيق قضايا الرَّسم من مصادرها.
ويُبرز خلال الشرح شخصية الجعبري العلمية واختياراته؛ فينبِّه إلى زياداته على الشَّاطبي، وإلى المواضع التي أطلق فيها حكمًا يحتاج إلى تقييد، وما وافق فيه الدَّاني أو أبا داود أو خالف المنقول عنهما، وما استدركه على أصحاب كتب الرَّسم. وبذلك لا يقتصر البركاتي على حلِّ ألفاظ المنظومة، بل يحرِّر المسألة التي يشير إليها البيت، ويجمع أقوال أئمة الرَّسم فيها، ثمَّ يحدِّد موضع الكلمة القرآنية ووجه رسمها والقراءة المتعلِّقة بها والعمل الجاري في المصاحف عند الحاجة.
ويصل في أواخر المنظومة إلى بقيَّة مسائل المقطوع والموصول وما استثني من قواعدهما، ثمَّ تنتهي الأبيات بالدُّعاء وطلب العفو عمَّا يقع من نسيان أو خطأ، والحثِّ على استدراك ما يظهر من خلل، قبل أن يذكر الجعبري عدد أبيات منظومته ويختم بحمد الله تعالى والصَّلاة على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم. ويشرح البركاتي هذه الأبيات الأخيرة كما شرح ما قبلها، مبيِّنًا مقاصد ألفاظها وما تضمَّنته من اعتذار النَّاظم ودعائه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














