
نبذة عن الكتاب:
يستخرج أبو بكر أحمد بن علي الجصَّاص الرَّازي في هذا الكتاب ما تضمَّنته آيات القرآن من أحكام، ويجعل دلالات الألفاظ وأصول الاستنباط أساسًا في تفسيرها والترجيح بين ما قيل فيها. فيبحث ما يقتضيه ظاهر النَّص، وما يدخله من تخصيص أو تقييد أو بيان أو نسخ، ويضمُّ إلى ذلك السُّنَّة والآثار والقراءات وكلام العرب، ثمَّ يناقش اختلاف الفقهاء وحججهم. ولهذا تتجاوز عنايته بيان الحكم المستفاد من الآية إلى تحرير الطَّريق الذي يدلُّ عليه، فتجتمع في الكتاب مباحث التفسير والفقه وأصوله، ويظهر فيه بوضوح أثر المذهب الحنفي في الاختيار والاستدلال ومناقشة المخالفين.
ويربط الجصَّاص كتابه بما سبق أن قرَّره في أصول الفقه من طرق استنباط معاني القرآن واستخراج دلائله وأحكام ألفاظه، وما تتصرَّف عليه أنحاء كلام العرب والأسماء اللُّغويَّة والعبارات الشرعيَّة. لذلك لا تَرِد القواعد الأصوليَّة عنده استطرادًا منفصلًا عن التفسير، بل يستدعيها كلَّما توقَّف فهم الحكم عليها، فيحدِّد دلالة اللَّفظ أولًا، ثمَّ ينظر فيما يعارض ظاهره أو يخصِّص عمومه أو يبيِّن مجمله، قبل أن ينتقل إلى الحكم وما وقع فيه من خلاف.
ويكشف بحثه للبسملة منذ أول الكتاب عن هذه الطَّريقة؛ فيناقش الفعل المضمر في «بسم الله» وما يحتمله من معنى، ثمَّ يبحث كون البسملة من القرآن وموضعها من الفاتحة وسائر السُّور، وما يترتَّب على ذلك من أحكام القراءة بها في الصَّلاة والجهر بها. ولا يفصل هذه المسائل عن طرق إثبات النُّصوص، فيبحث ما يثبت بالتَّواتر وما يمكن إثباته بخبر الواحد، ويفحص الأخبار الواردة في المسألة من جهة أسانيدها وألفاظها واختلاف رواتها، ثمَّ يبني على ذلك ما يختاره من حكم.
ويكثر في أنحاء الكتاب من بحث العامِّ والخاصِّ، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والمبيَّن، والأمر والنَّهي، والحقيقة والمجاز، والاستثناء والشَّرط والغاية، ودلالة الأسماء وصيغ الأفعال والحروف، وما يصحُّ إضماره في الكلام. ويستعمل هذه القواعد في تحقيق المراد من الآية؛ فإذا كان اللَّفظ عامًّا بحث ما إذا بقي على عمومه أو دخله تخصيص، وإذا ورد الأمر نظر فيما يقتضيه من وجوب أو غيره، وإذا احتمل النَّص أكثر من معنى طلب ما يرجِّح أحدها أو نظر في إمكان حمله عليها جميعًا. ويجري كثير من مناقشاته في صورة اعتراض وجواب، فيورد ما يمكن أن يحتجَّ به المخالف ثمَّ يختبره على ضوء هذه الأصول.
ويتَّسع تطبيق ذلك في سُورة البقرة، فيتناول أحكام القبلة والصَّلاة والصِّيام والاعتكاف والحجِّ والعمرة والقصاص والوصايا، وأحكام الحيض والإيلاء والطَّلاق والعِدَد والرَّضاع والنَّفقات، والرِّبا والدُّيون والرَّهن والشَّهادة وغيرها. ولا تأتي هذه المسائل في صورة فهرس فقهي للآيات، بل يبحث في كلِّ موضع مقدار ما تنهض الآية بإثباته، وما أضافته السُّنَّة إلى حكمها، وما ثبت بالإجماع أو القياس، وما وقع بين الفقهاء من اختلاف في فهم اللَّفظ أو تنزيله على الفروع.
ويجعل الخلاف الفقهي مجالًا لاختبار الأدلَّة وطرق الاستنباط، فيعرض أقوال أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر وغيرهم من أصحاب المذهب، ويقابلها بأقوال مالك والشَّافعي وسائر الفقهاء، ثمَّ يناقش مأخذ كلِّ قول. وقد يكون موضع النِّزاع في معنى كلمة قرآنيَّة، أو في عموم آية وخصوصها، أو في صحَّة حديث ودلالته، أو في دعوى نسخ، أو في جواز القياس على الحكم المذكور. ويحتجُّ للمذهب الحنفي احتجاجًا ظاهرًا، ويعترض على أدلَّة مخالفيه، لكنه لا يقتصر على تقرير النتيجة المذهبيَّة، بل يردُّها في الغالب إلى أصل يرى أنَّ النَّص أو السُّنَّة أو القياس يقتضيه.
ويفحص الأحاديث والآثار التي تدخل في تفسير آيات الأحكام، فيسوق كثيرًا منها بأسانيدها، ويوازن بين طرقها وألفاظها، ويناقش الاختلاف في رفع الخبر ووقفه أو في بعض رواته، ثمَّ ينظر في دلالته على المسألة. وقد يقبل الخبر ويرفض الاستدلال به على الوجه الذي ذهب إليه مخالفه، أو يجمع بين أخبار يظهر بينها التَّعارض، أو يبيِّن أنَّ الحديث مخصِّص لعموم الآية أو مبيِّن لمجملها. ويتَّصل بذلك بحثه في مقدار ما يجوز أن يثبت بخبر الواحد، ولا سيَّما إذا تعلَّق الأمر بحكم يرى أنَّ طريق إثباته يقتضي نقلًا أقوى.
ويستحضر أقوال الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين في تفسير الآيات ومعاني الألفاظ وأسباب النُّزول والأحكام، ويجمع أحيانًا عدَّة أقوال في اللَّفظ الواحد، ثمَّ ينظر في إمكان اجتماعها تحت دلالة الآية. فإذا لم يكن بين المعاني تنافٍ لم يلزم عنده قصر اللَّفظ على أحدها من غير حجَّة، أمَّا إذا تعارضت وجوه التفسير فإنه يرجِّح بينها بما يشهد له ظاهر القرآن أو السُّنَّة أو اللُّغة. وبهذه الطَّريقة يستفيد من المأثور من غير أن يجعل الكتاب قائمًا على نقله وحده.
ويستعين باللُّغة والنَّحو والقراءات في المواضع التي يتوقَّف عليها تحديد المعنى، فيشرح الألفاظ بحسب استعمال العرب، ويناقش دلالات الحروف وصيغ الأفعال والأسماء والضَّمائر والحذف والإضمار، ويورد الشَّواهد عند الحاجة. كما يذكر اختلاف القراءات إذا ترتَّب عليه اختلاف في وجه التفسير أو الحكم. ولا يقصد من ذلك إنشاء مباحث لغويَّة مستقلَّة، بل يجعل العربيَّة وسيلةً لضبط مدلول النَّص قبل بناء الحكم عليه، ويردُّ بعض الاستدلالات حين يرى أنَّ اللَّفظ لا يحتمل المعنى الذي حُمِل عليه.
ويعتني بالنَّاسخ والمنسوخ عنايةً متَّصلة بأصوله في دلالات النُّصوص، فلا يجعل اختلاف حكمين كافيًا للحكم بالنَّسخ، بل يبحث أولًا إمكان الجمع بين الدَّليلين، ويميِّز رفع الحكم من تخصيص العامِّ أو تقييد المطلق أو بيان المجمل. وينظر في ترتيب النُّزول والأخبار التي تدلُّ عليه عند الحاجة، لأنَّ إثبات النَّسخ يقتضي عنده إبطال بقاء الحكم الأوَّل، فلا يصير إليه مع إمكان استعمال النَّصَّين. ولهذا يناقش دعاوى النَّسخ في مواضع متعدِّدة ويعيدها إلى حقيقة التَّعارض وإمكان الجمع بين الأدلَّة.
ويتناول في سُور النِّساء والمائدة طائفة واسعة من مسائل الأسرة والأموال والجنايات؛ فيبحث أموال اليتامى والمواريث والنِّكاح والمهور والمحرمات من النِّساء والنُّشوز والشِّقاق، والتَّيمُّم وقصر الصَّلاة وصلاة الخوف، والقتل والدِّيات والكفَّارات، ثمَّ العقود والأطعمة والذبائح والصَّيد والطَّهارة والحرابة والسَّرقة والأيمان والشَّهادات والوصايا. وتتفرَّع عن هذه الآيات مناقشات في شروط الأحكام وموانعها وحدودها، وفيما يدخل تحت عموم النَّص وما يخرج منه بدليل، وفي علاقة الحكم المنصوص عليه بما يلحق به من مسائل عن طريق القياس.
ويبحث في سُور الأنفال والتَّوبة وما يتَّصل بهما أحكام الأنفال والغنائم والخُمس والفيء والجهاد والعهود والأمان وما يتعلَّق بأهل الذِّمَّة، ويعرض في سُورة النُّور أحكام الزِّنا والقذف واللِّعان والاستئذان وغضِّ البصر وما يتَّصل بالعفاف والنِّكاح. ثمَّ يتناول في سُورة الأحزاب أحكامًا تتعلَّق بالتبنِّي والأنساب والحجاب وأزواج النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويبحث في سُورة المجادلة الظِّهار وكفَّارته، وفي سُورة الحشر الفيء ومصارفه، وفي سُورة الجمعة السَّعي إلى الصَّلاة وما يتعلَّق بالنِّداء والبيع، وفي سُورة الطَّلاق العِدَّة والسُّكنى والنَّفقة والرَّضاع.
ويستقصي ما يتفرَّع على دلالة الآية من مسائل، فلا يقف دائمًا عند الحكم المباشر الذي نزلت فيه؛ فإذا ثبت عنده عموم أو علَّة أو معنى صالح للبناء عليه ألحق به ما يدخل تحته من صور. ولذلك تتَّسع بعض الأبواب إلى مناقشات في مسائل فقهية متعدِّدة، وتكثر فيها الاعتراضات والأجوبة والقياسات والفروع. ويكشف هذا التوسُّع عن طبيعة الكتاب؛ إذ لا ينظر الجصَّاص إلى آية الحكم باعتبارها موضعًا لاستخراج مسألة واحدة، بل باعتبارها أصلًا يمكن أن تنتظم تحته جملة من الأحكام متى دلَّ عليها لفظها أو معناها.
ويستمرُّ في استخراج الأحكام من السُّور القصار؛ ففي سُورة الشَّرح يناقش قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} وما نُقل في المراد بالفراغ والنَّصب، ويرى إمكان دخول وجوه متعدِّدة تحت اللَّفظ. وفي سُورة القَدْر يجمع الآثار المختلفة في تعيين ليلة القَدْر وينظر في إمكان الجمع بينها، ثمَّ يفرِّع على المسألة حكم من علَّق طلاق امرأته بليلة القَدْر. وفي سُورة الماعون يجمع الأقوال في قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}، ومنها الزَّكاة والعارية والماء والنَّار وما يحتاج النَّاس إلى الانتفاع به، ثمَّ يبحث ما يجب بذله وما لا يجوز منعه عند الضَّرورة.
ويفسِّر قوله تعالى في سُورة الكوثر: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} على ضوء الأقوال الواردة في الصَّلاة والنَّحر، ويرجِّح حمل النَّحر على حقيقته، ثمَّ يصل الآية بأحكام صلاة الأضحى والذَّبح. ويستخرج من قوله تعالى في سُورة الكافرون: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} حكمًا يتعلَّق باتِّحاد ملَّة الكفر مع اختلاف مذاهب أهلها، ويناقش في سُورة النَّصر ما يتَّصل بفتح مكَّة، ثمَّ يقف في سُورة المسد عند قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} وما ورد في عدِّ ولد الإنسان من كسبه وما يتفرَّع على ذلك من أحكام.
ويختم مباحثه في سُورة الفلق بالكلام على الاستعاذة والرُّقى والعين والحسد، فيورد الأخبار الواردة في رقية النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويميِّز بين الرُّقى المشتملة على الشِّرك وبين الرُّقية بالقرآن وذكر الله تعالى، ثمَّ يبحث قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} وما ورد في إصابة العين. ويناقش ما قيل في تأثيرها، ويردُّ القدرة والتَّأثير إلى مشيئة الله تعالى، ثمَّ يصل ذلك بما أرشد إليه القرآن من نسبة النِّعمة والقوَّة إلى الله عزَّ وجلَّ في قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














