
نبذة عن الكتاب:
يَستقرئ يحيى بن سلَّام في كتاب «التصاريف» الألفاظ التي تكرَّرت في القرآن الكريم وتنوَّعت دلالاتها باختلاف مواضعها وسياقاتها، فيجمع استعمالات اللفظ الواحد، ويقسِّمها إلى وجوه متعدِّدة، ثمَّ يورد تحت كلِّ وجه الآيات التي جاء فيها اللفظ بذلك المعنى أو ما يماثلها من النَّظائر. فلا يسير في تفسير القرآن سُورةً بعد سُورة، ولا يقصد إلى شرح جميع ألفاظه وآياته، وإنَّما يجعل اللفظة المشتركة أصلًا للبحث، ويتتبَّع تصرُّف معناها في القرآن، مستعينًا بالسِّياق وبما نُقل في التفسير لتعيين المراد منها في كلِّ موضع.
ويفتتح مادته بتفسير «الهدى»، فيجعل له سبعة عشر وجهًا، ويكشف بهذا الباب منذ البداية عن طبيعة الكتاب؛ فاللفظ الواحد لا يُحمل عنده على معنى ثابت في جميع مواضعه، بل قد يأتي بمعنى البيان، أو دين الإسلام، أو الإيمان، أو الدُّعاء، أو المعرفة، أو الرَّشاد، أو غير ذلك بحسب الآية التي ورد فيها. ويضع لكلِّ معنى عنوانًا مستقلًّا، ثمَّ يسوق شواهده من سُور مختلفة، وقد يكتفي بعد ذكر عدد منها بقوله إنَّ نظائرها كثيرة، لأنَّ غرضه جمع مواضع الدَّلالة الواحدة تحت وجه واحد لا تفسير السُّور تفسيرًا متتابعًا.
ويطبِّق هذا المنهج على ألفاظ العقيدة والدِّين، فيفسِّر «الكفر» على أربعة وجوه، و«الشِّرك» على ثلاثة، و«الإيمان» على أربعة، ويميِّز بين المعاني التي تحملها هذه الألفاظ في سياقاتها المختلفة. ثمَّ يعالج ألفاظًا مثل «الفساد» و«السُّوء» و«الحسنة والسَّيئة» و«الحسنى» و«الخزي» و«الرَّحمة»، فلا يكتفي بالمعنى المشهور للكلمة، بل يبيِّن ما قد يراد بها من معنى خاص في آية دون أخرى، ويضمُّ الآيات المتَّفقة في ذلك المعنى بعضها إلى بعض.
ويبلغ تعدُّد الدَّلالة مدى واسعًا في بعض الألفاظ؛ فيجعل «الرَّحمة» على أحد عشر وجهًا، و«الذِّكر» على ستَّة عشر وجهًا، و«النَّاس» على أحد عشر وجهًا، و«الأُمَّة» على تسعة وجوه. ففي «الأُمَّة» مثلًا يفرِّق بين ورودها بمعنى العصبة، والملَّة، والسِّنين، والقوم، والإمام، والأُمم الخالية، وأُمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وغير ذلك من المعاني التي يحدِّدها السِّياق. ويكشف هذا التَّقسيم أنَّ وحدة اللفظ لا تستلزم وحدة المراد منه، وأنَّ تعيين الوجه المقصود لا يتمُّ بمعزل عن موضعه من الآية.
ويتناول ألفاظ العبادات والأحكام بالطَّريقة نفسها؛ فيبحث «الصَّلاة» و«الصِّيام» و«الزَّكاة» و«النكاح» و«الطَّلاق» و«الحدود» وغيرها بحسب ما تتصرَّف إليه دلالاتها. وقد يكون للفظ معنى شرعي معروف ثمَّ يستعمل في موضع آخر على معنى مختلف، فيفصل بين الوجهين ويورد لكلٍّ منهما شواهده. وبذلك تمتدُّ مادة الكتاب إلى موضوعات الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق والقصص والوعد والوعيد من غير أن تتحوَّل إلى أبواب موضوعيَّة؛ لأنَّ الجامع بينها دائمًا هو اللفظ القرآني المراد بيان وجوهه.
ويعرض كذلك للألفاظ التي تتعلَّق بالإنسان وأحواله وأعماله وصفاته، فيفسِّر «الخوف» و«الخير» و«الحب» و«الهوى» و«الصَّبر» و«الظُّلم» و«الفسق» و«الفجور» و«العدوان» ونحوها، ويبيِّن اختلاف المراد منها من سياق إلى آخر. ويظهر في هذه المواضع أثر التفسير بالمأثور؛ إذ ينقل أحيانًا أقوالًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والحسن وغيرهم، أو يذكر تفسيرًا للآية يعيِّن به الوجه الذي أدخلها تحته، من غير أن يستطرد عادةً في مناقشة الأقوال أو بناء مسائل مطوَّلة عليها.
ويمتدُّ مفهوم «التصاريف» عنده إلى مشتقَّات الأصل الواحد، فلا يتقيَّد دائمًا بصورة لفظيَّة واحدة؛ إذ قد يجمع الفعل والاسم والمصدر وما اشتُقَّ من المادَّة إذا كانت بينها الصِّلة التي يقوم عليها الباب. وتظهر هذه السِّمة في أبواب من قبيل «ظهر» وما يتصل به من الظُّهور والإظهار والتَّظاهر والظَّاهر، كما تظهر في عناوين تجمع صيغًا متقاربة مثل «وجهة، ووجهه، ووجه» أو «الرِّجز والرُّجز والرِّجس». فالتَّصريف هنا يتَّصل بتغيُّر الدَّلالة مع تغيُّر السِّياق والصِّيغة، لا بمجرد إحصاء تكرار كلمة على رسم واحد.
ويكثر أن يفسِّر اللفظ بلفظ موجز مباشر؛ فيقول في كلِّ وجه مثلًا إنَّ المراد كذا، ثمَّ يأتي بالآية الدَّالَّة عليه، ويضيف إليها نظائرها من مواضع أخرى. ولا يبني أبواب الكتاب على الترتيب الهجائي ولا على ترتيب السُّور، بل تتوالى الألفاظ بحسب ترتيب خاص بالكتاب؛ فيجاور اللفظُ غيره وإن لم يجمعهما باب موضوعي واحد. ويؤدِّي هذا البناء إلى جمع الآيات المتباعدة في المصحف إذا اشتركت في اللفظ والمعنى، وإلى الفصل بين آيات متقاربة في اللفظ نفسه إذا اختلف الوجه المراد منها.
ويبرز أثر السِّياق بوضوح حين يفرِّق بين معانٍ قد لا يدلُّ عليها اللفظ منفردًا. ففي «الضَّلال» يجعل للكلمة ثمانية وجوه، فيأتي بها بمعنى الكفر في مواضع، والاستزلال عن الحق في مواضع، والخسران في مواضع، والشَّقاء أو إبطال العمل أو الخطأ والجهالة أو النِّسيان في مواضع أخرى. وعند قوله تعالى في الشَّهادة: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} يجعل الضَّلال بمعنى النِّسيان، بينما لا يحمل المواضع المتعلِّقة بالكفر أو إغواء إبليس على هذا المعنى، وبذلك يفصل بين الدَّلالات التي يجمعها اللفظ ولا يجمعها المراد.
ويصنع مثل ذلك في الألفاظ التي تبدو قريبة المعنى؛ فيفسِّر «آية» على وجهين: العبرة والعلامة، ويضع تحت معنى العبرة آيات من قبيل ما جاء في ابن مريم عليه السَّلام وأمِّه، وما بقي من آثار الأمم السَّابقة، بينما يجعل من العلامة ما دلَّ على قدرة الله عزَّ وجلَّ ووحدانيَّته أو كان علامةً مخصوصة على أمر بعينه، مثل آية مُلك طالوت وآية زكريا عليه السَّلام. فالحدُّ الفاصل بين الوجوه عنده هو المعنى الذي تؤدِّيه الكلمة داخل الآية، ولو تقاربت تلك المعاني في أصل اللُّغة.
ويفصِّل كذلك لفظ «اليوم» على أربعة وجوه؛ فيجعله للأيام التي خلق الله عزَّ وجلَّ فيها السَّماوات والأرض، ولأيام الدُّنيا، وليوم القيامة، وللحين. وتندرج تحت الوجه الأخير آيات مثل قوله تعالى في يحيى عليه السَّلام: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}، فيفسِّر «يوم» فيها بمعنى «حين»، وكذلك ما ورد في الظَّعن والإقامة والحصاد. ويكشف هذا الباب عن عنايته بالفروق التي يحدثها السِّياق في ألفاظ مألوفة قد يُتوهم اتِّحاد معناها في جميع المواضع.
ويأتي في آخر مادَّة الكتاب إلى لفظ «الآخرة»، فيجعله على خمسة وجوه؛ فيرد بمعنى القيامة في مواضع الإيمان بالبعث، وبمعنى الجنَّة في آيات منها {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ}، وبمعنى عذاب جهنَّم في قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}، وبمعنى القبر في تفسير قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، ثمَّ يجعلها بمعنى «الأخير» في قوله تعالى: {سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} وقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ}.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














