
نبذة عن الكتاب:
يُحرِّر أبو شامة المقدسي في «المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز» جملةً من المسائل المتَّصلة بنزول القرآن وجمعه وقراءته ونقله، ويخصُّ بالعناية معنى نزوله على سبعة أحرف وعلاقة ذلك باختلاف القراءات، والفرق بين الأحرف السَّبعة والقراءات السَّبع المشهورة، والضَّابط الذي تُعرف به القراءة المقبولة من الشَّاذة والضَّعيفة. ويجعل مقصود الكتاب في 6 أبواب: كيفية نزول القرآن وتلاوته وحفَّاظه، وجمع الصَّحابة رضي الله عنهم له، ومعنى الأحرف السَّبعة، وحقيقة القراءات السَّبع، والفصل بين القراءة الصَّحيحة والشَّاذة، ثمَّ بيان حقِّ تلاوة القرآن والعمل به والتحذير من التَّعمُّق والغلوِّ في أداء ألفاظه.
ويبدأ بكيفية نزول القرآن، فيجمع بين قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}، فيقرِّر أنَّ ليلة القدر هي اللَّيلة المباركة وأنَّها من رمضان، ثمَّ يعرض الأقوال في كيفية الإنزال: أَنزل القرآن جملةً واحدة إلى السَّماء الدُّنيا ثمَّ نزل على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم مفرَّقًا بحسب الوقائع، أم كان ينزل إلى السَّماء الدُّنيا في كلِّ ليلة قدر مقدار ما ينزل في العام، أم المراد ابتداء نزوله في ليلة القدر. ويناقش هذه الأقوال والآثار الواردة فيها، ويرجِّح ما صحَّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من نزوله جملةً إلى السَّماء الدُّنيا ثمَّ تنجيمه على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويبحث الحكمة في الجمع بين الإنزال جملةً والإنزال مفرَّقًا، فيجعل في الأوَّل تفخيمًا لشأن القرآن والنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والأمَّة التي أُنزل إليها، وفي الثَّاني تثبيتًا لفؤاد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وتجديدًا للوحي بحسب الحوادث والأسئلة والنَّوازل، وتيسيرًا لحفظ القرآن وتلقِّيه، مع اشتماله على النَّاسخ والمنسوخ وما يرتبط بالوقائع المتجدِّدة. ويتناول عرض جبريل عليه السَّلام القرآن على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في رمضان، والعرضة الأخيرة التي وقعت في العام الذي توفِّي فيه، ثمَّ يورد الأخبار المتعلِّقة بحفَّاظ القرآن وكتَّاب الوحي وكيفية تلقِّيه وحفظه في حياة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويُفصِّل بعد ذلك جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فيورد خبر استشهاد عدد من القرَّاء في اليمامة وخشية عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ذهاب شيء من القرآن بموت حملته، ومراجعته أبا بكر رضي الله عنه حتى شرح الله تعالى صدره للجمع، ثمَّ تكليف زيد بن ثابت رضي الله عنه بتتبُّع القرآن وجمعه. ويبيِّن أنَّ الاعتماد لم يكن على الحفظ وحده مع كثرة الحفَّاظ، بل كان المقصود جمع ما كُتب بين يدي النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والتحقُّق منه، ولذلك تتبَّع زيد المكتوب في الرِّقاع والعُسُب وغيرها مع ما ثبت في الصُّدور، فاجتمع بذلك المكتوب والمحفوظ في توثيق النَّصِّ.
ويفرِّق بين هذا الجمع وبين عمل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه؛ فجمع أبي بكر رضي الله عنه نشأ عن الخوف من ذهاب شيء من القرآن بموت القرَّاء، أمَّا جمع عثمان رضي الله عنه فنشأ عن اختلاف المسلمين في وجوه القراءة حتى خيف أن يفضي اختلافهم إلى التَّنازع والتَّخطئة. فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة رضي الله عنها في الصُّحف، وكلَّف زيد بن ثابت ومعه نفر من قريش بنسخ المصاحف، وأمرهم عند الاختلاف أن يكتبوه بلسان قريش، ثمَّ أرسل المصاحف إلى الأمصار وأمر بإزالة ما يخالفها. ويناقش أبو شامة الأخبار المتعلِّقة بهذا الجمع، وما وقع في اختيار الكتبة والشُّهود واستحضار المكتوب، وما تدلُّ عليه من شدَّة الاحتياط في نقل القرآن.
ويتتبَّع ما يتَّصل بتأليف القرآن وترتيبه في المصحف، ويبحث مقدار ما احتوته المصاحف العثمانية من وجوه القراءة التي كانت مأذونًا بها قبل ذلك. ويقرِّر أنَّ خطَّ المصحف أخرج ما لا يحتمله من ألفاظ الزِّيادة والنُّقصان والإبدال والتَّقديم والتَّأخير التي وردت بها آثار في القراءة، وأنَّ ما بقي مقروءًا به هو ما أمكن حمل رسم المصحف عليه وثبت نقله. ويصل بذلك تاريخ الجمع بمبحث الأحرف السَّبعة؛ لأنَّ معرفة ما أُبيح في زمن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وما استقرَّ عليه أمر الأمَّة بعد جمع عثمان رضي الله عنه، أساس لفهم نشأة القراءات وحدود الاختلاف المقبول فيها.
ويجعل حديث «أُنزل القرآن على سبعة أحرف» عمدة الكتاب، فيجمع طرقه ورواياته، ومنها اختلاف عمر بن الخطَّاب وهشام بن حكيم رضي الله عنهما في قراءة سُورة الفرقان، واختلاف أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه مع غيره، وما ورد من طلب النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم التَّخفيف على أمَّته حتى أُذن لها في القراءة على سبعة أحرف. ويربط هذه الرُّخصة بحال الأمَّة التي نزل فيها القرآن، وما كان بين قبائل العرب من اختلاف في اللُّغات والأداء، وما يشقُّ معه إلزام الجميع منذ البداية بوجه واحد في النُّطق والقراءة.
ويعرض الأقوال الكثيرة في تفسير الأحرف السَّبعة ويناقشها، فلا يجعل كلَّ ما قيل فيها متساويًا، بل يختبره بالأحاديث وبما نُقل من اختلاف الصَّحابة رضي الله عنهم. ويميل إلى أنَّ الرُّخصة شملت وجوهًا من اختلاف الألفاظ التي تؤدِّي المعنى أو تقاربه، فضلًا عن اختلاف اللُّغات والأداء، ما دام ذلك مأذونًا فيه ولا يؤدِّي إلى تضادِّ المعاني، ويستشهد بما نُقل من قراءة بعض الألفاظ بمرادفاتها أو بما يقاربها. ويؤكِّد أنَّ اختلاف القراءات المأذون بها اختلاف تنوُّع وتغاير لا اختلاف تناقض، وأنَّ الرُّخصة كانت تيسيرًا على قوم لم يعتادوا حفظ الكتب بألفاظها على النَّحو الذي استقرَّ بعد انتشار القرآن وكثرة حفَّاظه.
ويمتدُّ بحثه إلى سؤال مركزي: هل اشتمل المصحف العثماني على الأحرف السَّبعة جميعًا أم اقتصر على حرف منها؟ فيعرض الأقوال والأدلَّة، ويربط المسألة بما يحتمله رسم المصحف وبما انتهت إليه الحاجة إلى توحيد المسلمين على المصاحف التي أجمع عليها الصَّحابة رضي الله عنهم. ويقرِّر أنَّ الرَّسم نفى كثيرًا من الوجوه التي كانت تقوم على زيادة كلمة أو نقصها أو إبدالها أو تقديمها وتأخيرها، بعد أن انتهت الحاجة التي من أجلها وُسِّعت القراءة أوَّلًا، وبقيت الوجوه التي احتملها المصحف وثبتت قراءتها ونقلها.
وينتقل إلى القراءات السَّبع المشهورة فينبِّه إلى الخطأ في مساواتها بالأحرف السَّبعة الواردة في الحديث؛ فالقراءات السَّبع اصطلاح اشتهر في زمن متأخِّر، وليست هي الأحرف السَّبعة التي نزل بها القرآن. ويتتبَّع نشأة الاختيار في القراءة؛ إذ كان في الأمصار قرَّاء كثيرون، واختار أهل كلِّ بلد من القراءات المنقولة ما ثبت عندهم واشتهر على ألسنة أئمَّتهم، ثمَّ تصدَّى العلماء لجمع هذه الاختيارات وتمييز طرقها ورواياتها حتى اشتهر أئمَّة بعينهم وصارت قراءاتهم مرجعًا لأهل هذا الفنِّ.
ويشرح سبب اشتهار العدد 7، ويتناول صنيع ابن مجاهد في اختيار القرَّاء السَّبعة، ويبيِّن أنَّ غرضه كان جمع أئمَّة من الأمصار التي وُجِّهت إليها المصاحف، وأنَّه لم يجد في البحرين واليمن من اشتهر في هذا الباب على النَّحو الذي وجده في غيرهما، فعوَّض عنهما بأكثر من قارئ من الكوفة لكثرة القرَّاء بها. ويناقش ما يتعلَّق بقراءة ابن عامر وأسانيدها، ويؤكِّد أنَّ شهرة هؤلاء السَّبعة لا تعني أنَّ كلَّ قراءة صحيحة محصورة فيهم من حيث الأصل، ولا أنَّ كلَّ ما نُسب إلى واحد منهم يُقبل لمجرَّد النِّسبة إليه من غير نظر في طريق نقله ووجهه.
ويضع للفصل بين القراءة الصَّحيحة والشَّاذة أصولًا تقوم على صحَّة النَّقل، وموافقة رسم المصحف، وعدم إنكارها من جهة العربيَّة، فيقرِّر أنَّ القراءة إذا اشتهرت مع صحَّة إسنادها ووافقت خطَّ المصحف ولم تُنكر من جهة اللُّغة فهي ممَّا يعتمد عليه، أمَّا ما اختلَّ فيه ذلك فيدخل في الشَّاذ والضَّعيف، مع تفاوت مراتب الشُّذوذ والضَّعف. ويبحث في هذا السِّياق قراءات استنكرها بعض النُّحاة مع ثبوتها عند أئمَّة القراءة، ويرفض أن يُجعل القياس النَّحوي وحده حاكمًا على القراءة الثَّابتة، لأنَّ القراءة سنَّة منقولة والعربيَّة تُعرف من استعمال العرب ولا تُحصر في اختيار نحويٍّ بعينه.
ويناقش القراءة بما خالف المصحف العثماني وإن صحَّت روايته عن بعض الصَّحابة أو التَّابعين، ويميِّز بين الاستفادة من تلك المرويَّات في التَّفسير واللُّغة وبين إثباتها قرآنًا يُقرأ به. ويتناول ما وقع لابن شنبوذ حين قرأ بوجوه تخالف المصحف، وما ترتَّب على ذلك من إنكار العلماء عليه، كما يعرض أحكام تركيب القراءات وخلط بعضها ببعض، ويفرِّق بين ما يفضي إلى إنشاء وجه لا أصل له في النَّقل وبين الانتقال بين قراءات صحيحة على وجه لا يفسد الرِّواية. ويكره ترديد الآية نفسها بجميع القراءات على النَّحو الذي شاع عند بعض أهل زمانه لما يراه فيه من الابتداع في هيئة التِّلاوة وإخراج القراءة عن مقصدها.
ويحوِّل الباب الأخير وجهة البحث من ضبط ألفاظ القرآن وطرق نقلها إلى الغاية من تلاوته، فيحثُّ على العلم النَّافع والتَّدبُّر والعمل، ويورد آثارًا عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابة رضي الله عنهم والسَّلف في البكاء والخشوع وترديد الآية والتَّفكُّر فيها. ويذكر قيام النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بآية واحدة يردِّدها، وما نُقل عن تميم الدَّاري وابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وسعيد بن جبير وغيرهم من الوقوف طويلًا عند الآيات، ويقابل ذلك بالإسراع الذي يجعل همَّ القارئ بلوغ آخر السُّورة دون تدبُّر. ويستشهد بقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّ قراءة البقرة في ليلة بتدبُّر وترتيل أحبُّ إليه من القراءة السَّريعة، وبما ورد في تفسير التَّرتيل بالتَّرسُّل والتَّبيين.
ويبحث تحسين الصَّوت بالقرآن، فيحمله على القراءة التي يظهر فيها الخشوع والحزن والتَّخويف والتَّشويق، لا على الألحان المطربة التي تُخرج التِّلاوة إلى هيئة الغناء. ويعرض آثارًا في صفة حامل القرآن، فيجعله معروفًا بالعمل والورع والتَّواضع والخشية، لا بمجرَّد إحكام الحروف، وينقل ذمَّ من يقيم حروف القرآن ويضيِّع حدوده أو يتَّخذه وسيلةً إلى الدُّنيا. ويبرز عنده أنَّ حقيقة التِّلاوة لا تنفصل عن الاتِّباع؛ فالمقصود أن يتدبَّر القارئ الآيات ويعمل بأحكامها ويتَّعظ بوعدها ووعيدها، لا أن تكون عنايته محصورةً في سرعة الختم أو إظهار مهارته في الأداء.
ويشدِّد في آخر الكتاب على التَّوازن في تجويد القراءة، فيرفض الجفاء عن إحكام الحروف كما يرفض الغلوَّ فيها. وينقل تحديد أبي عمرو الدَّاني للتَّحقيق بأن يُوفَّى الحرف حقَّه من المدِّ والهمز والتَّشديد والإدغام والحركة والسُّكون والإمالة والفتح من غير تجاوز ولا تعسُّف ولا إفراط ولا تكلُّف، ويستنكر الإفراط في التَّمطيط وتفكيك الحروف وإشباع الحركات على وجه مستبشع. ويورد عن حمزة أنَّ للتحقيق غايةً إذا جاوزها القارئ انقلب الحسن قبحًا، كما أنَّ زيادة البياض على حدِّه تصير برصًا، ثمَّ يختم بأبيات شيخه علم الدِّين السَّخاوي التي تجعل للحرف ميزانًا، وتنهى عن المدِّ المفرط والتَّشدُّق في الهمز والتَّكلُّف في الأداء، وتدعو إلى أداء الحروف برفق وإحسان من غير طغيان في ميزان القراءة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














