
نبذة عن الكتاب:
يستنبط أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري في هذا الكتاب الأحكام الفقهيَّة من آيات القرآن الكريم، فيجمع بين تفسير الآية، والنَّظر في دلالتها اللُّغوية والشرعيَّة، والاستدلال بالسُّنَّة وآثار الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين، ومناقشة أقوال الفقهاء وترجيح ما يراه موافقًا للدَّليل وأصول المذهب المالكي. وأصل الكتاب اختصارٌ لـ«أحكام القرآن» للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، لكنَّ بكر بن العلاء لم يقتصر على تلخيصه؛ بل حذف كثيرًا من أسانيده، واختصر بعض كلامه، وزاد مسائل وأدلَّة واعتراضات من عنده، وأدخل أحاديث تلقَّاها من غير طريق القاضي إسماعيل، ولا سيَّما فيما رأى أنَّه يقوِّي المذهب ويجيب عن الاعتراضات الموجَّهة إليه.
ويرتِّب مادَّته على سُور القرآن وآياتها، مبتدئًا بالبسملة وسُورة الفاتحة، ثمَّ يتقدَّم مع ترتيب المصحف، ولا يقصد إلى تفسير جميع ألفاظ القرآن تفسيرًا متصلًا، وإنَّما يقف عند الآيات وما يتعلَّق بها من حكم أو مسألة أو استدلال. لذلك تتفاوت السُّور في مقدار ما يذكره عنها؛ فقد يطيل في آية واحدة لما تثيره من خلاف فقهي وأصولي، ويمرُّ على غيرها مرورًا موجزًا، وقد يصرِّح في بعض السُّور بأنَّه لم يذكر فيها شيئًا. ويظهر في عرضه أثر البيئة الفقهيَّة التي نشأ فيها، إذ يحتلُّ الخلاف والمناظرة والاحتجاج للمذهب مساحة كبيرة من الكتاب.
ويتناول في سُورة البقرة طائفة واسعة من أبواب الأحكام، فيبحث الطَّهارة والصَّلاة واستقبال القبلة والصِّيام والاعتكاف والحجِّ والعمرة، والقصاص والوصايا والإنفاق، وأحكام الحيض والنِّكاح والطَّلاق والإيلاء والعِدَد والرَّضاع والنَّفقة، إلى جانب البيوع والرِّبا والدُّيون والرَّهن والشَّهادة وغيرها. ولا يعزل الحكم الفقهي عن دلالة الآية؛ بل ينظر في العموم والخصوص، والأمر والنَّهي، والإطلاق والتَّقييد، ودلالة اللَّفظ، وما يحتمله السِّياق، ثمَّ يضمُّ إلى ذلك ما ورد من الحديث والآثار وأقوال أهل العلم، فيتكوَّن الحكم عنده من مجموع الدَّلالة القرآنيَّة وما يفسِّرها ويبيِّنها من الأدلَّة.
ويتابع في سُور آل عمران والنِّساء والمائدة بناء المسائل المتعلِّقة بالعبادات والمعاملات والأحوال الشَّخصيَّة والجنايات؛ فيبحث الحجَّ والاستطاعة، والمواريث وأحكام أموال اليتامى والنِّكاح والمهر والحقوق بين الزَّوجين ونشوزهما والشِّقاق بينهما، وتحريم المحرَّمات من النِّساء، والتَّيمُّم، وقصر الصَّلاة وصلاة الخوف، والقتل والدِّيات والكفَّارات، والشَّهادات والأيمان. ويعرض في سُورة المائدة مسائل الوفاء بالعقود، والذبائح والصَّيد، والطَّهارة، وحدود السَّرقة والحرابة، وكفَّارة اليمين، وأحكام الإحرام والصَّيد فيه، والوصيَّة والشَّهادة، مستخرجًا من الآية ما يراه أصلًا للحكم ثمَّ موازنًا بين وجوه الاستدلال المختلفة.
ويستحضر الخلاف المذهبي استحضارًا ظاهرًا، فينقل قول مالك وأصحابه ويحتجُّ له، ويعرض أقوال الشَّافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وأهل الظَّاهر وغيرهم، ثمَّ يناقش أدلَّتهم من القرآن والسُّنَّة والقياس واللُّغة. وقد يطيل في نقض استدلال المخالف، ويستعين بالقواعد الأصوليَّة في تقرير وجه الدَّلالة، فلا يأتي الخلاف عنده مجرَّد سرد للأقوال، بل يأخذ صورة المناظرة الفقهيَّة القائمة على الاعتراض والجواب وإلزام الخصم بمقتضى أصله. ويظهر دفاعه عن المذهب المالكي بوضوح، مع استقلاله أحيانًا في التَّعليل والتَّوجيه وإضافة ما لم يجده في الأصل الذي اختصره.
ويستثمر علوم العربيَّة في استنباط الأحكام، فيتوقَّف عند معاني الألفاظ وصيغ الأفعال ودلالات الحروف والضَّمائر، ويستشهد بكلام العرب والشِّعر عند الحاجة، ويناقش وجوه الإعراب حين يترتَّب عليها اختلاف في معنى الآية أو حكمها. كما يعرض القراءات إذا أثَّرت في الدَّلالة، ويستفيد من أسباب النُّزول في تحديد المراد، ويتعرَّض للنَّاسخ والمنسوخ عند الآيات التي وقع فيها ادِّعاء النَّسخ، فلا ينفصل عنده التفسير الفقهي عن أدوات التفسير اللُّغوي والحديثي والأصولي.
ويكثر من إيراد الحديث والآثار، مستدلًّا بما يرويه عن شيوخه أو بما أخذه من أصل القاضي إسماعيل، وينقل عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وأئمَّة الفقه والتفسير. وقد تعمَّد في اختصاره حذف الأسانيد التي في أصل القاضي إسماعيل ليقرِّب الكتاب إلى المتعلِّم، مع إبقاء مادَّة الحديث والاستدلال بها، أمَّا المواضع التي يقول فيها «حدَّثنا» فهي من مرويَّاته الأخرى وليست من طريق القاضي إسماعيل. وتكشف هذه الطَّريقة عن حضور الحديث في مناقشته الفقهيَّة؛ إذ يوازن بين دلالة ظاهر القرآن وما ورد في السُّنَّة من بيان أو تخصيص أو تفصيل.
ويمتدُّ بحثه في السُّور اللاحقة إلى أبواب متنوِّعة من الأحكام؛ فيناقش في الأنفال والتَّوبة الغنائم والأنفال والخُمس والجهاد والعهود والأمان والجزية وأحكام المشركين والزَّكاة ومصارفها، ويتعرَّض في سُورة النَّحل للأطعمة المحرَّمة والأيمان، وفي سُورة الإسراء للقتل والزِّنا ومال اليتيم والوفاء بالعهد والكيل والميزان، وفي سُورة الحجِّ للمناسك والهدي والشَّعائر، ثمَّ يفصِّل في سُورة النُّور أحكام الزِّنا والقذف واللِّعان والاستئذان وغضِّ البصر والحجاب والنِّكاح، مستخرجًا من الآيات حدود الأفعال وما يترتَّب عليها من حقوق وعقوبات وآداب.
ويبحث في سُورة الأحزاب ما يتَّصل بالظِّهار والتبنِّي وأنساب الأبناء وأحكام أزواج النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والحجاب، ويتناول في سُورة المجادلة الظِّهار وكفَّارته، وفي سُورة الحشر أحكام الفيء وتوزيعه، وفي سُورة الجمعة ما يتَّصل بصلاة الجمعة والسَّعي إليها وترك البيع عند النِّداء، ثمَّ يعالج في سُورة الطَّلاق مسائل العِدَّة والسُّكنى والنَّفقة والرَّضاع. وتظلُّ طريقته في هذه المواضع قائمة على جمع المأثور والخلاف الفقهي تحت الآية، ثمَّ فحص دلالة النَّص ومناقشة الحجج قبل اختيار الوجه الذي يراه أصحَّ.
ولا يحصر الأحكام في الحدود والعبادات والمعاملات، بل يستخرج من بعض الآيات أحكامًا تتعلَّق بالآداب والعلاقات الاجتماعيَّة والتصرُّف في الأموال. فعند قوله تعالى في سُورة الماعون: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} يعرض أقوال السَّلف في الماعون، ومنهم من فسَّره بالعارية ومنهم من فسَّره بالزَّكاة، ثمَّ يرجِّح دخول الزَّكاة فيه، مع إمكان دخول المعروف الذي لا يلحق الإنسان ضرر بمنحه. وعند سُورة الكوثر يناقش معنى قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، وينقل الأقوال في النَّحر، ثمَّ يحمل الآية على صلاة الأضحى والنَّحر بعدها، مستدلًّا بما ورد في السُّنَّة في ترتيب صلاة العيد والذَّبح.
ويختم مادَّته التفسيريَّة بسُورة المسد، فيقف عند قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}، وينقل أنَّ الولد من كسب أبيه، ويستدلُّ بالحديث على جواز أكل الأب من مال ولده، ثمَّ يربط ذلك بقوله تعالى في سُورة النُّور: {أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ}، فيرى أنَّ بيت الابن داخل في قوله: {بُيُوتِكُمْ} بالنِّسبة إلى الأب، ويقيِّد انتفاع الأب بمال ولده بالمعروف، من غير اغتصاب ولا استيلاء عليه بغير حقٍّ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














