
نبذة عن الكتاب:
يُعرب أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه في هذا الكتاب طائفة من سور المفصَّل، جاعلًا الآيات ميدانًا لشرح أصول العربيَّة وفروعها، وما يتَّصل بها من التَّصريف والاشتقاق واللُّغات والقراءات وغريب الألفاظ ومعانيها. ويصرِّح في مقدِّمته بأنَّه قصد إلى شرح أصول كلِّ حرف وتلخيص فروعه، وبيان ما أشكل من الغريب ومصادر الكلمات وتثنيتها وجمعها، لتكون المسائل التي يشرحها أصولًا يستعين بها القارئ على ما يعرض له من إعراب القرآن الكريم في غير هذه السُّور أيضًا.
ويبدأ بالاستعاذة والبسملة قبل الدُّخول في السُّور، فيعرب ألفاظ «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم» كلمةً كلمة، ويشرح علامات الأفعال وأحوالها، وتصريف «عاذ يعوذ»، ومعاني الاستعاذة، ووظائف حروف الجرِّ، واشتقاق «الشَّيطان» و«الرَّجيم»، والإدغام وأسبابه. ثمَّ يتناول «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، فيعرض الخلاف في موضع الباء من الإعراب، وسبب حذف الألف من «اسم» في البسملة، واشتقاق اسم الله تعالى، وإعراب «الرَّحمن الرَّحيم»، وأحكام الإدغام، ويتطرَّق إلى الخلاف في عدِّ البسملة آيةً من الفاتحة وأوائل السُّور.
ويعرب سورة الفاتحة إعرابًا موسَّعًا، فيشرح رفع «الحمد»، وما ورد فيه من أوجه وقراءات، والفرق اللُّغوي بين الحمد والشُّكر، وإعراب «لله ربِّ العالمين» واشتقاق «ربّ» ودلالة «العالمين»، ثمَّ يعرض لغات «مَلِك» و«مالك» والقراءات الواردة فيهما. ويشرح تركيب {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وأحكام الضَّمير المنفصل، وتصريف «نستعين»، ثمَّ الأمر والدُّعاء في {اهْدِنَا}، وتعدية فعل الهداية، ولغات «الصِّراط»، والنَّعت والبدل والموصول والصِّلة في بقيَّة السُّورة، مع بيان أوجه «غير المغضوب عليهم» و«ولا الضَّالِّين» وما يتعلَّق بلفظ «آمين» من لغات ومعانٍ.
وينتقل في بقيَّة الكتاب بين السُّور آيةً آية، فيذكر الكلمة أو التَّركيب ثمَّ يحدِّد موقعه الإعرابي وعلامة إعرابه، ويشرح العلَّة النَّحويَّة عند الحاجة. ولهذا يعالج أبوابًا متنوِّعة من المبتدأ والخبر، والفاعل والمفعول، والنَّعت والبدل والعطف، والإضافة، والحال والاستثناء، والصِّلة والموصول، والقسم وجوابه، والشَّرط، والأمر والنَّهي، والجزم والنَّصب والجرِّ، وما يتَّصل بالحذف والتَّقدير والإضمار. ولا يكتفي بتسمية الوجه الإعرابي، بل يشرح كثيرًا من القواعد التي ينبني عليها ويوضِّح نظائرها في كلام العرب.
ويُفصِّل المسائل الصَّرفيَّة كلَّما اقتضاها اللَّفظ القرآني، فيردُّ الكلمات إلى أصولها، ويبيِّن أوزانها ومصادر أفعالها وأسماء الفاعلين والمفعولين منها، وما يطرأ عليها من إعلال وإبدال وإدغام وحذف ونقل للحركات. ويشرح صيغ المفرد والتَّثنية والجمع، وأحوال الأفعال الماضية والمضارعة والأوامر، وألفات الوصل والقطع، وحروف الزِّيادة، وتحولات الواو والياء والهمزة، ويقيس اللَّفظ على نظائره ليجعل المسألة الجزئيَّة مدخلًا إلى قاعدة صرفيَّة أوسع.
ويعتني بالقراءات القرآنيَّة عنايةً ظاهرة، فيذكر اختلاف القرَّاء في عدد من الألفاظ، ويشرح ما يترتَّب على اختلاف القراءة من تغيُّر في الإعراب أو البنية أو الدَّلالة، ويوازن بين الوجوه من جهة العربيَّة. ويؤكِّد في الوقت نفسه أنَّ القراءة سُنَّة متَّبعة لا تُنشأ بالقياس النَّحوي المجرَّد؛ فقد يذكر وجهًا جائزًا في العربيَّة ثمَّ ينبِّه إلى أنَّه لا تجوز القراءة به إذا لم يُنقل عن إمام، وبذلك يفصل بين إمكان التَّركيب في لسان العرب وثبوت القراءة القرآنيَّة بالرِّواية.
ويستقصي وجوهًا من لغات العرب وغريب كلامها، فيشرح معاني المفردة المختلفة واستعمالاتها، وما يقع في بعض الكلمات من اختلاف اللُّغات أو الأبنية، ويستشهد لذلك بالشِّعر والأمثال وما نقله عن أهل اللُّغة. وقد يذكر للكلمة معاني متعدِّدة ثمَّ يحدِّد ما يلائم السِّياق القرآني منها، أو يورد اشتقاقات مختلفة لتفسير بنيتها، فتجتمع في شرحه صناعة الإعراب مع المعجم والاشتقاق وفقه اللُّغة.
ويكثر من الاستشهاد بالشِّعر العربي لتثبيت القواعد واللُّغات التي يذكرها، كما ينقل عن أئمَّة العربيَّة والقراءات، وفي مقدِّمتهم سيبويه والفرَّاء والكسائي وثعلب وابن مجاهد وأبو عبيدة وغيرهم. ويعرض الخلاف بين البصريِّين والكوفيِّين في عدد من المسائل، وقد يختار أحد الأوجه أو يصف غيره بالخطأ إذا رآه مخالفًا للقياس الذي يعتمده، كما ينقل ما تلقَّاه بأسانيده عن شيوخه في اللُّغة والنَّحو والقراءات.
ويتجاوز الإعراب المجرَّد إلى تفسير معاني كثير من الألفاظ والتَّراكيب؛ ففي سورة الطَّارق مثلًا يشرح معنى «الطَّارق» واشتقاقه، ووجوه استعمال «النَّجم»، ومعنى «الثَّاقب»، ثمَّ يعرب جواب القسم ويفصِّل القراءات في {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}، ويشرح لام الأمر في {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ}، وأصل «الإنسان»، وحذف ألف «ما» الاستفهاميَّة بعد حروف الجرِّ في {مِمَّ خُلِقَ}. ويتكرَّر هذا المنهج في سائر السُّور، فيرتبط بيان المعنى بتحليل اللَّفظ نحويًّا وصرفيًّا ولغويًّا.
ويتابع بهذه الطَّريقة سور الغاشية والفجر والبلد والشَّمس واللَّيل والضُّحى والشَّرح والعلق والقدر والزلزلة والعاديات والقارعة والتَّكاثر والعصر والهمزة والفيل وقريش والماعون والكوثر والكافرون والنَّصر والمسد والإخلاص والفلق والنَّاس، إلى جانب ما تقدَّم من الفاتحة والطَّارق. وتتفاوت السُّور في مقدار الشَّرح بحسب ما تشتمل عليه من مسائل؛ فقد يقف عند لفظ واحد وقفةً طويلة لاستيعاب تصريفه ولغاته وشواهده، بينما يكتفي في مواضع أخرى بتعيين الوظيفة الإعرابيَّة إذا لم تحتج الكلمة إلى مزيد بيان.
ويصل في سورة النَّاس إلى إعراب {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وما بعدها، فيجعل «ملك» بدلًا من «رب»، و«إله» بدلًا من «ملك»، ويشرح «الوسواس» من جهة ضبط الواو والفرق بين الاسم والمصدر، و«الخنَّاس» نعتًا له، و«الذي» نعتًا آخر، و«يوسوس» صلته، ثمَّ يعرب {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}، مع بيان الدَّلالات اللُّغويَّة لمادَّة «الجنّ» وما اشتقَّ منها. وبذلك يظلُّ الكتاب إلى آخره ملتزمًا طريقته في الانتقال من الإعراب الجزئي إلى القاعدة النَّحويَّة والصَّرفيَّة واللُّغويَّة التي تفسِّره وتصلح للقياس على نظائره في القرآن الكريم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














