
نبذة عن الكتاب:
يَرصُد أبو عبيد القاسم بن سلَّام في كتاب «شواهد القرآن» استعمال آيات القرآن الكريم في كلام النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين ومن بعدهم، فيسوق الأخبار التي تمثَّلوا فيها بالآيات أو استشهدوا بها عند حادثة أو حكم أو موعظة أو جواب أو وصف لحال. وتقوم مادَّة الكتاب على الأحاديث والآثار المسندة، وقد رتَّب أبو عبيد أكثرها بحسب ترتيب سُوَر القرآن، من غير أن يجعل غرضه تفسير السُّور أو شرح الآيات شرحًا متتابعًا؛ وإنما يورد المواضع التي استُحضرت فيها الآيات لمناسبة بين دلالاتها والأحوال التي قيلت فيها.
ويفتتح شواهده من سُورة البقرة، فيروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه لما نُعي إليه أخوه قُثم وهو في مسير استرجع، ثمَّ تنحَّى عن الطَّريق فصلَّى ركعتين، وعاد إلى راحلته وهو يقرأ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}. ويورد عند آيات المصيبة والاسترجاع ما يتصل بما وعد الله تعالى به الصَّابرين من الصَّلوات والرَّحمة والهداية، ثمَّ يمضي إلى شواهد أخرى استُحضرت فيها الآيات عند وقائع توافق معانيها، فتأتي الآية للاستدلال أو التذكير أو التَّعبير عن الحال التي نزلت بقائلها.
ويورد من السِّيرة النَّبويَّة مواقف استشهد فيها النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالقرآن عند مخاطبة أصحابه أو الاحتجاج على غيرهم أو التَّعليق على حادثة وقعت أمامه. وتتنوَّع صور الاستشهاد في هذه الأخبار؛ فتأتي الآية جوابًا عن قول، أو تعقيبًا على فعل، أو تقريرًا لمعنى، أو موعظةً تُربط بها الواقعة بأصلها القرآني. وقد يكون المقصود تنزيل معنى الآية على الحال التي قيلت فيها، فتظهر المناسبة بين النَّص القرآني والواقعة من غير أن تكون الآية قد نزلت ابتداءً في تلك الواقعة.
وينقل تمثُّل الصَّحابة رضي الله عنهم بالقرآن في أحوالهم الخاصَّة والعامَّة؛ فيستحضرون الآيات عند المصائب والموت والمرض والخوف والرَّجاء، وعند الحديث عن الدُّنيا والآخرة، وفي القضاء والفتوى والموعظة، وفي وصف ما يشاهدونه من أحوال النَّاس. وقد تأتي الآية على لسان أحدهم اختصارًا لجواب، أو تأكيدًا لمعنى يريد تقريره، أو احتجاجًا في مسألة، أو تعبيرًا عمَّا وقع في نفسه، فتُظهر هذه الآثار حضور ألفاظ القرآن ومعانيه في خطابهم ومواقفهم.
وترد في الكتاب شواهد يتصل فيها التمثُّل بتفسير المعنى القرآني؛ إذ يكشف استشهاد الصَّحابي أو التَّابعي بالآية عن الوجه الذي فهمها عليه. ومن ذلك ما أورده في معنى الشُّح عند قوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، حيث تُنقل أقوال تجعل الشُّح أوسع من مجرَّد منع الإنسان ماله، وتدخِل فيه تطلُّع النَّفس إلى ما ليس لها. فيكون الاستشهاد بالآية في مثل هذه الأخبار شاهدًا على المعنى المقصود، وفي الوقت نفسه كاشفًا عن تفسير القائل لها.
وتحضر الموعظة والزُّهد ومحاسبة النَّفس في طائفة من الشَّواهد، فيسوق أبو عبيد ما قاله السَّلف عند تلاوة آيات الموت والبعث والحساب والجنَّة والنَّار. ويذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه عند سماع قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} ما يدل على تأثُّره بمعنى الآية، كما ينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثرًا عند سماعها. ويروي عن عمر بن عبد العزيز عند قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} استدلاله بلفظ «الزِّيارة» على أنَّ القبر ليس مستقرَّ الإنسان الأخير، وأنَّ وراء الموت انتقالًا إلى الدَّار الآخرة.
وتأتي الشَّواهد كذلك في العبادات والأعمال؛ فينقل عن سلمان رضي الله عنه قوله إنَّ الصَّلاة مكيال، فمن وفَّى وُفِّي له، ومن طفَّف فقد عُرف ما قال الله تعالى في المطفِّفين، فاستحضر معنى التطفيف الوارد في السُّورة للتحذير من النَّقص في الصَّلاة. ويروي عن أبي الأحوص استشهاده بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} في الصَّدقة والصَّلاة. وتبيِّن هذه الآثار إمكان التمثُّل بالآية في واقعة توافق معناها وإن لم تكن الواقعة نفسها هي التي نزلت الآية بشأنها.
ويعرض أبو عبيد ما يتصل بفهم أساليب القرآن وطرائق الخطاب العربي، فينقل عند قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أنَّ الله تعالى خاطب العرب بما تعرف، فذكر الحرَّ مع أنَّ السَّرابيل تقي البرد أيضًا؛ لأنَّ المخاطَبين كانوا أصحاب حرٍّ. ويَرِد هذا ضمن أثر يُستدل فيه بالآية على مراعاة الخطاب لأحوال المخاطَبين وما يألفونه، لا في صورة بحث مستقل في اللُّغة أو البلاغة.
وتتجاوز بعض الاستشهادات الموضوع المباشر للآية إلى معنى يُستفاد من لفظها؛ فيروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: لو أنَّ العسر دخل جحرًا لجاء اليسر حتى يدخل معه، ثمَّ استشهاده بقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. ويروي عنه كذلك تمثُّله بقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} في واقعة وجد بينها وبين الآية مناسبة، فتتنوَّع بذلك أغراض التمثُّل بين الاحتجاج والتفسير والموعظة واستحضار العبارة القرآنيَّة لما يلائم الحال.
ويحفظ الكتاب نماذج من استحضار القرآن عند الحديث عن أحوال الآخرة؛ فينقل عن قتادة وصف خوف الإنسان يوم القيامة من لقاء من يعرفه خشية أن يطالبه بمظلمة، ثمَّ يقرأ قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}. كما يورد عن ابن مسعود رضي الله عنه استحضار آيات سُورة المدَّثر في الحديث عن أهل النَّار وأسباب دخولهم سقر، رابطًا ما يرويه عن الشَّفاعة بما وصفته الآيات من أحوال أهلها.
ولا يُفصِّل أبو عبيد هذه الأخبار في أبواب موضوعيَّة مستقلَّة للزُّهد والفقه والمواعظ والتفسير، بل يجعل ترتيب سُوَر القرآن هو الأصل في سياق مادَّته، فتتجاور بحسب مواضع الآيات شواهد مختلفة الأغراض. ولذلك ينتقل من أثر في المصيبة إلى خبر في العبادة، ومن احتجاج في مسألة إلى موعظة، ومن بيان معنى إلى استنباط دلالة، ويظل الجامع بينها استحضار آية من القرآن لمناسبة بينها وبين الواقعة أو المعنى المقصود. ويسوق الأسانيد على طريقة المحدِّثين، ويقلُّ تدخُّله بالشرح والتعليق، فتظل مادَّة الكتاب قائمةً في أصلها على رواية الشَّواهد نفسها.
ويختم أبو عبيد بحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفر لي»، وأنَّه كان يتأوَّل القرآن. ويبيِّن أنَّ المراد بذلك امتثاله قول الله عزَّ وجلَّ في سُورة النَّصر: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}، فيأتي آخر شواهد الكتاب في امتثال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم الأمر القرآني بالتَّسبيح والاستغفار في ركوعه وسجوده.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














