
نبذة عن الكتاب:
يَستخرج إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي في كتاب «أحكام القرآن» الأحكام الفقهيَّة من آيات الكتاب العزيز، ويجمع تحت كلِّ آية ما يتصل بها من الأحاديث والآثار وأقوال الصَّحابة والتَّابعين والفقهاء، ثمَّ يتدخَّل في مواضع الخلاف لبيان دلالة الآية ومناقشة الأقوال وترجيح ما يراه موافقًا لظاهر القرآن والسُّنَّة. ولا يقتصر بذلك على نقل التَّفسير المأثور، بل يجعل الآية أصلًا للمسألة الفقهيَّة، ثمَّ يستقصي ما ورد فيها من النُّصوص والآثار، ويوازن بين وجوه الاستدلال عند اختلاف أهل العلم.
ويتناول أحكام الحدود والجنايات، فيورد عند قوله تعالى في الإماء: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ما نُقل في حدِّ المملوك والأَمَة، ثمَّ ينتقل إلى تحريم أكل الأموال بالباطل ومعنى التِّجارة عن تراض، فيدخل في ذلك القمار والبيوع الفاسدة والغرر والرِّبا، ويميِّز بين جهات فساد هذه المعاملات؛ فالغرر والقمار عنده مبنيَّان على تعريض المال لما لا يُدرى حصوله، أمَّا الرِّبا فيتعلَّق بأخذ عوض عن التَّأخير أو عن معنى لم يجعل الشَّرع له ذلك العوض. ويشرح قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} بأنَّ المراد نهي بعض المسلمين عن قتل بعض، مستدلًّا باستعمال القرآن لفظ الأنفس في جماعة المسلمين وبما جاء في حرمة الدِّماء.
ويجمع في تفسير الكبائر طائفة واسعة من الأحاديث والآثار، فيورد ما جاء في الشِّرك بالله تعالى، وقتل النَّفس، وعقوق الوالدين، والزِّنا، والرِّبا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والفرار من الزَّحف، والسِّحر، وشرب الخمر، واليمين الغموس، وقول الزُّور، واليأس من روح الله عزَّ وجلَّ، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره. ويعرض اختلاف السَّلف في حصر الكبائر وعددها، وينقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على أنَّها أكثر من سبع، وما رُوي في ضابط الكبيرة من كونها ذنبًا أوجب الله تعالى عليه النَّار أو اقترن بوعيد شديد، فتتجاوز المعالجة مجرَّد تعداد ذنوب بعينها إلى بيان المعيار الذي عُرفت به الكبيرة.
ويتناول الأحكام الأسريَّة في آيات سُورة النِّساء، فيعرض النَّهي عن تمنِّي ما فضَّل الله تعالى به بعض النَّاس على بعض، وما رُوي في سبب نزول الآية وما يتصل باختلاف نصيب الرِّجال والنِّساء. ثمَّ يناقش قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}، فيورد أقوال السَّلف في الحلف والنُّصرة والميراث، وما قيل في انتقال الحكم عن التَّوارث بالحلف إلى تقديم أولي الأرحام.
ويفصِّل أحكام نشوز الزَّوجة الواردة في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}، فيجمع الآثار في الوعظ والهجر في المضجع والضَّرب غير المبرِّح، ويعرض اختلافهم في معنى الهجر وحدوده، وما يترتَّب على عودة الزَّوجة إلى الطَّاعة. ويستعين بحديث حقوق الأزواج والزَّوجات لبيان المراد بالفاحشة والنُّشوز، ويناقش ما يثبت من ضمان أو قصاص إذا تجاوز الزَّوج حدَّ التَّأديب، مفرِّقًا بين ما يقع في الوجه المأذون فيه وما يتحوَّل إلى اعتداء.
ثمَّ يتناول الشِّقاق بين الزَّوجين في قوله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}، ويعرض الخلاف في سلطة الحكمين: هل هما وكيلان لا ينفذ تصرُّفهما إلا بتفويض الزَّوجين، أم يملكان الجمع والتَّفريق إذا بعثهما السُّلطان. وينقل في ذلك قول الشَّافعي وما استدلَّ به من أثر علي رضي الله عنه، ثمَّ أقوال ربيعة ومالك وغيرهما، ويورد عن مالك أنَّ الحكمين ينظران في سبب الشِّقاق ويجتهدان في الإصلاح، فإن تعذَّر أمكنهما التَّفريق بحسب ما يظهر لهما من حال الزَّوجين. ويؤكِّد إسماعيل القاضي أنَّ الخصومة لا تُترك حتى يستمرَّ أحد الزَّوجين في ظلم الآخر، بل يُعمل بما أمر الله تعالى به للوصول إلى الحق ورفع الضَّرر.
ويعرض مراحل تحريم الخمر من خلال الآيات، فيجمع ما رُوي في قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}، وما قيل في سبب نزولها، ثمَّ يورد الآثار التي تجعلها مرحلة سبقت التَّحريم القاطع في سُورة المائدة. ويبيِّن من خلال النُّصوص المتتابعة انتقال الحكم من بيان ما في الخمر والميسر من الإثم والمنفعة، إلى منع الصَّلاة في حال السُّكر، ثمَّ إلى الأمر باجتناب الخمر والميسر وما اقترن بهما، فيستحضر النَّسخ وتدرُّج الحكم عند تفسير الآيات ذات الصِّلة.
ويبحث حكم الجُنُب في قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}، فيجمع الروايات المختلفة في معنى «عابري سبيل»؛ فمن السَّلف من حملها على المسافر تصيبه الجنابة ولا يجد الماء فيتيمَّم ويصلِّي، ومنهم من حملها على المرور في المسجد من غير جلوس. ويسوق لكلِّ اتجاه ما ورد عن الصَّحابة والتَّابعين، وما نُقل من مرور الجُنُب في المسجد، لتظهر المسألة في مجموع أدلَّتها واختلاف وجوه تفسير الآية.
ويتناول معنى السُّحت في القرآن، فيورد تفسيره بالرِّشوة في الحكم وما جاء في لعن الرَّاشي والمرتشي، وينقل ما أُدخل فيه من المكاسب المحرَّمة. ثمَّ يعرض قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وما رُوي في سياقه وتفسيره، قبل أن ينتقل إلى قوله تعالى: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ}، فيشرح اختلاف القراءة وما يترتَّب عليها من اختلاف المعنى بين الهَجْر في الكلام والقول الفاحش، ويجمع الآثار في السَّمر بعد العشاء، موازنًا بين ما ورد في كراهته وما ثبت من السَّمر في مصالح المسلمين والعلم والخير.
ويخصِّص مساحة واسعة لأحكام سُورة النُّور، فيبدأ بقوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} وما يتعلَّق بالفرائض والحلال والحرام، ثمَّ ينتقل إلى حدِّ الزِّنا، والنَّهي عن تعطيل الحدِّ رأفةً بالمحدود، ومعنى حضور طائفة من المؤمنين إقامة الحدِّ. ويناقش دلالة لفظ «الطَّائفة» وعدد من يتحقَّق بهم شهود العذاب، مستدلًّا باستعمال القرآن واللُّغة، ثمَّ يتناول قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً}، ويعرض اختلاف الآثار في زواج الزَّاني بمن زنى بها وحكم التَّوبة وأثرها.
ويفصِّل أحكام الظِّهار عند قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}، فيورد خبر خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصَّامت وما ترتَّب على الظِّهار من الكفَّارة. ثمَّ يناقش معنى قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}، ولا يكتفي بسرد الأقوال، بل يختبرها بدلالة اللَّفظ وترتيب الحكم، ويعترض على تفسير العود بمعانٍ يرى أنَّ تركيب الآية لا يحتملها، مستدلًّا باشتراط تحرير الرَّقبة قبل التَّماس وبما يترتَّب على كلِّ تفسير من أحكام.
ويعرض في سُورتي الصَّف والجمعة عددًا من الأحكام والمعاني، فيذكر الحواريين ومعنى النُّصرة لله تعالى، وما رُوي في الطَّوائف التي اختلفت في عيسى عليه السَّلام، ثمَّ يتناول قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} وما نُقل في دخول العجم والتَّابعين وسائر من آمن وعمل صالحًا في معناها. ويقف عند مَثَل الذين حُمِّلوا التَّوراة ثمَّ لم يحملوها، ثمَّ ينتقل إلى أحكام الجمعة ابتداءً من قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}، فيجمع الآثار في معنى السَّعي، ووقت وجوب المضي إلى الجمعة، والنِّداء الذي يتعلَّق به الحكم.
ويبحث تحريم البيع عند النِّداء للجمعة في قوله تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ}، وينقل عمل السَّلف وأهل المدينة في ترك البيع عند خروج الإمام والنِّداء للصَّلاة، ثمَّ يناقش دلالة الأمر بالانتشار بعد انقضاء الصَّلاة، فيجعلها إباحةً بعد حظر لا أمرًا يلزم به الخروج والتِّجارة. ويتناول كذلك قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}، فيجمع الأحاديث الدَّالة على خطبة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قائمًا وجلوسه بين الخطبتين، وما رُوي في انفضاض النَّاس إلى العير وبقاء جماعة مع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
وينتقل إلى أحكام الإنفاق وما رُوي عند قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}، ثمَّ يعرض عددًا من آيات سُورة التَّغابن وما يتصل بالإيمان والهداية وفتنة الأزواج والأولاد والأمر بتقوى الله تعالى بحسب الاستطاعة، قبل أن يجعل أحكام الطَّلاق موضع معالجة مطوَّلة عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}.
ويستقصي في الطَّلاق حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين طلَّق زوجته وهي حائض، وأمر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم له بمراجعتها حتى تطهر، ثمَّ يبيِّن وقت الطَّلاق الموافق للعدَّة، ويجمع آثار الصَّحابة والتَّابعين في طلاق السُّنَّة وطلاق الثلاث. ويورد ما نُقل عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وعلي رضي الله عنه وعمران بن حصين والحسن وغيرهم في ذمِّ جمع الثلاث، وما رُوي من التَّأديب عليه، ويجعل إيقاع طلقة واحدة أرفق بالزَّوجين؛ إذ تبقى معها إمكانات المراجعة وتجديد النِّكاح ولا يضيِّق الزَّوج على نفسه بما لا حاجة إليه.
ويبلغ النِّقاش الفقهي في هذه المسألة درجة صريحة من التَّرجيح؛ فيعترض إسماعيل القاضي على القول بأنَّ من طلاق السُّنَّة إيقاع طلقة في كلِّ طهر، محتجًّا بأنَّ العدَّة إنما تُحسب من الطَّلقة الأولى، وبأنَّ المقصود من تشريع الطَّلاق على الوجه المأمور به إبقاء مجال المراجعة وعدم الإضرار بالمرأة أو التَّضييق على الرَّجل. كما يردُّ على استدلال الشَّافعي بجواز جمع الثلاث من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ويفرِّق بين دلالة الحديث على الوقت الذي يجوز فيه الطَّلاق وبين عدد الطَّلقات، ثمَّ يستدل بقوله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} وما رُوي في تفسيره بالرَّجعة على أنَّ تشريع الطَّلاق على هذا الوجه يترك للزَّوج سبيلًا إلى مراجعة زوجته إذا تغيَّر رأيه.
ويعتمد إسماعيل القاضي في مجموع هذه المسائل منهجًا يجمع بين الأثر والنَّظر الفقهي؛ فيكثِّر من رواية الحديث وأقوال الصَّحابة والتَّابعين، ويستحضر اختلاف الفقهاء، ثمَّ يعود إلى ألفاظ الآيات وسياقها ودلالة الأمر والنَّهي والعموم والخصوص والنَّسخ واستعمال اللُّغة ليختبر بها الأقوال. ولذلك لا تأتي الأحكام منفصلة عن أدلَّتها، بل تُبنى المسألة من الآية وما ورد في تفسيرها، ثمَّ تُضم إليها السُّنَّة والآثار والخلاف الفقهي، ويظهر ترجيحه خصوصًا حين يرى أنَّ أحد الأقوال يخالف ظاهر النَّص أو يفضي إلى معنى لا يستقيم مع ترتيب الحكم ومقصوده.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














