
نبذة عن الكتاب:
يستقصي جلال الدِّين السُّيوطي في كتاب «المهذَّب فيما وقع في القرآن من المعرَّب» الألفاظ القرآنيَّة التي نُسب أصلها أو استعمالها إلى لغاتٍ غير العربيَّة، فيجمع ما وقف عليه منها، ويعزو الأقوال إلى مصادرها وأصحابها، ويبيِّن معاني تلك الألفاظ واللُّغات التي قيل إنَّها ترجع إليها، ثمَّ يرتِّبها بحسب حروف المعجم. ويقدِّم لهذا الجمع بتحرير الخلاف في أصل المسألة: هل وقع في القرآن الكريم شيءٌ من المعرَّب، أم أنَّ ألفاظه كلَّها عربيَّة؟
ويعرض مذهب المانعين من وقوع المعرَّب في القرآن، ومنهم الشَّافعي وابن جرير وأبو عبيدة وابن فارس، مستدلِّين بوصف القرآن بأنَّه عربيٌّ، وبأنَّ اشتماله على ألفاظٍ لا تعرفها العرب قد يفتح باب الاعتراض على إعجازه. وينقل في تفسير ما رُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وغيره من نسبة بعض الألفاظ إلى الفارسيَّة والحبشيَّة والنَّبطيَّة قولًا بأنَّ ذلك من توارد اللُّغات على اللَّفظ الواحد، وقولًا آخر بأنَّ العرب أخذت ألفاظًا من الأمم التي خالطتها، ثمَّ غيَّرتها واستعملتها حتى جرت في كلامها مجرى العربيِّ الفصيح، فنزل القرآن بها بعد تعريبها.
ويرجِّح السُّيوطي وقوع المعرَّب في القرآن، ويردُّ الاستدلال بعربيَّته بأنَّ وجود كلماتٍ قليلةٍ ذات أصولٍ أعجميَّة لا يسلب الكلام وصفه العامَّ، كما لا تخرج القصيدة الفارسيَّة عن فارسيَّتها بسبب لفظةٍ عربيَّة تقع فيها. ويستدلُّ بما نُقل عن أبي ميسرة من أنَّ في القرآن من كلِّ لسان، ويربط ذلك باشتمال القرآن على الإشارة إلى ألسنة الأمم المختلفة، مع بقاء أصله ولسانه عربيًّا.
ويورد مذهب أبي عبيد القاسم بن سلَّام الذي يجمع بين القولين، ومفاده أنَّ بعض الألفاظ أعجميُّ الأصل، لكنَّ العرب أخذتها وعرَّبتها بألسنتها وحوَّلتها عن صورتها الأعجميَّة حتى صارت من كلامها، ثمَّ نزل القرآن بعد استقرارها في الاستعمال العربيِّ؛ فيصحُّ بهذا الاعتبار وصف أصلها بالعجمة، كما يصحُّ وصف صورتها المستعملة في القرآن بالعربيَّة. وينقل موافقة جماعةٍ من العلماء لهذا التَّوجيه، ومنهم ابن جرير والجواليقي وابن الجوزي.
ويجمع بعد المقدِّمة الألفاظ التي عُدَّت من المعرَّب، مبتدئًا بحرف الهمزة ومنتهيًا بالياء، ولا يقتصر عند كلِّ لفظٍ على إثبات عجمته، بل يذكر القائل بذلك ومصدر النَّقل، ويحدِّد اللُّغة المنسوب إليها متى وجد ذلك، ويشرح معناها، ويورد أحيانًا أكثر من قولٍ إذا اختلف العلماء في أصلها أو لغتها أو دلالتها. ولذلك قد ينسب اللَّفظ الواحد إلى الحبشيَّة عند بعضهم، وإلى النَّبطيَّة أو السُّريانيَّة أو غيرهما عند آخرين، من غير أن يسوِّي بين الأقوال أو يخفي مواضع اختلاف النَّقل.
ويتتبَّع ألفاظًا نُسبت إلى الفارسيَّة، مثل «أباريق» و«استبرق» و«سجِّيل» و«سرادق» و«زنجبيل» و«سندس» و«كافور» و«كنز» و«ياقوت»، ويذكر ما نُقل في أصول بعضها قبل التَّعريب ومعانيها. ففي «استبرق» ينقل أنَّه الدِّيباج الغليظ وأنَّه فارسيٌّ معرَّب، وفي «سجِّيل» يورد تفسير أصلها الفارسيِّ بالحجر والطِّين، وفي «سرادق» يذكر أصلًا فارسيًّا بمعنى ما يتَّصل بالسِّتر أو الدِّهليز، وفي «سندس» ينقل القول بأنَّه رقيق الدِّيباج.
ويورد طائفةً كبيرةً ممَّا نُسب إلى الحبشيَّة، ومن ذلك أقوال العلماء في «أوَّاه» و«أوَّاب» و«الجبت» و«حَصَب» و«شطر» و«طه» و«قَسْوَرة» و«كفلين» و«مشكاة» و«مِنسأة» و«ناشئة» و«يحور» و«يس»، ويبيِّن المعاني المنقولة لها في تلك اللُّغة. فيذكر مثلًا تفسير «قَسْوَرة» بالأسد، و«كفلين» بضعفين، و«مشكاة» بالكُوَّة، و«يحور» بمعنى يرجع، كما يجمع في بعض الألفاظ رواياتٍ متعدِّدةً عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وغيرهم.
ويتتبَّع كذلك ما نُسب إلى النَّبطيَّة، مثل «أسفار» و«أكواب» و«تتبيرًا» و«تحت» و«حواريُّون» و«رهو» و«مقاليد» و«ملكوت» و«مناص» و«وراء» و«وزر»، وما نُسب إلى السُّريانيَّة في ألفاظٍ مثل «ربَّانيُّون» و«الطُّور» وبعض الأقوال في «الفردوس» و«اليم»، وما نُسب إلى الرُّوميَّة مثل «الرَّقيم» و«الفردوس» و«القسط» و«القسطاس». كما يورد ما عُزي إلى العبريَّة والقبطيَّة والبربريَّة والزِّنجيَّة والتُّركيَّة والهنديَّة وغيرها، فيكشف بذلك عن تعدُّد اللُّغات التي ربط العلماء بينها وبين بعض ألفاظ القرآن.
ويعتني بالألفاظ التي تعدَّدت الأقوال في أصلها عنايةً ظاهرةً؛ ففي «الفردوس» مثلًا يجمع القول بأنَّه روميٌّ والقول بأنَّه نبطيٌّ والقول بأنَّه سريانيٌّ، مع ما نُقل في معناه من البستان أو الجنَّة أو جنَّات الأعناب. وفي «طه» يورد نسبتها إلى الحبشيَّة والنَّبطيَّة والسُّريانيَّة، مع تفسيرها بنداء الرَّجل أو الإنسان. وفي «أوَّاه» ينقل معاني الموقن والرَّحيم والمؤمن وغيرها، مقرونةً بما نُسبت إليه من اللُّغات، فتظهر عنايته بجمع مادَّة الخلاف أكثر من الاقتصار على اختيار أصلٍ واحدٍ لكلِّ لفظ.
ويستفيد في جمعه من كتب التَّفسير واللُّغة وغريب القرآن والقراءات والمعرَّب، فيكثر النَّقل عن ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة والفرَّيابي وابن المنذر، وعن الجواليقي والثَّعالبي وابن الجوزي والرَّاغب والواسطي وشيدلة وغيرهم. ويورد الأسانيد في عددٍ من النُّقول المرويَّة عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين، ولا سيَّما ما يتعلَّق بتفسير اللَّفظ ونسبته إلى لسانٍ معيَّن، فيجتمع في الكتاب الاستقراء اللُّغويُّ مع مادَّة التَّفسير المأثور.
ويحصي السُّيوطي في آخر الكتاب ما انتهى إليه بعد سنواتٍ من الفحص والمطالعة، ويذكر أنَّ هذه المادَّة لم تجتمع قبله في كتابٍ واحدٍ على هذا النَّحو. ثمَّ يقارن جمعه بما نظمه تاج الدِّين السُّبكي من الألفاظ المعرَّبة، وما أضافه الحافظ ابن حجر، ويبيِّن ما استدركه عليهما، مع إسقاط ما يتكرَّر لاشتراك الألفاظ في مادَّةٍ واحدة. ويختم المادَّة بنظم الألفاظ؛ فيورد أبيات السُّبكي، ثمَّ زيادات ابن حجر، ثمَّ يضيف أبياتًا تضمُّ ما جمعه واستدركه من ألفاظٍ أخرى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














