
نبذة عن الكتاب:
يُؤصِّل تقي الدِّين ابن تيميَّة في هذه المقدمة القواعد الكُلِّيَّة التي تُعين على فهم القرآن الكريم ومعرفة معانيه، وتمييز صحيح التفسير من سقيمه، والنَّظر في المنقول والمعقول منه على أساس الدَّليل. وقد صرَّح في فاتحة المقدِّمة بأنَّ مقصوده بيان ما يُفرِّق بين الحقِّ وأنواع الأباطيل في كتب التفسير؛ لما اشتملت عليه من الصحيح والضعيف، وجعل مدار العلم على نقل مصدَّق أو قول يقوم عليه دليل معلوم.
ويبدأ ببيان عناية الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين بمعاني القرآن، مقرِّرًا أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بيَّن لأصحابه معانيه كما بيَّن لهم ألفاظه، وأنَّ تعلُّمهم للقرآن كان مقترنًا بالعلم والعمل؛ فكانوا يتعلَّمون الآيات وما فيها من المعاني والأحكام قبل تجاوزها إلى غيرها. ويستدلُّ بذلك على أنَّ المقصود من الكلام فهم معانيه لا مجرَّد ألفاظه، وأنَّ القرآن أولى بذلك، ثمَّ يبيِّن أنَّ التَّابعين تلقَّوا التفسير عن الصَّحابة كما تلقَّوا عنهم السُّنَّة، مع ما يقع لهم من الاستنباط والاستدلال.
ويُفصِّل طبيعة الاختلاف المنقول عن السَّلف في التفسير، فيقرِّر أنَّ أكثره اختلاف تنوُّع لا اختلاف تضادٍّ. ويجعل لذلك صورتين بارزتين: أن يعبِّر المفسِّرون عن المسمَّى الواحد بأسماء أو أوصاف مختلفة يشير كلٌّ منها إلى جانب من معناه، كما في تفسير الصِّراط المستقيم بالقرآن أو الإسلام أو السُّنَّة والجماعة أو طاعة الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وأن يذكر كلُّ مفسِّر فردًا أو نوعًا داخلًا تحت الاسم العام على سبيل التمثيل لا على سبيل حصر معنى الآية فيه. ومن هنا يردُّ كثيرًا من الأقوال المتعدِّدة في ظاهرها إلى معنى جامع يرفع توهُّم التَّعارض بينها.
ويصل هذا الأصل بعبارات السَّلف في أسباب النُّزول، فيبيِّن أنَّ قولهم: «نزلت هذه الآية في كذا» لا يلزم منه قصر حكمها على الشَّخص أو الواقعة المذكورة، فقد يراد به سبب النُّزول نفسه، وقد يراد أنَّ الواقعة داخلة في عموم الآية وإن لم تكن سببًا لنزولها. ويقرِّر أنَّ الآية الواردة بسبب معيَّن تتناول ذلك الشَّخص وغيره ممَّن كان بمنزلته، وأنَّ معرفة سبب النُّزول تعين على فهم الآية، كما يوضِّح أنَّ تعدُّد ما يروى في سبب آية واحدة قد يمكن الجمع بينه، فلا يكون كلُّ اختلاف في الروايات تعارضًا حقيقيًّا.
ويُدقِّق في دلالات ألفاظ القرآن، فينبِّه إلى أنَّ اختلاف عبارات المفسِّرين قد ينشأ من تقارب الألفاظ لا ترادفها التَّام، وأنَّ التَّرادف في ألفاظ القرآن نادر أو معدوم عنده؛ إذ قد يقرِّب المفسِّر المعنى بلفظ لا يستوعب جميع ما في اللَّفظ القرآني من الدَّلالة. فيفرِّق مثلًا بين تفسير «المور» بمطلق الحركة وبين ما في اللَّفظ من معنى الحركة الخفيفة السَّريعة، وبين «الوحي» ومطلق الإعلام، وبين «الرَّيب» ومطلق الشَّك، ويشرح التَّضمين في الاستعمال العربي، رافضًا حمل بعض الحروف على أنَّها تقوم مقام بعض حيث يكون الفعل قد تضمَّن معنى فعل آخر فتعدَّى تعديته.
ويقسِّم الاختلاف في التفسير من جهة مستنده إلى ما يعتمد على النَّقل وما يُعرف بطريق الاستدلال. ففي المنقول يفرِّق بين ما يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه وما لا سبيل إلى الجزم بصحَّته، ويرى أنَّ كثيرًا من الأخبار التي لا دليل عليها ولا ثمرة دينيَّة في معرفتها من فضول الكلام؛ كالبحث عن لون كلب أصحاب الكهف، أو نوع خشب سفينة نوح عليه السَّلام، أو اسم الغلام الذي قتله الخضر. ويضع الأخبار المأخوذة عن أهل الكتاب في موضعها، فلا تُصدَّق ولا تُكذَّب بغير حجَّة، ويفرِّق بين ما نُقل عن الصَّحابة رضي الله عنهم وما نُقل عن التَّابعين من جهة قوَّة الاحتمال ومظنَّة الاتِّصال بالعلم النَّبوي.
ويبحث طرائق تقوية الأخبار وتمييز صحيحها، فيشرح أثر تعدُّد الطُّرق المستقلَّة في إثبات أصل الخبر، ويبيِّن أنَّ توافق روايات متعدِّدة في تفاصيل واقعة مع انتفاء التَّواطؤ قد يدلُّ على ثبوتها في الجملة، وإن لم يكن كلُّ طريق بمفرده كافيًا. ويصل ذلك بطريقة المحدِّثين في الشَّواهد والاعتبار والاستفادة من رواية من لا يُحتجُّ به منفردًا، كما يبيِّن أنَّ الثِّقة قد يخطئ في حديث بعينه، وأنَّ معرفة ذلك من وظيفة علم علل الحديث. وينتقد طرفين: من لا يميِّز بين صحيح الحديث وضعيفه فيردُّ ما ثبت عند أهله، ومن يصحِّح كلَّ خبر ظاهر إسناده السَّلامة من غير اعتبار لنقد المحدِّثين وعلل الأخبار.
وينبِّه في هذا السِّياق إلى كثرة الموضوعات التي دخلت بعض كتب التفسير، ويذكر من أمثلتها الأحاديث المرويَّة في فضائل سُور القرآن سُورةً سُورةً، ويوازن بين عدد من المصنَّفات والمفسِّرين من جهة نقل الأخبار، فيذكر أنَّ الثَّعلبي كان ينقل ما يجده من صحيح وضعيف وموضوع، وأنَّ البغوي اختصر تفسيره وصانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة. ولا يجعل وجود الإسناد أو شهرة الكتاب كافيين لقبول المنقول، بل يردُّ ذلك إلى قواعد النَّقد ومعرفة أهل الحديث.
وينتقل إلى الخطأ الناشئ من طرائق الاستدلال، فيجعل من أبرز أسبابه أن يعتقد المفسِّر معنى أو مذهبًا سابقًا ثمَّ يحمل ألفاظ القرآن عليه، أو أن ينظر إلى مجرَّد ما يحتمله اللَّفظ في العربيَّة من غير مراعاة المتكلِّم بالقرآن والمنزَّل عليه وسياق الخطاب. فالأوَّل قد يسلب اللَّفظ ما دلَّ عليه أو يحمِّله ما لم يدلَّ عليه، والثَّاني قد يثبت احتمالًا لغويًّا لا يوافق المراد من الآية. ويطبِّق ذلك على ما دخل التفسير من مذاهب كلاميَّة وبدعيَّة، فيناقش تأويلات المعتزلة والرَّافضة والجهميَّة وغيرهم، ويبيِّن كيف يسبق المذهب عند بعض المفسِّرين تفسير النَّص فيُصرف القرآن إلى تقريره.
ويفرِّق كذلك بين فساد المعنى وفساد الاستدلال عليه؛ فقد يكون المفسِّر مخطئًا في المعنى الذي أراد إثباته وفي دلالة الآية عليه معًا، وقد يكون المعنى في نفسه صحيحًا لكنَّ الآية لا تدلُّ عليه. ويجعل من الصُّورة الثَّانية بعض ما يورده الصُّوفيَّة والوعَّاظ والفقهاء من معانٍ صحيحة في ذاتها تُنسب إلى الآيات من غير دلالة قرآنيَّة عليها، فيكون الخلل في جعل الآية دليلًا على ذلك المعنى، لا بالضَّرورة في المعنى نفسه.
ويضع بعد ذلك ترتيبًا لأصحِّ طرق التفسير، فيجعل أوَّلها تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنَّ ما أُجمل في موضع قد يُفسَّر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان قد يُبسط في غيره. فإن لم يوجد البيان فيه طُلب في سُنَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّها شارحة للقرآن ومبيِّنة له. فإذا لم يوجد التفسير في القرآن ولا في السُّنَّة رُجع إلى أقوال الصَّحابة رضي الله عنهم؛ لما شاهدوه من أسباب النُّزول وأحوال التَّنزيل، ولما امتازوا به من العلم والفهم والعمل، ويخصُّ بالذِّكر علماءهم، ومنهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم.
ويعالج في أثناء الحديث عن تفسير الصَّحابة رضي الله عنهم ما نُقل من أخبار بني إسرائيل، فيقسِّم الإسرائيليَّات إلى ثلاثة أقسام: ما شهد الدَّليل عند المسلمين بصدقه فيُقبل، وما شهد بكذبه فيُردُّ، وما سكت عنه فلا يُصدَّق ولا يُكذَّب وتجوز حكايته. ويبيِّن أنَّ غالب التَّفاصيل من هذا القسم الأخير لا تعود بفائدة دينيَّة؛ كتعيين أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم ونوع عصا موسى عليه السَّلام والشَّجرة التي كلَّمه الله تعالى منها. ومن هنا يضع منهجًا لحكاية الخلاف: استيعاب الأقوال ذات الاعتبار، وبيان الصَّحيح وإبطال الباطل، وذكر ثمرة الخلاف، واجتناب إطالة النِّزاع فيما لا فائدة فيه.
ويجعل أقوال التَّابعين مرتبةً تاليةً إذا لم يوجد التفسير في القرآن ولا السُّنَّة ولا عن الصَّحابة، ويخصُّ مجاهد بن جبر بمزيد عناية لتلقِّيه التفسير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ويذكر معه سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن البصري ومسروقًا وسعيد بن المسيَّب وأبا العالية وقتادة وغيرهم. ويؤكِّد مجدَّدًا أنَّ اختلاف ألفاظهم لا يعني دائمًا اختلاف معانيهم؛ فقد يعبِّر أحدهم عن الشَّيء بعينه، ويعبِّر الآخر بلازمه أو نظيره. أمَّا إذا اختلف التَّابعون اختلافًا حقيقيًّا فلا يكون قول بعضهم حجَّةً على بعض، ويُرجع حينئذ إلى لغة القرآن والسُّنَّة وعموم لغة العرب وأقوال الصَّحابة.
ويمنع تفسير القرآن بمجرَّد الرَّأي بغير علم، ويفرِّق بين ذلك وبين التفسير المبني على معرفة اللُّغة والشَّرع وأصول البيان. ويسوق آثارًا عن أبي بكر وعمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم وجماعة من السَّلف في التَّحرُّج من القول في القرآن فيما لا يعلمون، ويبيِّن أنَّ امتناعهم لم يكن امتناعًا عن التفسير مطلقًا، بل عن الكلام بغير علم؛ إذ نُقلت عنهم تفاسير كثيرة فيما علموه. فكما يجب السُّكوت عمَّا يُجهل، يجب بيان ما يُعلم عند الحاجة، وينقل في ختام هذا البحث تقسيم ابن عبَّاس رضي الله عنهما التفسير إلى ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يُعذر أحد بجهالته، وما يعلمه العلماء، وما لا يعلمه إلا الله تعالى.
وتُلحق بالمقدِّمة في النَّص المطبوع مسألة سُئل فيها ابن تيميَّة عن أقرب التفاسير إلى الكتاب والسُّنَّة، فيقدِّم «تفسير محمد بن جرير الطَّبري» لما يورده من مقالات السَّلف بالأسانيد، ثمَّ يوازن بين البغوي والثَّعلبي والواحدي والزَّمخشري والقرطبي وابن عطيَّة وغيرهم. ويذكر أنَّ البغوي أسلم من البدع والأحاديث الضَّعيفة من التفاسير الثلاثة التي وقع عنها السُّؤال، وينتقد ما في «الكشَّاف» من حمل التفسير على أصول المعتزلة، ويرى «تفسير ابن عطيَّة» أصحَّ نقلًا وبحثًا وأبعد عن البدع من «الكشَّاف»، مع تقديم تفسير الطَّبري على هذه التفاسير.
وتنتهي المادَّة بمسألة جمع القراءات السَّبع، فيفرِّق ابن تيميَّة بين معرفة القراءات وحفظها وبين جمعها في أداء واحد؛ فمعرفة القراءة المنقولة وحفظها سُنَّة متَّبعة يأخذها الآخر عن الأوَّل، وللحافظ العارف بالقراءات مزيَّة علميَّة على من لا يعرف إلا قراءةً واحدة، أمَّا جمع القراءات في الصَّلاة أو التِّلاوة فيحكم عليه بأنَّه بدعة مكروهة، ويفرِّق عن ذلك جمعها لأجل الحفظ والدَّرس، فيجعله من الاجتهاد الذي سلكه طوائف من أهل القراءة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














