
نبذة عن الكتاب:
يكشف محمود بن حمزة الكَرماني في «البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجَّة والبيان» عن الفروق بين الآيات المتشابهة التي تتكرَّر في القرآن بألفاظ متَّفقة أو متقاربة، ثمَّ يطرأ على أحد مواضعها ما لا يوجد في الآخر من زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال حرف بحرف، أو تعريف وتنكير، أو اختلاف في الصِّيغة والتَّركيب. ويبحث عن السَّبب الذي اقتضى كلَّ اختلاف، وعن فائدة إعادة الآية إذا تكرَّرت من غير زيادة ولا نقصان، وعن الحكمة في تخصيص كلِّ موضع باللَّفظ الذي ورد فيه، وهل كان يصلح فيه ما جاء في نظيره أم أنَّ لكلِّ تعبير ما يقتضيه مقامه. ولا يقصد بذلك إلى تفسير الآيات تفسيرًا شاملًا، بل يفرد المتشابه اللَّفظي بالبحث، ويجعل الفروق بين نظائر الآيات علامات تزيل الاشتباه بينها وتبيِّن مناسبة كلِّ صيغة لموضعها.
ويرتِّب المسائل على سُور القرآن، فيبدأ بالفاتحة وينتقل منها إلى البقرة ثمَّ يتابع ترتيب المصحف حتى سُورة النَّاس، ويضع الآية إلى جانب نظيرتها أو نظائرها ثمَّ يفسِّر وجه الاتفاق والاختلاف. وقد يناقش في السُّورة الواحدة نظيرًا واقعًا في سُورة متأخِّرة عنها، فيجمع المواضع المتباعدة تحت المسألة الأولى التي تعرض له. ويستعين في توجيه الفروق بالنَّحو والصَّرف واللُّغة والمعنى والسِّياق وترتيب الكلام وفواصل الآيات، وبما تقدَّم في السُّورة أو تأخَّر فيها، وقد ينقل أقوال من سبقه ثمَّ يضيف توجيهه بقوله «قلت» إذا كان له في المسألة تفسير آخر.
ويبدأ من الفاتحة ببيان سرِّ تكرار {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فيربط الموضع الأول بذكر المنعم والموضع الثَّاني بذكر من تقع عليهم النِّعمة، ثمَّ يقف عند تكرار {إِيَّاكَ} في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فيجعل إعادة الضَّمير لازمةً لإظهار التَّقديم في الجملتين وقطع احتمال الاشتراك. وينظر بالطَّريقة نفسها في إعادة {الصِّرَاطَ} في {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، ويفرِّق بين التكرار الحقيقي وبين إعادة لفظ يقتضيه تعلُّقه في كلِّ موضع بفعل أو معنى مختلف.
ويفحص في سُورة البقرة فروقًا دقيقة بين الآية ونظيرتها؛ فيعلِّل زيادة الواو في {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} في يس وعدمها في البقرة باختلاف موقع الجملة، ويشرح تكرار العامل في {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} بما يحمله كلام المنافقين من التَّوكيد ومحاولة نفي التُّهمة عن أنفسهم. كما ينظر في الحروف المقطَّعة التي تتكرَّر في أوائل السُّور، وما يزيد في بعضها من حرف على ما ورد في غيرها، ويربط بعض ذلك بما يلي هذه الحروف من ألفاظ ومعانٍ في السُّورة.
ويوازن بين المواضع المختلفة لقصَّة آدم عليه السَّلام، فيقف عند {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا} في البقرة و{فَكُلَا} في الأعراف، فيفرِّق بين الواو التي تسمح باجتماع الإقامة والأكل، والفاء التي تقتضي التَّعقيب، ويربط ذلك بالمعنى الذي يحمله فعل السُّكنى في كلِّ موضع. كما يعلِّل زيادة {رَغَدًا} في البقرة بما جاء فيها من إسناد القول إلى الله تعالى بلفظ التَّعظيم {وَقُلْنَا}، ويناقش تكرار الأمر بالهبوط، والفرق بين {تَبِعَ} و{اتَّبَعَ}، وتقديم الشَّفاعة على العدل في آية وتقديم العدل عليها في أخرى.
ويتَّسع هذا النَّظر في مقابلته بين أخبار بني إسرائيل في البقرة والأعراف وإبراهيم؛ فيفرِّق بين {يُذَبِّحُونَ} و{وَيُذَبِّحُونَ} بحسب كون الكلام تعدادًا للمحن أو بيانًا لها، وبين {فَكُلُوا} و{وَكُلُوا} بحسب دلالة الدُّخول والسُّكنى على سرعة الفعل أو امتداده، وبين تقديم {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} وتأخيره، وبين {خَطَايَاكُمْ} و{خَطِيئَاتِكُمْ}، و{فَأَنْزَلْنَا} و{فَأَرْسَلْنَا}. ويقف عند {فَانْفَجَرَتْ} في البقرة و{فَانْبَجَسَتْ} في الأعراف، فيفرِّق بين الانفجار الدَّال على كثرة انصباب الماء والانبجاس الدَّال على ظهوره، ويربط قوَّة اللفظ بما يجاوره في كلِّ سُورة.
ويبحث التَّعريف والتَّنكير حين تختلف بهما الآيات المتشابهة؛ فيقارن بين {بِغَيْرِ الْحَقِّ} في البقرة و{بِغَيْرِ حَقٍّ} في آل عمران والنِّساء، ويجعل التَّعريف في الأول إشارةً إلى الحقِّ الذي أذن الله تعالى أن تُقتل النَّفس به، بينما يحمل التَّنكير على نفي أيِّ حقٍّ يمكن أن يتوهَّموه في معتقدهم. ويقارن كذلك بين {أَيَّامًا مَعْدُودَةً} و{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}، وبين «المعروف» معرَّفًا ومنكَّرًا، ويستعين بالقواعد النَّحويَّة والصَّرفيَّة في تفسير اختصاص كلِّ موضع بصيغته.
ويستدلُّ بالسِّياق على تفاوت قوَّة النَّفي والتَّوكيد؛ فيقابل بين {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ} في البقرة و{وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ} في الجمعة، فيجعل قوَّة دعوى اليهود في الموضع الأول مناسبةً للرَّد بـ«لن» التي يراها أبلغ في النَّفي، بينما جاءت دعواهم في الجمعة على وجه آخر فناسبها «لا». كما يفسِّر اختلاف {الَّذِي} و{مَا} في الآيات التي جاء فيها {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} و{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} بحسب مقدار العلم المراد وتعيينه، ويبحث زيادة «مِن» أو حذفها في ضوء المعنى والزَّمن الذي يتعلَّق به الكلام.
ويعلِّل التكرار نفسه إذا عادت الآية أو العبارة من غير اختلاف ظاهر؛ فتكرار {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} في البقرة عنده مرتبط بوقوع كلِّ واحدة عقب معصية تقتضي التَّنبيه والوعظ، وتكرار الأمر بالتَّوجُّه إلى المسجد الحرام يتعلَّق بما تؤدِّيه كلُّ آية من معنى أو علَّة أو حال. ولذلك لا يجعل مجرَّد تطابق الألفاظ دليلًا على أنَّ الإعادة خالية من فائدة، بل يبحث عمَّا استدعاه موضع كلِّ تكرار.
ويجعل ترتيب الكلمات تابعًا لما يقتضيه المعنى؛ فيفسِّر تقديم المغفرة على العذاب في أكثر المواضع بما فيه من الرَّحمة والتَّرغيب، ثمَّ يبيِّن سبب تقديم العذاب على المغفرة في الموضع الذي ورد فيه ذلك من سُورة المائدة. وينظر في تقديم بعض الأشخاص أو الطَّوائف وتأخيرهم بالطَّريقة نفسها؛ فيقارن ترتيب النَّصارى والصَّابئين في البقرة والحجِّ والمائدة، ويستعين مرَّةً بالرُّتبة ومرَّةً بالتقدُّم الزَّمني، ثمَّ يضمُّ إلى ذلك أثر الإعراب في الموضع الذي جاءت فيه {وَالصَّابِئُونَ} مرفوعةً.
ويتتبَّع في آل عمران اختلاف عرض القصص نفسها؛ فيقارن قول زكريَّا عليه السَّلام: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} بما جاء في سُورة مريم من تقديم ذكر المرأة وتأخير الكِبَر، ويردُّ ترتيب كلِّ موضع إلى ما سبقه وإلى مناسبة فواصل الآيات في سُورة مريم من نحو {عِتِيًّا} و{سَوِيًّا} و{عَشِيًّا} و{صَبِيًّا}. ويقارن قول مريم عليها السَّلام {أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} بما جاء في مريم {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ}، فيربط «ولد» بتقدُّم ذكر المسيح عليه السَّلام و«غلام» بتقدُّم البشارة بالغلام الزَّكي.
ويستعين كثيرًا بمناسبة الألفاظ لما يجاورها في السُّورة؛ فقد يختار لفظًا لأنَّ نظائره كثرت في الموضع نفسه، أو لأنَّه أوفق بما تقدَّمه أو تأخَّر عنه، أو لأنَّ صيغة أخرى سبق بيانها فلم تحتج إلى الإعادة. ويظهر ذلك في تعليله {فَأَرْسَلْنَا} في الأعراف بكثرة لفظ الرَّسول والرِّسالة فيها، وفي تخصيص آية الوصيَّة بـ{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لمناسبة قوله قبلها {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}، ثمَّ مجيء {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} في الآية الأخرى لمناسبة نفي الإثم. وبذلك لا يعزل خاتمة الآية أو الاسم الإلهي عن موضوع الكلام الذي سبقه.
ويمضي في سُور النِّساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتَّوبة على هذا النَّمط، فيقارن الآيات التي تتقارب قصصها وأحكامها، ويبحث عن سبب زيادة كلمة في إحداها وحذفها من الأخرى، أو استبدال اسم باسم، أو اختلاف حرف الجرِّ والعطف، أو تقديم جملة وتأخيرها. ويستفيد من كون السُّورة مكِّيَّة أو مدنيَّة، ومن المخاطبين فيها، ومن القصَّة التي وردت الآية في سياقها، ومن اتِّصال الكلام بما قبله وما بعده، ليبيِّن أنَّ الفرق اليسير في اللَّفظ يتَّصل بفرق في المقام أو النَّظم أو المعنى.
وتبرز عنايته بالقصص المتكرِّر في القرآن حين يقابل أخبار الأنبياء عليهم السَّلام في الأعراف وهود والشُّعراء والنَّمل والقصص وغيرها؛ فلا يتعامل مع إعادة القصَّة بوصفها تكرارًا محضًا، بل يتتبَّع ما يختلف في صيغ الحوار، وأسماء الأقوام، وترتيب الأحداث، والأفعال التي تسند إلى الله تعالى أو إلى رسله أو إلى المكذِّبين. وقد يردُّ الفرق إلى اختصار موضع وتفصيل آخر، أو إلى سبق معلومة في إحدى السُّورتين أغنت عن إعادتها، أو إلى مقصد السِّياق الذي اقتضى إبراز جزء من القصَّة دون جزء.
ويولي فواصل الآيات عناية ظاهرة حين يكون اختلاف اللَّفظ موافقًا لنظام السُّورة من غير إخلال بالمعنى؛ فيردُّ بعض صيغ القصص واختيارات الألفاظ إلى مناسبة ما قبلها وما بعدها، كما فعل في آيات زكريَّا عليه السَّلام في مريم. ولا يجعل مراعاة الفاصلة منفصلةً عن صحَّة المعنى، بل يجمع بين انتظام الجرس واستقامة الدَّلالة، ويصرِّح في بعض المواضع بأنَّ اللفظ جاء مراعاةً للفواصل مع صحَّته وجودة معناه.
ويفرِّق كذلك بين ما يبدو تكرارًا وهو في الحقيقة متعلِّق في كلِّ موضع بشيء مختلف؛ فإذا أعيدت جملة مرَّتين لأنَّ الأولى متَّصلة بالسَّماء والثَّانية بالأرض، أو أعيد لفظ لأنَّ كلَّ مرَّة منه تؤدِّي وظيفة مستقلَّة، نفى عنه أن يكون تكرارًا بالمعنى الذي يحتاج إلى تعليل الإعادة. ويظهر ذلك في سُورة الانشقاق عند {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، إذ تتعلَّق الأولى بالسَّماء والثَّانية بالأرض، فاختلاف المتعلَّق يمنع أن تكون الثَّانية مجرَّد إعادة للأولى.
ويستمرُّ في السُّور القصار في تطبيق الأصول نفسها؛ فيفسِّر تكرار {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} في سُورة الانفطار بما يفيده من تعظيم يوم الدِّين، ويقابل في المطفِّفين بين كتاب الفجَّار في سجِّين وكتاب الأبرار في علِّيِّين، مبيِّنًا مناسبة ختم الأول بالويل للمكذِّبين وختم الثَّاني بشهادة المقرَّبين، بحيث يأتي كلُّ ختام بما يلائم أصحابه ولا يصلح موضعه ختام الآخر. وفي سُورة البروج يقارن بعض ألفاظها بنظائرها، ويردُّ الاختلاف إلى الفاصلة مع سلامة المعنى.
ويفسِّر في سُورة الكافرون تكرار نفي العبادة، فيربطه باستيعاب الأزمنة وعدم وقوع عبادة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأصنام المشركين، ولا عبادة المخاطبين لله تعالى، ويستعين بدلالة الفعل واسم الفاعل على الأزمنة في توجيه الصِّياغة. وفي سُورة المسد يفرِّق بين {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} و{وَتَبَّ}، فيجعل الأول جاريًا مجرى الدُّعاء والثَّاني خبرًا بوقوع التَّباب، فلا تكون الجملة الثَّانية إعادةً للأولى. ثمَّ يعلِّل تكرار اسم الله تعالى في {اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} باستقلال كلِّ جملة بمعناها، ويجعل تكرار {مِنْ شَرِّ} في سُورة الفلق راجعًا إلى اختلاف الشُّرور المذكورة.
ويبحث في سُورة النَّاس تكرار لفظ {النَّاسِ} في قوله تعالى: {بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ} وما بعدها، فينقل تعليل التكرار بانفصال الآيات وعدم وجود حرف عطف يصل بعضها ببعض، ويورد ما قيل في اختلاف المراد بالناس في المواضع المتعاقبة بحسب ما يناسب الرُّبوبيَّة والملك والألوهيَّة والوسوسة، فتظلُّ المسألة الأخيرة من الكتاب جاريةً على غرضه منذ بدايته: البحث عن سبب إعادة اللفظ، وما يمنع أن تكون الكلمات المتشابهة في القرآن قابلةً للحذف أو الاستبدال من غير فرق.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














