
نبذة عن الكتاب:
يُميِّز أبو عبيد القاسم بن سلَّام في كتاب «الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسُّنن» ما تغيَّر من الأحكام الشَّرعيَّة وما بقي على حكمه، مستندًا إلى آيات القرآن الكريم والسُّنَّة وآثار الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين، ولا يقصر النَّسخ على إبطال حكم متقدِّم بحكم متأخِّر، بل يستعمله على طريقة المتقدِّمين في معانٍ أوسع يدخل فيها الاستثناء والتخصيص ورفع ما فُهم من عموم النَّص أو إطلاقه. ولذلك يعقد أبوابه على مسائل الأحكام نفسها، وينظر في النُّصوص المتعاقبة وما نُقل عن السَّلف في ناسخها ومنسوخها، ثمَّ يختار في مواضع الخلاف ما تدل عليه الآثار عنده.
ويبدأ ببيان منزلة العلم بالنَّاسخ والمنسوخ، فيروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّه سأل قاصًّا: هل علمت النَّاسخ والمنسوخ؟ فلمَّا أجاب بالنَّفي قال له: «هلكت وأهلكت»، ويروي نظير ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. ثمَّ يعرض اختلاف القراءة والتأويل في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، وينقل ما قيل في معنى النَّسخ والإنساء والنَّسء، ويصرِّح باختياره قراءة {أَوْ نُنْسِهَا} بمعنى النِّسيان، ويربط معرفة القرآن بمعرفة ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدَّمه ومؤخَّره وحلاله وحرامه.
وينتقل إلى الصَّلاة، فيعرض ما جاء في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وما يتصل بقوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، ويبحث ما كان من أحكام الصَّلاة في أوَّل الإسلام ثمَّ استقرَّ على غيره. ثمَّ يتناول الزَّكاة والحقوق الماليَّة، فيفرِّق بين ما كان مأمورًا به من الإنفاق والصَّدقة وبين الفرائض المقدَّرة، ويستند في بيان ذلك إلى الآثار المرويَّة عمَّن تقدَّم.
ويُفصِّل أحكام الصِّيام وما وقع فيها من انتقال في التَّشريع؛ فيذكر ما كان من منع الطَّعام والشَّراب والنِّكاح بعد النَّوم، ثمَّ إباحة ذلك في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. ويناقش قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، وما نُقل في نسخ التخيير بين الصَّوم والإطعام، ثمَّ يعرض أحكام المريض والمسافر والشَّيخ الكبير والحامل والمرضع، وما يجب من صيام أو قضاء أو إطعام بحسب اختلاف أحوالهم وما ورد فيها من الآثار.
ويبحث النِّكاح من جهة ما قيل بنسخه أو استثنائه، فيعرض حكم نكاح المشركات، ثمَّ ما جاء في إباحة المحصنات من أهل الكتاب، وينقل عن ابن عباس رضي الله عنهما والأوزاعي ما يفيد إخراج نساء أهل الكتاب من عموم المنع. ويتناول ما ورد في أحكام الأزواج والعلاقات المحرَّمة وما طرأ عليها من تشريع، ثمَّ ينتقل إلى الطَّلاق، فيجعل من أبرز مواضع النَّسخ أو الاستثناء فيه فدية الخلع وعدَّة المتوفَّى عنها زوجها، ويوازن بين الآيات والآثار في تحديد الحكم المتقدِّم وما استقرَّ عليه التَّشريع.
ويعرض في الحدود ما اتصل بعقوبات الزِّنا والقذف وغيرها، وما رُوي في انتقال بعض الأحكام من صورة إلى أخرى، ثمَّ يعالج الشَّهادات وما اشترطه الشَّرع فيها، وشهادة أهل الكتاب في المواضع التي ورد فيها النَّص. ويقف عند حكم المحاربين في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وما أعقبه من الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}، ويعدُّ هذا الاستثناء من النَّسخ بالمعنى الذي يستعمله في الكتاب.
ويخصِّص للمناسك بابًا يعرض فيه ما جاء في الحجِّ والعمرة من الأحكام التي قيل بنسخها أو تغييرها، ويتناول الإتمام والإحصار وأشهر الحجِّ وما يتصل بأعمال النُّسك. ثمَّ ينتقل إلى الجهاد، فيناقش الآيات التي تعلَّقت بفرض القتال، ونسبة عدد المسلمين إلى عدوِّهم، وما خُفِّف عنهم بعد التَّشديد، ويعرض أحكام القتال في الأشهر الحرم وما نُقل في ذلك عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين.
ويتبع ذلك بأحكام الأسرى والمغانم، فينظر فيما ورد في أسر المقاتلين والمنِّ والفداء والقتل، وما استقرَّ عليه حكم الغنائم بعد ما كان للأمم قبل هذه الأمَّة من شأن فيها. ويستقصي ما يتصل بقسمة الأموال والأنفال وحقوق المقاتلين وغيرها من المسائل التي ترتبط بآيات الجهاد، مستعينًا بالرِّوايات في تعيين المتقدِّم والمتأخِّر وفهم المراد من كلِّ حكم.
ويبحث الاستئذان وما دخل أحكامه من التَّخفيف والاستثناء، ثمَّ ينتقل إلى المواريث، فيعرض ما كان من التوارث بالحلف والهجرة والمؤاخاة وغيرها، وما استقرَّ عليه انتقال المال بالقرابة والفرائض المقدَّرة. ويعالج الوصيَّة وعلاقتها بآيات المواريث، وما قيل في نسخ الوصيَّة للوالدين والأقربين أو بقاء حكمها في غير الوارث، ويورد اختلاف السَّلف في ذلك بدل الاقتصار على قول واحد.
ويعرض شأن اليتامى من خلال النَّهي الشَّديد عن أكل أموالهم وما ترتَّب عليه من تحرُّج المسلمين من مخالطتهم، ثمَّ الإذن في المخالطة والإصلاح لهم، ويعدُّ رفع ذلك الحرج من النَّسخ على اصطلاحه الواسع. كما يبحث الحكم بين أهل الذِّمَّة وما ورد في تخيير النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، وما قيل في بقاء هذا التخيير أو انتقال الحكم إلى الإلزام بالقضاء بينهم بما أنزل الله عزَّ وجلَّ.
ويخصِّص للطَّعام والشَّراب جملة من المسائل، فيعرض ما أحلَّ الله تعالى وما حرَّمه من المطاعم، وما جاء في طعام أهل الكتاب والذَّبائح والمحرَّمات، ثمَّ يتناول الخمر ومراحل تحريمها، وما ورد أولًا في ذكر ما فيها من إثم ومنافع، ثمَّ النَّهي عن قربان الصَّلاة حال السُّكر، ثمَّ الأمر باجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. ويصل بذلك إلى السُّكر وما يتعلَّق به من أحكام، مستندًا إلى ترتيب النُّصوص والآثار في بيان ما بقي حكمه وما ارتفع.
ويتناول قيام اللَّيل وما كان من إيجابه في أوَّل سُورة المزَّمل ثمَّ ما جاء من التَّخفيف في آخرها، ويناقش النَّجوى وما فُرض قبل مناجاة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم من تقديم الصَّدقة ثمَّ رفع ذلك الحكم. ويعرض ما ورد في التَّقوى من الأوامر التي قد يُفهم منها بلوغ غاية لا يطيقها المكلَّف، ويقابل بينها وبين قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، ناقلًا ما قيل في علاقة الآيتين وما أريد بالتَّخفيف.
ويبحث التَّوبة عند حضور الموت، وما كان من التَّشديد فيها ثمَّ ما دلَّ على سعة قبولها قبل بلوغ النَّفس حال الاحتضار التي لا تنفع معها التَّوبة. ويتناول توبة القاتل وما ورد في قتل المؤمن عمدًا من الوعيد، ويعرض اختلاف الآثار في إمكان التَّوبة من هذه الجريمة، ولا يعزل مسألة النَّسخ هنا عن الخلاف في تفسير النُّصوص والجمع بينها.
ويناقش مؤاخذة العباد بما تخفيه النُّفوس عند قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}، وما نُقل في صلة ذلك بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. ثمَّ يعالج الإكراه في الدِّين، والاستغفار للمشركين، فيذكر ما كان من استغفار بعض المؤمنين لقراباتهم، وما نزل في النَّهي عن الاستغفار للمشركين بعد تبيُّن أنَّهم أصحاب الجحيم، مستحضرًا ما ورد في إبراهيم عليه السَّلام ووعده لأبيه.
ويختم بمسألة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فيناقش قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، ويرفض حملها على إسقاط فريضة الإنكار مطلقًا، ويستشهد بحديث أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في تحذيره من هذا الفهم، ثمَّ يسوق الآثار التي تجعل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من فرائض الإسلام. ويورد قول مجاهد في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أنَّ هذه الخيريَّة مرتبطة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى، وينتهي إلى أثر ابن شبرمة الذي شبَّه القدرة على الإنكار بما جاء في نسبة الثَّبات في الجهاد، مستندًا إلى قوله تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ}.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














