
نبذة عن الكتاب:
يجمع أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في «أسباب النزول» الروايات التي تبيِّن الوقائع والأسئلة والحوادث التي نزلت فيها آيات القرآن، مرتِّبًا مادَّته على ترتيب السُّور والآيات. ويقصر عنايته على الآيات التي رُوي لها سبب نزول، فلا يقصد إلى تفسير القرآن كلِّه، وإنما يتتبَّع ما نُقل في مناسبة نزول الآية والواقعة التي سبقتها أو اقترنت بها، ومن تعلَّقت به من الأشخاص والجماعات، وما صدر عنهم من قول أو فعل أعقبه نزول القرآن.
ويجعل معرفة سبب النزول من المعارف التي يحتاج إليها المفسِّر لفهم الآية وتعيين وجهها، ويصرِّح بأنَّ معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها قد تتوقَّف على الوقوف على قصَّتها وبيان نزولها. ويشدِّد في الوقت نفسه على أنَّ أسباب النزول لا مجال لاختلاقها بالرأي، فلا يجيز القول فيها إلا بالرِّواية والسَّماع ممَّن شهدوا التنزيل ووقفوا على أسبابه أو نقلوا علمها. وقد دفعه إلى تصنيف الكتاب ما رآه من شيوع روايات في أسباب النزول لا تقوم على هذا الأصل، فأراد جمع المرويِّ منها ليكون مرجعًا لطالب هذا العلم.
ويمهِّد للأسباب الخاصَّة بالآيات ببحث بدء الوحي وأول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل، فيورد حديث عائشة رضي الله عنها في ابتداء الوحي ونزول صدر سُورة العلق على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في غار حراء، ثمَّ يذكر ما رُوي في أنَّ سُورة المدَّثِّر أول ما نزل، ويجمع بين الخبرين بأنَّ المدَّثِّر نزلت بعد فترة الوحي التي أعقبت نزول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}. كما يسوق الروايات المختلفة في آخر ما نزل من القرآن، ومنها آية الكلالة وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} وآخر سُورة التَّوبة، ثمَّ يذكر ما يتَّصل بزمن ابتداء نزول القرآن وشهر نزوله.
ويورد بعد ذلك ما رُوي في نزول البسملة والفصل بها بين السُّور، ثمَّ ينتقل إلى السُّور بحسب ترتيب المصحف، فيذكر السُّورة ويعيِّن الآية أو الآيات التي ورد لها سبب، ثمَّ يسوق الخبر المتعلِّق بها. وقد يكتفي بنقل قول عن ابن عباس رضي الله عنهما أو أحد التَّابعين والمفسِّرين، وقد يروي الخبر بإسناده إلى الصَّحابي، وقد يجمع للآية الواحدة عدَّة روايات إذا تعدَّدت الأخبار في سببها، فتتفاوت مادَّة المواضع بحسب ما بلغه فيها من المنقول.
ويكشف عرضه لسُورة البقرة عن تنوُّع الوقائع التي يربطها بالآيات؛ فيذكر ما نزل في المؤمنين والكافرين والمنافقين، وما تعلَّق بأحبار اليهود ومواقفهم من النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وتحويل القبلة، والسَّعي بين الصَّفا والمروة، والصِّيام، والدُّعاء، والقتال في الشَّهر الحرام، والخمر والميسر، واليتامى، والحيض، والنِّكاح والطَّلاق والإنفاق والرِّبا والدَّين. ولا يستخرج الأحكام الفقهيَّة من هذه الآيات كما تصنع كتب أحكام القرآن، بل يركِّز على الحادثة التي سبقت النُّزول أو السؤال الذي جاءت الآية جوابًا عنه، فيعيد الآية إلى سياقها الذي رُويت فيه.
ويحفظ في كثير من المواضع تفاصيل الواقعة وأسماء أطرافها؛ لأنَّ المقصود عنده ليس مجرَّد القول إنَّ الآية نزلت في حادثة، بل بيان ما وقع على قدر ما نقلته الرواية. فتظهر في الكتاب أسئلة الصَّحابة رضي الله عنهم للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ومحاوراته مع المشركين واليهود والنَّصارى والمنافقين، ووقائع الغزوات، والمخاصمات بين الأفراد، والحوادث الأسريَّة والاجتماعيَّة، وما كان يعرض للمسلمين من مسائل في عباداتهم ومعاملاتهم، ثمَّ يأتي النَّص القرآني مرتبطًا بتلك الواقعة أو مجيبًا عن سؤال نشأ منها.
ويبرز هذا المنهج في سُورة آل عمران فيما يورده من أخبار وفد نجران ومحاجَّتهم في عيسى عليه السَّلام، وما نزل في أهل الكتاب ومواقفهم، ثمَّ في الآيات المتَّصلة بغزوة أُحد وما جرى للمسلمين فيها. وفي سُورة النِّساء تتنوَّع الأسباب بين شؤون اليتامى والنِّساء والمواريث والنِّكاح والخصومات والأمانات والجهاد والمنافقين، فتبيِّن الروايات الملابسات التي نزلت فيها أحكام أو توجيهات قرآنيَّة، وتسمِّي في عدد من المواضع الأشخاص الذين وقعت منهم الحادثة.
ويتتبَّع في سُورة المائدة ما رُوي في أسباب الآيات المتعلِّقة بالعهود والحلال والحرام والطَّهارة والصَّيد والأيمان وأهل الكتاب، وفي سُورتي الأنفال والتَّوبة تتَّصل مادَّته اتصالًا وثيقًا بأحداث السِّيرة والغزوات؛ فينقل ما ارتبط ببدر والأنفال والأسرى، وما نزل في الجهاد والإنفاق، ثمَّ ما اتَّصل بتبوك والمنافقين والمتخلِّفين عنها وما وقع في أثناء الاستعداد لها والعودة منها. وهنا تلتقي أسباب النزول بأحداث السِّيرة النَّبويَّة، لكنَّ الواحدي لا يسرد الغزوة كاملةً، وإنما يورد من الحدث ما يفسِّر مناسبة نزول الآية التي يعالجها.
ويجمع للآية الواحدة أحيانًا أكثر من خبر، فلا يفرض على جميع الروايات صورةً واحدة إذا اختلف المنقول. وقد يذكر قولين فيمن نزلت فيه الآية، أو يورد روايات متعدِّدة تتَّفق في أصل الحادثة وتختلف في بعض تفاصيلها، أو ينقل أسبابًا متعدِّدة ترتبط بالآية نفسها. ويظهر بذلك أنَّ مادَّة الكتاب مبنيَّة على جمع ما رُوي في الباب، لا على إعادة صياغة القصص في رواية موحَّدة تخفي اختلاف طرقها.
وتتَّضح قيمة معرفة الواقعة السابقة للنزول في الآيات التي قد لا يكشف لفظها وحده عن الشخص أو الحادثة المقصودة؛ فالتعبير القرآني قد يأتي عامًّا بينما تسمِّي الرواية من وقع منه الفعل الذي أعقبه النزول، أو يأتي جوابًا من غير ذكر السؤال فتورده رواية السبب، أو يذكر حكمًا بعد واقعة لا تظهر من الآية نفسها. ولهذا تتكرَّر في الكتاب صيغ من قبيل أنَّ رجلًا أو جماعة قالوا أو فعلوا كذا «فنزلت» الآية، أو أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم سألوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن أمر فأنزل الله عزَّ وجلَّ فيه قرآنًا.
ويعرض في سُورة النُّور عددًا من أوضح الأمثلة على هذا الارتباط بين الواقعة والنَّص، وفي مقدِّمتها ما يتعلَّق بحادثة الإفك وما نزل في براءة عائشة رضي الله عنها، وما اتَّصل بالقذف واللِّعان والاستئذان وغضِّ البصر. كما تظهر في سُورة الأحزاب أحداث مرتبطة بغزوة الأحزاب وزواج زينب بنت جحش رضي الله عنها وما نزل في الحجاب وآداب دخول بيوت النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فتقدِّم الروايات الخلفيَّة التي نزلت في أثنائها الآيات أو عقبها.
ويورد في سُورة المجادلة قصَّة المرأة التي جاءت تشتكي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما وقع بينها وبين زوجها في الظِّهار، ويربط بها صدر السُّورة، كما يورد في سُورة التَّحريم ما رُوي في الحادثة التي تعلَّقت بآياتها الأولى. وتكشف هذه المواضع عن جانب من مادَّة الكتاب لا يتعلَّق بالأحداث العامَّة والغزوات وحدها، بل يشمل وقائع فرديَّة وأسريَّة قد تكون سببًا في نزول آيات تتضمَّن أحكامًا أو توجيهات تتجاوز أصحاب الحادثة أنفسهم.
ويواصل في السُّور المكِّيَّة نقل ما ارتبط بمواجهة المشركين للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وما كانوا يثيرونه من أسئلة واعتراضات ومطالب، وما صدر منهم من استهزاء أو أذى أو مساومات. وتكشف هذه الأخبار عن مناسبات آيات تتعلَّق بإثبات الرِّسالة والبعث والجزاء، والردِّ على شبه المشركين، وطلبهم الآيات، ومواقفهم من سماع القرآن. كما يورد ما نزل في أشخاص بأعيانهم حين حفظت الرِّواية أسماءهم، فيتداخل بذلك تاريخ الدَّعوة المكِّيَّة مع بيان أسباب الآيات من غير أن يتحوَّل الكتاب إلى مصنَّف مستقل في السِّيرة.
ويحافظ على ترتيب المصحف حتى السُّور القصار، فتأتي أسباب النزول المتأخِّرة في الكتاب متنوِّعة على الرغم من قصر السُّور. ففي سُورة الماعون ينقل قول من جعل صدرها في العاص بن وائل، وقولًا يربطه بأبي سفيان ودفعه اليتيم، وفي سُورة الكوثر يورد ما قيل في وصف العاص بن وائل للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالأبتر بعد وفاة ابنه، وينقل أكثر من رواية تدور على هذا المعنى.
ويذكر في سُورة الكافرون ما رُوي من مساومة رهط من قريش للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، ونزول السُّورة برفض هذه المساومة. ثمَّ يورد في سُورة النَّصر ما رُوي في وقت نزولها، وفي سُورة المسد قصَّة صعود النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم الصَّفا وإنذاره قريشًا، وما قاله أبو لهب له، ونزول {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}. وفي سُورة الإخلاص يجمع ما رُوي في سؤال من طلبوا من النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يصف لهم ربَّه، فيسوق الروايات المختلفة التي ربطت بهذا السؤال نزول {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
ويختم بالمعوِّذتين، فيورد ما نقله المفسِّرون في قصَّة سحر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ونزول سُورتي الفلق والنَّاس، ثمَّ يسوق حديث عائشة رضي الله عنها في وقوع السِّحر وما أخبر به النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن موضعه، وينبِّه إلى أنَّ لهذا الحديث طرقًا في الصَّحيحين. وتنتهي بذلك مادَّة الكتاب عند آخر ما أورده من الأخبار المتعلِّقة بنزول المعوِّذتين.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














