
نبذة عن الكتاب:
يستنبط جلال الدِّين السُّيوطي في كتاب «الإكليل في استنباط التنزيل» ما تضمَّنته آيات القرآن الكريم من مسائل فقهيَّة وأصوليَّة واعتقاديَّة، وما يتَّصل بها من آداب وأحكام ودلالات، مرتِّبًا مادَّته على سور القرآن من الفاتحة إلى النَّاس. ولا يقتصر في ذلك على الآيات التي صُرِّح فيها بالأحكام، بل يتتبَّع ما يمكن استخراجه من آيات القصص والأمثال والأخبار والوعد والوعيد وغيرها، وينقل استنباطات الصَّحابة والتَّابعين والفقهاء والمفسِّرين والأصوليِّين، ويعزو كثيرًا منها إلى أصحابها، ثمَّ يضيف في مواضع متعدِّدة ما ظهر له من دلالات الآيات، ويناقش بعض الاستنباطات ويعترض عليها أو يبيِّن وجهها.
ويؤصِّل في مقدِّمته لاتِّساع دائرة الاستنباط من القرآن، فيذكر اختلاف العلماء في عدد آيات الأحكام، ويبيِّن أنَّ حصرها في عدد معيَّن يُحمل على الآيات المصرَّح فيها بالحكم؛ لأنَّ كثيرًا من الأحكام يُستخرج بطريق الدَّلالة والاستنباط. ويميِّز بين الحكم المأخوذ من آية واحدة والحكم المستخرج من ضمِّ آيتين بعضهما إلى بعض، ويذكر لذلك استنباط أقلِّ مدَّة الحمل من الجمع بين مدَّة الحمل والفصال ومدَّة الرَّضاع. كما يعرض وجوه الدَّلالة على الأحكام؛ فقد تُعرف من صيغ الأمر والنَّهي والتَّحليل والتَّحريم، وقد تُستفاد من مدح الفعل أو فاعله، أو ترتيب الثَّواب عليه، أو من ذمِّ الفعل وفاعله وترتيب العقوبة عليه، وتُستفاد الإباحة من رفع الجناح والإثم والمؤاخذة والإذن والعفو والامتنان ونحو ذلك.
ويتتبَّع في آيات العقيدة ما يدلُّ على وجود الله تعالى ووحدانيَّته وصفاته وأفعاله، والبعث والمعاد، والقضاء والقدر، والنُّبوَّة، والملائكة، والكتب، والجنَّة والنَّار وسائر المغيَّبات. ففي الفاتحة يستنبط من الحمد لله ربِّ العالمين إثبات الصَّانع وحدوث العالم، ومن الرَّحمن الرَّحيم إثبات الصِّفات، ومن مالك يوم الدِّين إثبات المعاد، ومن إياك نعبد وإياك نستعين مسائل تتعلَّق بفعل العبد والاستعانة بالله عزَّ وجلَّ. ويواصل هذا المسلك في سائر السُّور، فيورد ما نُقل من الاستدلال بآيات الهداية والإضلال على القدر، وبآيات البعث على إثبات المعاد، وبآيات القرآن على أنَّه كلام الله تعالى، وبالأخبار القرآنيَّة على ما يجب الإيمان به من أحوال الآخرة.
ويستخرج من الآيات كذلك جملةً واسعة من القواعد الأصوليَّة وطرائق الاستدلال، فيعرض دلالات العموم والخصوص، والأمر والنَّهي، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والبيان، والنَّسخ، ودلالة الاقتران، ومفهوم الخطاب، والعمل بغالب الظَّن، والاجتهاد، وسدِّ الذَّرائع، وحجِّيَّة الإجماع، وحكم شرع من قبلنا، ودلالة أفعال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأقواله. ويذكر مثلًا الاستدلال بقصَّة البقرة على جواز ورود الأمر مجملًا وتأخير بيانه، وعلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وبالنَّهي عن قول «راعنا» على سدِّ الذَّرائع، وبآيات تحويل القبلة على وقوع النَّسخ، وبوصف الأمَّة بأنَّها وسط وشاهدة على النَّاس على حجِّيَّة إجماعها.
ويعرض الأحكام الفقهيَّة موزَّعةً على مواضعها من القرآن، فتدخل في استنباطاته مسائل الطَّهارة والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ والأضاحي والأيمان والنُّذور، إلى جانب البيوع والمعاملات والدُّيون والرُّهون والوصايا والمواريث. ويتناول كذلك النِّكاح والطَّلاق والرَّضاع والعِدَد والنَّفقات، والجنايات والقصاص والحدود والقضاء والشَّهادات والجهاد والأطعمة والأشربة والصَّيد والذَّبائح وغيرها. ولا يكتفي غالبًا بذكر أصل الحكم، بل يورد ما استُدلَّ به للوجوب أو النَّدب أو التَّحريم أو الإباحة، وينقل اختلاف الفقهاء في دلالة الآية حين تحتمل أكثر من وجه، ويبيِّن أحيانًا ما يراه أقرب إلى لفظها أو سياقها.
ويعتني بالآداب والأخلاق وأعمال القلوب عنايةً ظاهرة، فيستخرج من الآيات أحكام الصَّبر والشُّكر والتَّوكُّل والخوف والرَّجاء والتَّوبة والإخلاص والدُّعاء والذِّكر، وما يتعلَّق بصلة الأرحام وبرِّ الوالدين والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السَّبيل والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. وفي المقابل يتتبَّع ما يدلُّ على تحريم الكذب والغيبة والنَّميمة والحسد والبخل والكبر والرِّياء والظُّلم والعدوان والفواحش وأكل أموال النَّاس بالباطل، مستفيدًا في تقرير الحكم من الأوصاف التي ألحقها القرآن بالأفعال وأصحابها، ومن الوعد والوعيد والمدح والذَّم وما رتَّبه الله تعالى عليها من آثار.
ويولي آيات القصص عنايةً خاصَّة بوصفها موردًا للأحكام لا مجرَّد أخبار عن الأمم الماضية، فيستخرج من قصص الأنبياء وقائع ذات دلالات فقهيَّة وأصوليَّة وأخلاقيَّة. فيستفيد من قصَّة آدم عليه السَّلام مسائل العلم والامتثال والتَّكليف، ومن قصَّة موسى عليه السَّلام وقومه أحكامًا تتعلَّق بالأوامر وصفاتها والاجتهاد والاستثناء وسدِّ الذَّرائع، ومن قصَّة يوسف عليه السَّلام أحكامًا في القضاء والشَّهادة والتَّدبير وحفظ الأموال وغيرها، ومن أخبار إبراهيم عليه السَّلام مسائل الإمامة والحجِّ وبناء المساجد والدُّعاء بقبول العمل. وبهذا يتوسَّع مفهوم آيات الأحكام في الكتاب ليشمل ما تدلُّ عليه القصَّة بطريق الاعتبار أو الاستنباط.
ويجمع إلى الفقه والأصول فوائد في علوم أخرى تتفرَّع عن دلالات القرآن، فيشير إلى ما يتعلَّق باللغة والبيان، والفرائض والحساب، والمواقيت، والطِّب، والجدل، وبعض الصَّنائع والمهن والآلات التي وردت أسماؤها أو أصولها في الآيات. ويعرض في مقدِّمته كيف نشأت علوم متعدِّدة من النَّظر في القرآن؛ فاعتنى القرَّاء بألفاظه وضبطه، والنُّحاة بإعرابه وتراكيبه، والمفسِّرون بمعانيه، والأصوليُّون بقواعد الاستدلال، والفقهاء بالحلال والحرام، وأهل الأخبار بقصص الأمم، والوعَّاظ بما فيه من الوعد والوعيد. ويجعل ذلك تمهيدًا لمنهجه في استقصاء وجوه الدَّلالة التي تتجاوز الأحكام الفقهيَّة الصَّريحة.
ويعتمد في بناء مادَّته على كثرة النَّقل عن المتقدِّمين، فتتكرَّر فيه أقوال ابن عبَّاس رضي الله عنهما وابن مسعود رضي الله عنه وغيرهما من الصَّحابة، وأقوال التَّابعين والمفسِّرين والفقهاء، كما ينقل عن الشَّافعي والرَّازي والكيا الهرَّاسي وابن الفرس والعزِّ بن عبد السَّلام والزَّركشي وغيرهم. ويورد الأحاديث والآثار التي تفسِّر الآية أو تؤيِّد وجه الاستنباط، وقد يتعقَّب المنقول فيقول إنَّ وجهه لم يظهر له، أو يردُّ استدلالًا بآية أخرى أو بسياق النَّص، أو يذكر اختلاف الأقوال من غير أن يحصر دلالة الآية في أحدها؛ فتأتي مادَّة الكتاب جامعةً بين النَّقل والاستنباط والمناقشة.
ويمضي على ترتيب المصحف حتى السُّور القصار، فلا يحصر الاستنباط في السُّور المشهورة بكثرة الأحكام؛ ففي سورة الكوثر يعرض ما استُدلَّ به على صلاة العيد والأضحية ووقتها وبعض هيئات الصَّلاة، وفي سورة النَّصر يستخرج استحباب التَّسبيح في الرُّكوع والسُّجود، وفي سورة المسد يذكر استنباطات تتعلَّق بالتَّكنية ونكاح الكفَّار والنَّميمة وإماطة الأذى عن الطَّريق، وفي سورة الإخلاص يجمع ما فيها من الرَّدِّ على الاعتقادات المخالفة للتَّوحيد، وفي سورة الفلق يتناول الاستعاذة والحسد والعين، وفي سورة النَّاس ذمَّ الوسوسة والاستعاذة من شياطين الإنس والجنِّ. ثمَّ يلحق بذلك فصولًا يتتبَّع فيها أسماء الله تعالى الواردة في القرآن وما قيل في الاسم الأعظم، ويجمع طائفةً من أسماء النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم المستخرجة من ألفاظ القرآن.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














