
نبذة عن الكتاب:
يُفسِّر أبو جعفر أحمد بن محمد النَّحَّاس في كتاب «معاني القرآن» ألفاظ القرآن الكريم وتراكيبه وما يتصل بها من وجوه اللغة والتفسير والقراءات والإعراب والأحكام، متتبِّعًا السُّور والآيات، وناقلًا ما رُوي عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وأئمة التفسير واللغة، ثمَّ ينظر في الأقوال ويوازن بينها ويرجِّح ما يراه موافقًا للسان العربي وسياق الآية. ولا يحصر غرضه في بيان المفردات، بل يجمع إلى المعنى الغريبَ، وأحكام القرآن، والنَّاسخ والمنسوخ، والتصريف والاشتقاق، وما يحتاج إليه تفسير الآية من الإعراب والقراءات، وما في الكلام من حذف أو اختصار أو إطالة أو تقديم وتأخير.
ويجعل اللغة العربيَّة أصلًا رئيسًا في فهم القرآن، انطلاقًا من نزوله بلسان عربي مبين؛ فيشرح أصول الكلمات واشتقاقاتها، ويميِّز بين دلالات الألفاظ المتقاربة، ويستعرض استعمال العرب لها، ويستشهد بالشِّعر وكلام أهل اللغة لإثبات المعنى أو توجيهه. ويكثر من نقل أقوال سيبويه والفرَّاء وأبي عبيدة والأخفش والزَّجَّاج والكسائي وقطرب والمبرِّد وغيرهم، غير أنَّه لا يتعامل معها على أنَّها أقوال مسلَّمة، بل يناقشها ويعترض على ما لا يراه مستقيمًا في العربيَّة، ويبيِّن علَّة اختياره مستندًا إلى القياس والاستعمال والسياق.
ويعتني بالفروق الدقيقة بين الألفاظ؛ فيبيِّن مثلًا الفرق بين الحمد والشكر، ويفسِّر الرَّب والعبادة والهداية والدِّين والصراط وغيرها من الألفاظ بالنظر إلى أصلها واستعمالها، ويشرح ما تؤديه صيغ الكلمات من زيادة في المعنى. كما يتناول أسرار تركيب الجملة، فيفسِّر تقديم بعض الكلمات وتأخيرها، وتكرار الضمير أو الاسم للتوكيد، والانتقال من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة، وما يُحذف من الكلام اعتمادًا على دلالة السياق، وما يأتي عامًا ويراد به الخاص أو يقع على وجوه متعددة بحسب الاستعمال.
ويعرض القراءات القرآنيَّة حين يكون اختلافها مؤثرًا في المعنى أو محتاجًا إلى بيان، ويشرح وجه كل قراءة من جهة العربيَّة والدلالة، وقد يرجِّح بينها إذا ظهر له وجه أقوى في اللغة أو المعنى. ويستعين في ذلك بمذاهب النُّحاة في رفع الكلمات ونصبها وجرها، وبأبنية الأفعال والأسماء ومصادرها، ويكشف أثر الحركة أو البنية أو الحرف في توجيه معنى الآية، فلا ينفصل عنده البحث النحوي عن التفسير، وإنما يصبح الإعراب وسيلة إلى تحديد المراد وفهم تركيب الخطاب القرآني.
ويجمع في تفسير الآيات أقوال السَّلف، فيروي عن ابن عباس وابن مسعود وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم، وعن مجاهد وقتادة والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة والضَّحَّاك وغيرهم من التَّابعين، وقد يسوق في المسألة الواحدة عدة أقوال ثمَّ ينظر في إمكان اجتماعها أو اختلافها. فإذا وجد أحدها أظهر في العربيَّة أو أنسب بالسياق صرَّح بترجيحه، وإذا أمكن حمل الآية على أكثر من معنى بيَّن ذلك، وقد يردُّ تفسيرًا منقولًا إذا رأى أنَّ اللسان العربي لا يساعد عليه أو أنَّ نظم الآية يدل على خلافه.
ويستعين بالأحاديث والآثار في بيان معاني الآيات وأسبابها وما تتضمنه من الأحكام، ويصل بين التفسير بالمأثور والتحليل اللغوي؛ فلا يكتفي غالبًا بإيراد الرواية، بل يشرح اللفظ الذي تدور عليه، ويقارنها بغيرها من الأقوال، وينظر في ملاءمتها لدلالة الكلام. ويظهر هذا المنهج في تفسير أسماء السُّور والألفاظ القرآنيَّة والقصص، وفي بيان المراد بالشخص أو الجماعة أو الواقعة التي تشير إليها الآية، مع جمع ما بلغه من أقوال المتقدمين فيها.
ويبحث أحكام القرآن ضمن تفسيره، فيستخرج من الآيات ما يتصل بالطَّهارة والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحج والنِّكاح والطَّلاق والعدَّة والمواريث والوصايا والمعاملات والجهاد والحدود وغيرها، ويعرض اختلاف العلماء فيما تحتمله الآية من الأحكام. كما يتناول النَّاسخ والمنسوخ، فيذكر الأقوال في الآيات التي قيل بنسخها أو تخصيصها أو بقاء حكمها، وينظر في دلالة النَّص وما نُقل عن المتقدمين، رابطًا المسألة الفقهيَّة بالمعنى اللغوي الذي يقوم عليه الاستدلال.
ويتوقَّف عند المواضع التي استشكلها أهل النظر أو جرت فيها مناقشات، فيعرض وجه الإشكال ثمَّ يجيب عنه بما يدل عليه نظم الآية أو كلام العرب أو ما ورد من تفسير السَّلف. ولهذا تمتزج في الكتاب مسائل التفسير بمباحث النحو والصرف والبلاغة وأصول الاستدلال؛ فيشرح التوكيد والاستثناء والشرط والعموم والخصوص، ووجوه عود الضمائر، ودلالات حروف المعاني، ويكشف ما في بعض التراكيب من إيجاز أو تقدير، وما يترتب على اختلاف توجيهها من اختلاف في المعنى.
ويبرز في الكتاب استقلال النَّحَّاس في الترجيح والنقد؛ إذ يناقش أئمة العربيَّة أنفسهم، فيقبل من أقوالهم ما تقوم عليه الحجة عنده، ويردُّ ما يراه مخالفًا للاستعمال أو السياق. وقد يعترض على الفرَّاء أو غيره، ويصف القول أحيانًا بالخطأ ثمَّ يبيِّن وجه الخطأ من اللغة أو من دلالة الآية، كما قد يختار قول أحد المفسِّرين لأنَّه أعرف في كلام العرب، أو يجمع بين قولين إذا لم يكونا متناقضين في الحقيقة. وبذلك لا يأتي نقله للأقوال على صورة الجمع المجرد، وإنما يصاحبه فحص مستمر للمعنى ووجهه اللغوي.
ويكشف الكتاب في مجمله عن تفسير يقوم على تداخل علوم القرآن والعربيَّة؛ فالآية عند النَّحَّاس مجال لبيان معناها، وغريب ألفاظها، وأقوال السَّلف فيها، وقراءاتها، وإعراب ما يتوقف عليه الفهم، وتصريف كلماتها واشتقاقها، وما يستنبط منها من حكم، وما قيل فيها من نسخ، وما يرد عليها من سؤال لغوي أو تفسيري. ومن خلال هذا المنهج يجعل سلامة الدلالة العربيَّة ميزانًا بارزًا في المفاضلة بين الأقوال، ويصل الرواية بالتفسير اللغوي والتحليل النحوي ليبيِّن المعنى الذي يراه أقرب إلى نظم القرآن واستعمال العرب.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














