
نبذة عن الكتاب:
يكشف بديع الزمان سعيد النُّورسي في «إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز» عن وجوه الإعجاز الكامنة في نظم القرآن الكريم، فيجعل عنايته منصبَّة على الروابط الدقيقة بين السُّور والآيات والجمل والكلمات والحروف، وعلى ما تؤدِّيه هيئة التَّركيب من معانٍ لا تستقلُّ بها المفردات منفصلةً عن مواضعها. ويصرِّح بأنَّ مقصده تفسير جملة من رموز نظم القرآن؛ لأنَّ الإعجاز عنده يتجلَّى في هذا النَّظم، ثمَّ يجعل المقاصد الأساسيَّة التي تدور عليها معاني القرآن أربعة: التَّوحيد، والنُّبوَّة، والحشر، والعدالة، ويرى أنَّها كما تظهر في القرآن كلِّه تظهر في السُّورة والآية، وقد يُشار إليها في الكلمة الواحدة.
ويؤسِّس منهجه على أنَّ تفسير القرآن لا يستوفيه نظر فرد واحد مهما بلغ علمه؛ لاتِّساع معانيه واشتماله على علوم متعدِّدة وخطابه طبقات البشر في مختلف العصور، ولذلك يدعو إلى اجتماع هيئة من العلماء المحقِّقين المتخصِّصين في فنون مختلفة، تتساند أفكارهم في كشف معانيه وجمع ما تفرَّق من محاسن التَّفاسير وما تكشفه العلوم والأزمنة من حقائقه. ويقدِّم ما دوَّنه بوصفه إشارات إلى بعض وجوه الإعجاز وحقائق القرآن تصلح أن تكون مأخذًا لبعض وجوه التَّفسير، لا تفسيرًا مستوعبًا للكتاب كلِّه.
ويطبِّق هذا المنهج ابتداءً من البسملة وسُورة الفاتحة، فيستخرج من الحرف والكلمة وترتيبها وصلتها بما قبلها وبعدها إشارات عقديَّة وبلاغيَّة. فيرى في تقدير «قل» في البسملة إشارة إلى الرِّسالة، وفي اسم الله تعالى دلالة على الألوهيَّة، وفي تقديم الباء تلويحًا بالتَّوحيد، ويربط «الرَّحمن» بالعدل والإحسان و«الرَّحيم» بالحشر. ثمَّ يقرأ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} بالطَّريقة نفسها، فيبحث اختصاص الحمد بالله تعالى، ودلالة الرُّبوبيَّة على تربية الموجودات وسوقها إلى كمالاتها، وما في صيغة {الْعَالَمِينَ} من تصوير أجزاء العالم كأنَّها أحياء عاقلة تدلُّ بلسان حالها على صانعها.
ويربط بين ترتيب آيات الفاتحة وتدرُّج معانيها؛ فيجعل {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} نتيجةً لما سبق من الرَّحمة، ويستدلُّ بالرَّحمة على ضرورة القيامة والسَّعادة الأبديَّة، ثمَّ يفسِّر الانتقال من الغيبة إلى الخطاب في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بأنَّ ذكر صفات الله تعالى يهيِّئ القلب للانتقال من معرفة الموصوف إلى حضوره في مقام الخطاب. ويستخرج من تقديم {إِيَّاكَ} معنى الإخلاص والحصر، ومن تكرارها في {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} استقلال العبادة والاستعانة معًا، ويصل بين العبادة والأخذ بالأسباب، فلا يجعل التَّوكُّل ذريعةً إلى تعطيل الأسباب، ولا يجعل مراعاتها منافيةً للتَّوحيد. ثمَّ يفسِّر {اهْدِنَا} بحسب اختلاف أحوال المخاطبين بمعاني التَّثبيت والزِّيادة والتَّوفيق والإعطاء.
ويجعل {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} تعبيرًا عن العدل الذي يتحقَّق بالتَّوسُّط بين الإفراط والتَّفريط في قوى الإنسان العقليَّة والشَّهويَّة والغضبيَّة؛ فوسط القوَّة العقليَّة الحكمة، ووسط الشَّهويَّة العفَّة، ووسط الغضبيَّة الشَّجاعة، وتكون هذه الأوساط هي العدل الذي يمثِّل الصِّراط المستقيم. ثمَّ يعود إلى النَّظم فيربط {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بألفاظ الفاتحة السابقة واحدًا واحدًا، من الحمد والرُّبوبيَّة والرَّحمة والدِّين إلى العبادة والاستعانة والهداية، ليبيِّن أنَّ نظم القرآن عنده ليس سلسلةً خطيَّةً واحدة، بل شبكة من المناسبات المتداخلة التي يصل بعضها ببعض على درجات متفاوتة من الظُّهور والخفاء.
وينتقل إلى أوائل سُورة البقرة فيفسِّر الحروف المقطَّعة في ضوء إعجاز القرآن وتحدِّيه، ثمَّ يقف عند {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} محلِّلًا اختيار اسم الإشارة، والتَّعريف في «الكتاب»، ونفي الرَّيب، وتنكير «هدى»، وتخصيص المتَّقين، وما بين هذه القيود من ترابط. ولا يعزل في هذا التَّحليل علم المعاني عن النَّحو والصَّرف، بل يستدعي التَّعريف والتَّنكير، والتَّقديم والتَّأخير، والحذف والذِّكر، والالتفات، واختيار الحرف والصِّيغة والزَّمن، ثمَّ يسأل عمَّا كان يمكن أن يحلَّ محلَّ اللَّفظ القرآني ولماذا عُدل عنه إلى اللَّفظ المستعمل، ليستخرج من هذا الاختيار خصوصيَّة الدَّلالة.
ويفصِّل صفات المؤمنين في {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، ويربط الإيمان بالغيب والصَّلاة والإنفاق ببناء الحياة الإيمانيَّة والاجتماعيَّة. ويتوقَّف عند لفظ الرِّزق وإسناده إلى الله تعالى، وعند «مِن» الدَّالَّة على التَّبعيض، وتقديم {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}، ليرى في هذه الهيئة توجيهًا إلى أنَّ المنفق لا يخرج إلا بعض ما رزقه الله تعالى، وأنَّه واسطة في إيصال مال الله إلى عباده. ثمَّ يصل الإيمان بما أُنزل إلى النَّبي محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وما أُنزل من قبله بوحدة أصل النُّبوَّات، ويجعل اليقين بالآخرة عنصرًا يكمِّل بناء صفات المتَّقين.
ويقابل ذلك بتحليل الآيات التي تصف الكافرين والمنافقين، فيعتني بسبب الانتقال من فريق إلى آخر وباختلاف مقدار الكلام في كلِّ فريق. ويحلِّل {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} من جهة توزيع الختم والغشاوة على أدوات الإدراك، ويستخرج من اختيار القلب والسَّمع والبصر ما يتَّصل بمنافذ المعرفة والهداية. أمَّا آيات المنافقين فيطيل الوقوف عند هيئات جملها وتعاقبها؛ لأنَّ النِّفاق يقوم على التَّلوُّن وإظهار خلاف الباطن، فيتتبَّع ما في الأفعال والضَّمائر وأدوات النَّفي والتَّشبيه والأمثال من تصوير أحوالهم، ويشرح ارتباط مثل النَّار ومثل الصَّيِّب بما سبقهما من صفاتهم.
ويستعمل في أثناء ذلك أسلوب «إن قلتَ... قلتُ» لعرض الاعتراضات التي يمكن أن تتوجَّه إلى التَّركيب أو المعنى ثمَّ حلِّها، فلا يقتصر على تقرير النُّكتة البلاغيَّة، بل يستحضر ما قد يناقضها أو يجعل لفظًا آخر أظهر منها، ثمَّ يبيِّن وجه اختيار النَّظم القرآني. ويجمع في أجوبته بين البلاغة والنَّحو والمنطق والكلام والنَّظر في الكون والإنسان، فيتحوَّل البحث من مناسبة حرف أو هيئة جملة إلى تقرير مسألة في التَّوحيد أو النُّبوَّة أو الحشر، ثمَّ يعود من المعنى الكلِّي إلى دقائق اللَّفظ الذي دلَّ عليه. ولهذا تتداخل في تفسيره الدَّلالة اللُّغويَّة مع الاستدلال العقلي والعقدي، ولا تكون النُّكتة البلاغيَّة عنده غايةً منفصلة عن حقيقة الآية.
ويشرح عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} صلة العبادة بالرُّبوبيَّة والخلق، ويستدلُّ من انتظام الموجودات وتعاونها على وحدانيَّة الصَّانع، ثمَّ يتوسَّع في الآيات الدَّالَّة على جعل الأرض فراشًا والسَّماء بناءً وإنزال الماء وإخراج الثَّمرات، فيقرأ نظام الكون من جهة التَّعاون والتَّساند والتَّناسب بوصفه دليلًا على وحدة التَّدبير. ويجعل النَّهي عن الأنداد نتيجةً لما تقرَّر من دلائل الرُّبوبيَّة، إذ لا يستقيم عنده الاعتراف بأنَّ الله تعالى هو الخالق المدبِّر ثمَّ صرف شيء من العبادة إلى غيره.
ويخصِّص عنايةً ظاهرة لآية التَّحدِّي {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}، فيبحث وجوه إعجاز القرآن وعجز البشر عن معارضته، ويجعل عدم وقوع المعارضة مع شدَّة الدَّواعي إليها دليلًا على العجز. وينظر إلى الإعجاز من جهات متضافرة تشمل نظم الكلام وجزالة ألفاظه وتناسق معانيه وإخباره وحقائقه وآثاره، مع بقاء النَّظم محور هذا الكتاب. ثمَّ يربط البشارة بالجنَّة وما فيها من الأنهار والثِّمار والأزواج المطهَّرة بالآيات السابقة، ويبحث كيف ينتقل الخطاب من الإنذار إلى البشارة بما يلائم تربية الإنسان بين الخوف والرَّجاء.
ويعرض عند الأمثال القرآنيَّة لقضيَّة الحكمة من ضرب المثل بما قد يبدو صغيرًا كالبعوضة، فيفرِّق بين عظمة الصَّنعة وصغر مادَّتها، ويرى أنَّ دقَّة الإتقان قد تظهر في المخلوق الصَّغير كما تظهر في الكبير، فلا يكون صغر المثال منافيًا لبلاغة الكلام ولا لعظمة المتكلِّم. ثمَّ يصل ذلك بمسألة الهداية والضَّلال، ويناقش نسبة الإضلال إلى الله تعالى وما للإنسان من اختيار وكسب، جامعًا بين مقتضى التَّوحيد في الخلق ومسؤوليَّة الإنسان عن توجيه إرادته، ويجعل خروج الفاسق عن الطَّاعة ونقض العهد وقطع ما أمر الله تعالى به أن يوصل وإفساد الأرض وجوهًا يفسِّر بعضها بعضًا.
ويستدلُّ من {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} على الحشر من طريق مشاهدة الإحياء الأوَّل، ويتتبَّع ترتيب أطوار الإنسان وما تفيده «ثمَّ» من الانتقال بينها، ويربط البداية بالنِّهاية ليجعل الإحياء الأوَّل شاهدًا على إمكان الإحياء بعد الموت. ثمَّ ينظر في {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} إلى تسخير الموجودات للإنسان، ويجعل الإنسان من جهة استعداداته وحاجاته وثمرات الموجودات المتوجِّهة إليه نتيجةً مقصودةً في نظام الخلقة، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن استخلافه في الأرض.
ويفصِّل في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} وجوه اتصال الآية بما قبلها، فيربط تسخير ما في الأرض للإنسان بجعله خليفةً فيها، ويرى في ذكر الأرض والسَّماء تمهيدًا لذكر ساكنيهما من البشر والملائكة. ثمَّ يحلِّل الحوار كلمةً كلمةً؛ فيجعل سؤال الملائكة عن الإفساد وسفك الدِّماء استفسارًا عن الحكمة لا اعتراضًا، ويفرِّق بين «جاعل» و«خالق»، وبين «يفسد» و«يعصي»، وبين «يسفك» و«يقتل»، ويستخرج من كلِّ اختيار ما يراه مناسبًا للمقام. ويناقش في أثناء ذلك حقيقة الملائكة، ويستدلُّ على وجودهم بما يراه من انتظام مراتب الموجودات، وبما تواتر في الأديان من الإخبار عنهم، ويصفهم وفق ما قرَّره الشَّرع بأنَّهم عباد مكرمون وأجسام لطيفة نورانيَّة مختلفة الأنواع.
وينتهي التَّفسير عند قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} وما بعدها إلى {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، فيجعل تعليم آدم عليه السَّلام الأسماء معجزةً له ودليلًا على أهليَّة نوع الإنسان للخلافة، ويرى أنَّ استعداد الإنسان لتعلُّم حقائق الأشياء وأسمائها وخواصِّها، وتنوُّع حواسِّه ووجوه إدراكه، يكشف عن سرِّ ترجيحه في هذا المقام. ويقرأ في معجزات الأنبياء إشارات تشجِّع البشر على اكتشاف نظائر ممكنة من آثارها بالعلم والصِّناعة؛ فيربط تليين الحديد لداود عليه السَّلام بتقدُّم الصَّناعات، وتسخير الرِّيح لسليمان عليه السَّلام بوسائل الانتقال، وضرب موسى عليه السَّلام الحجر باستخراج المياه، وإبراء عيسى عليه السَّلام المرضى بتقدُّم الطِّب. ثمَّ يعود إلى نظم آيات تعليم الأسماء، فيجعل العلم محور الخلافة، وعرض الموجودات على الملائكة مظهرًا للتَّحدِّي، وإقرارهم {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} اعترافًا بحدود علمهم، قبل أن يظهر بما علَّمه الله تعالى آدم عليه السَّلام وجه الحكمة في استخلاف الإنسان الذي أجمله قوله سبحانه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














