
نبذة عن الكتاب:
يَستجلي أبو عبيدة معمر بن المثنَّى في كتاب «مجاز القرآن» معاني ألفاظ القرآن الكريم ووجوه تعبيره على سنن العرب في كلامها، فيفسِّر الغريب، ويبيِّن دلالات الألفاظ وتصاريفها، ويوضِّح ما في التراكيب من حذف وإضمار وتقديم وتأخير واختصار واتِّساع، ويعرض لما يحتاج إليه المعنى من إعراب واشتقاق وبيان للاستعمال. ولا يقصد بالمجاز المعنى الاصطلاحي الذي استقرَّ عند البلاغيِّين في العصور اللاحقة، بل يستعمله بمعنى واسع قريب من التفسير والوجه والطَّريق الذي جرى عليه الكلام؛ ولذلك تتردَّد في الكتاب عباراته: «مجازه»، و«معناه»، و«تفسيره»، و«تأويله»، وهو يردُّ كثيرًا من مشكلات الألفاظ والتراكيب إلى ما عُرف من كلام العرب وشعرها.
ويبدأ قبل تفسير سُورة الفاتحة ببيان أسماء تتصل بالقرآن وسُوَره، فيفسِّر تسمية القرآن من الجمع والضمِّ، ويستشهد بقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}، ثمَّ يشرح معنى السُّورة والآية، وأسماء طوائف من السُّور، ويستدل على المعاني اللُّغويَّة بالشِّعر وكلام العرب. وتظهر منذ هذه المقدمة طريقته في وصل اللفظ القرآني بأصله واستعماله العربي؛ فلا يكتفي بإعطاء مرادف للكلمة، بل قد يذكر اشتقاقها أو نظيرها أو صيغة جمعها أو اختلاف العرب في نطقها، ثمَّ يأتي بالشَّاهد الذي يثبت استعمالها.
ويجري بعد ذلك مع ترتيب سُوَر القرآن، فيقف عند المواضع التي تحتاج عنده إلى بيان، ولا يفسِّر كلَّ آية تفسيرًا مستوعبًا ولا يستطرد في جميع موضوعات السُّورة. ويعتني في سُورة الفاتحة وما يليها بتفسير الألفاظ والتراكيب التي يرى فيها غرابةً أو وجهًا من وجوه كلام العرب، ثمَّ تستمر هذه الطريقة في البقرة وآل عمران والنِّساء وسائر السُّور. وقد يمرُّ بالآية فلا يتناول منها إلا كلمة واحدة، وقد يتناول جملة كاملة إذا كان تركيبها هو موضع البيان، فيظل اختياره للمادَّة مرتبطًا بالحاجة اللُّغويَّة والتعبيريَّة لا باستقصاء جميع معاني الآيات.
ويكثر من تفسير المفردة القرآنيَّة بردِّها إلى أصل معروف في اللُّغة، فيشرح الأسماء والأفعال والصِّفات والحروف بحسب مواضعها، ويذكر ما للكلمة من معنى في كلام العرب، وما قد يختلف فيه معناها باختلاف السِّياق. ويستعين بالاشتقاق في بيان الصِّلة بين الألفاظ، ويفرِّق بين الصِّيغ المتقاربة، ويذكر الواحد والجمع والتَّذكير والتَّأنيث وما يتصل ببناء الكلمة، وقد ينبِّه إلى اختلاف اللُّغات العربيَّة في اللفظ الواحد أو إلى تعدُّد الوجوه التي يُحمل عليها.
ويحتل الشِّعر العربي موضعًا واسعًا في تفسيره؛ إذ يجعله شاهدًا على صحَّة المعنى الذي يختاره للفظ القرآني أو على الأسلوب الذي يحمل عليه التَّركيب. فيستشهد بأشعار الجاهليِّين والمخضرمين والإسلاميِّين والرُّجَّاز، ويستحضر البيت حين يريد إثبات معنى كلمة أو استعمال حرف أو حذف عنصر من الكلام أو تقديمه أو تأخيره. وقد يورد أكثر من شاهد للمسألة الواحدة، أو يشرح من البيت القدر الذي تتضح به حجَّته، فيغدو الشِّعر عنده أصلًا تطبيقيًّا لبيان ما تعرفه العرب من دلالات الألفاظ وطرائق التَّعبير.
ويشرح وجوه الحذف والإضمار التي يقوم عليها فهم جملة من الآيات، فيقدِّر ما حُذف إذا دلَّ عليه السِّياق وكان نظيره معروفًا في العربيَّة، ويبيِّن المواضع التي أُقيم فيها المضاف إليه مقام المضاف أو الصِّفة مقام الموصوف أو اختُصر فيها الكلام اعتمادًا على فهم المخاطَب. ويعرض كذلك للتقديم والتأخير، فيردُّ بعض التراكيب إلى ترتيب يوضح المراد منها، ويبيِّن مواضع الاستغناء بذكر شيء عن آخر لظهور معناه، من غير أن يعامل هذه الأساليب على أنَّها خروج عن العربيَّة، بل يجعلها من طرائقها المألوفة.
ويعتني بالإعراب بقدر ما يخدم المعنى، فيبيِّن وجوه الرَّفع والنَّصب والجرِّ والجزم، وما يتعلَّق بالعطف والبدل والحال والنَّعت والاستثناء، ويقف عند عود الضَّمائر ومواضع الأسماء والأفعال والحروف في الجملة. وقد يذكر وجهًا في القراءة أو اختلافًا في حركة كلمة إذا ترتَّب عليه اختلاف في التوجيه اللُّغوي، ثمَّ يربط الإعراب بالدلالة بدل أن يجعله غايةً مستقلَّة عن تفسير الآية.
ويفسِّر الحروف والأدوات بحسب استعمال العرب لها، فيعرض لمعاني «من» و«إلى» و«على» و«في» و«عن» والواو والفاء وغيرها حين يتوقف فهم الآية على تحديد وظيفتها، ويبيِّن ما قد يقع بينها من تقارب في بعض الاستعمالات. كما يتناول أدوات الشَّرط والاستفهام والنَّفي والاستثناء والتوكيد، وما يطرأ على دلالتها في السِّياق، ويستشهد لذلك بنظائر من النَّثر والشِّعر.
ويعرض لأساليب الاستفهام والنِّداء والأمر والنَّهي والخبر، فيفرِّق بين ظاهر الصِّيغة وما تؤدِّيه في المقام، وقد يبيِّن أنَّ الاستفهام خرج إلى تقرير أو إنكار أو توبيخ، أو أنَّ الأمر جاء لمعنى يفهم من السِّياق، أو أنَّ الخبر صيغ على وجه مخصوص تعرفه العرب. ويشرح ما يقع في القرآن من مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة أو الجماعة بلفظ الواحد، وما يعود فيه الضَّمير إلى معلوم من السِّياق وإن لم يتقدَّمه اسم صريح، وما يُحمل فيه الكلام على المعنى دون ظاهر اللفظ.
ويتناول ما يقع في التَّعبير من إطلاق العام وإرادة ما يحدِّده السِّياق، أو ذكر الجزء والمراد ما يتصل به، أو إسناد الفعل إلى شيء مع تعلُّقه بما يصاحبه، وغير ذلك من الأساليب التي يردُّها إلى مألوف كلام العرب. ولا يصوغ هذه الوجوه في أبواب نظريَّة ذات حدود ومصطلحات بلاغيَّة متأخِّرة، وإنما يشرحها في مواضعها من الآيات، ويعبِّر عنها بألفاظ مثل المجاز والتفسير والمعنى والتقدير، ثمَّ يورد النظير العربي الذي يوضح وجهها.
ويستفيد في تفسير الغريب من معرفته الواسعة بأسماء الأشياء وأوصافها وأحوال العرب؛ فيشرح ما يَرِد في القرآن من أسماء الحيوان والنَّبات والطَّعام واللِّباس والآلات والأماكن والظَّواهر، وما يتصل بعادات العرب وأقوالها. وقد يستعين بالخبر أو المثل أو العبارة المأثورة، غير أنَّ الغالب على صنيعه إبقاء البيان في دائرته اللُّغويَّة، فلا يجعل القصص والأخبار مقصدًا مستقلًّا، ولا يستطرد في تفاصيلها إلا بمقدار ما يحتاج إليه تفسير اللفظ أو العبارة.
وتظهر طريقته بوضوح في تفسير السُّور القصار؛ إذ يوجز حين يكون المعنى اللُّغوي مباشرًا، ويقف عند الألفاظ التي تحتاج إلى بيان. ففي سُورة الهمزة يفسِّر «الهُمَزة» بمن يغتاب النَّاس ويغضُّهم، ويشرح «الحُطَمة» و«مؤصدة» و«عمد». وفي سُورة الفيل يفسِّر {طَيْرًا أَبَابِيلَ} بالجماعات المتفرِّقة، و«السِّجِّيل» بالشَّديد، و«العصف» بورق الزَّرع. وعند سُورة الماعون يبيِّن أنَّ «الماعون» استُعمل في الجاهليَّة للمنفعة والعطيَّة، ويذكر له استعمالًا في الإسلام يتصل بالطَّاعة والزَّكاة، ثمَّ يستشهد بالشِّعر على هذه الدلالات.
ويشرح في سُورة الكافرون تركيب الآيات المتكرِّرة وما يتصل باختلاف الزَّمان الذي تتعلَّق به العبادة المنفيَّة، ثمَّ يفسِّر في سُورة المسد «شانئك» بالمبغض، و«الأبتر» بمن لا عقب له، ويقف عند نصب {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} وما قيل في وجهه، ثمَّ يشرح «المسد» ويستشهد له بكلام العرب. وفي سُورة الإخلاص يفسِّر «الصَّمد» بأنَّه الذي يُصمد إليه وليس فوقه أحد، ويذكر أنَّ العرب تسمِّي أشرافها بذلك، ويأتي بالشِّعر شاهدًا، ثمَّ يشرح «كفوًا» وما لها من لغات.
ويصل في سُورة الفلق إلى تفسير «الفلق» بالصُّبح، ويجعل «النَّفَّاثات» السَّواحر اللاتي ينفثن، مستشهدًا ببيت لعنترة على استعمال النَّفث. ثمَّ ينتهي إلى سُورة النَّاس، فيقف عند قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ}، ويفسِّر «الخنَّاس» بما يدل على أنَّه يوسوس ثمَّ يخنس، فتكون هذه العبارة آخر ما يفسِّره من ألفاظ القرآن في الكتاب.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














