
نبذة عن الكتاب:
يتناول فاضل صالح السامرائي في «أسرار البيان في التعبير القرآني» جملةً من أسرار اختيار الألفاظ والتَّراكيب في القرآن الكريم، في مادَّة أصلها محاضرة ألقاها ضمن فعاليات جائزة دبي الدَّوليَّة للقرآن الكريم، ثمَّ فُرِّغت وجُمعت بهذا العنوان، ولذلك تجري مباحثها في صورة عرض تطبيقي تتخلَّله الأسئلة والأجوبة، لا في صورة كتاب صنَّفه المؤلِّف ابتداءً على أبواب مرتَّبة. وينطلق السامرائي من أصل تتفرَّع عنه المسائل التي يناقشها، وهو أنَّ التعبير القرآني تعبير بياني مقصود، وأنَّ كلَّ كلمة وحرف فيه موضوع في مكانه بقصد، ومن ثمَّ يبحث عن سبب اختيار صيغة دون أخرى، أو ذكر لفظ في موضع وحذفه في آخر، أو تقديم كلمة وتأخيرها، أو تذكير الفعل وتأنيثه، مع أنَّ الوجهين قد يكونان جائزين من جهة النَّحو.
ويبدأ بالذِّكر والحذف، فيبيِّن أنَّ إمكان تقدير المحذوف نحويًّا لا يعني استواء الذِّكر والحذف في الدَّلالة. ويقارن بين قوله تعالى في سُورة لقمان: {وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} وقوله في سُورة البقرة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}، فيربط حذف «فيه» في الأول باتِّساع أثر الجزاء وعدم انحصاره في ذلك اليوم، وذكرها في الثاني بتعلُّق الرُّجوع بذلك اليوم. وينظر بالطَّريقة نفسها في حذف حرف النَّفي من {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ}، فيربط الحذف بضعف التَّوكيد قياسًا إلى المواضع التي يُذكر فيها حرف النَّفي، لأنَّ إخوة يوسف لم يكونوا على يقين من استمرار أبيهم في ذكر يوسف عليه السَّلام حتى يهلك.
ويمتدُّ البحث إلى إثبات الحروف وحذفها داخل التَّراكيب؛ فيوازن بين ذكر لام التَّعليل وحذفها في قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} ثمَّ {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}، ويربط ذكر اللَّام بما يتَّسع لجميع الأفراد وحذفها بما لا يتحقَّق في الجميع على السَّواء. كما يقارن بين {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} و{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ}، ويجعل زيادة الباء متناسبةً مع زيادة التَّوكيد والتَّفصيل في السِّياق.
ويتتبَّع حذف بعض حروف الأفعال في صيغ من نحو «تتنزَّل» و«تنزَّل»، و«تتوفَّاهم» و«توفَّاهم»، و«تتبدَّلوا» و«تبدَّل»، ويضع لذلك ضابطين يطبِّقهما على شواهده: أن يكون الحذف دالًّا على اقتطاع شيء من الحدث، أو أن تأتي الصِّيغة المحذوفة في مقام الإيجاز والكاملة في مقام التَّفصيل. فيقارن بين {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} في سُورة فصِّلت و{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} في سُورة القَدْر، ويربط اكتمال الفعل في الأولى باستمرار تنزُّل الملائكة على المستقيمين عند الموت، في حين يقع تنزُّل ليلة القَدْر في ليلة مخصوصة من العام. ويقارن كذلك بين {تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} و{تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} بحسب اتِّساع الفئة التي يتناولها السِّياق.
ويصل اختلاف المبنى باختلاف امتداد الحكم في مقابلته بين {وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} و{وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}؛ فالأول حكم متعلِّق بالنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، والثَّاني خطاب عام للمسلمين، فجاءت الصِّيغة الأطول مع الحكم الأوسع. ويطبِّق المعنى نفسه على {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} و{وَلَا تَفَرَّقُوا}، رابطًا اكتمال الصِّيغة في الموضع الأول بوصيَّة ممتدَّة وردت في سياق ما شُرع للأنبياء عليهم السَّلام، وقصر الصِّيغة في الموضع الآخر بخطاب الأمَّة المحمَّديَّة.
ويبحث درجات التَّوكيد في التَّعبير، فيقارن بين {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} و{فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}، ثمَّ بين {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} و{وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، ويربط زيادة أدوات التَّوكيد باتِّساع الفرض الذي يتناوله الكلام وقوَّة المعنى المراد تقريره. كما يلتفت إلى اختيار الاسم الموصول في قوله تعالى: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} في مقابل «ما» مع ما وصَّى الله تعالى به الأنبياء السابقين، فيجعل «الذي» أخصَّ وأعرف لمناسبة معرفة المسلمين بشريعتهم على وجه أكثر تفصيلًا.
وينظر في اختيار الماضي والمضارع من جهة ما يضيفه كلٌّ منهما إلى تصوير الحدث؛ فيقابل بين {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} و{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا}، ويربط المضارع في الثَّاني بإمكان تجدُّد الفعل وتكراره. كما يقارن بين {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} و{وَمَنْ كَفَرَ}، فيجعل المضارع ملائمًا لتجدُّد الشُّكر مع تجدُّد النِّعم، ويعرض نظائر أخرى لاختلاف الصِّيغة بحسب وقوع الفعل مرَّة أو إمكان تكراره.
ويكشف اختيار المفردة عنده عن معانٍ لا تؤدِّيها كلمة أخرى على الوجه نفسه؛ فيقف عند {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ}، ويعرض ما تحمله مادَّة «فتأ» من معاني النِّسيان والسُّكون وإطفاء النَّار، رابطًا ذلك بعدم نسيان يعقوب عليه السَّلام ليوسف وعدم سكون لوعة الفراق في نفسه. ويجيب في الأسئلة الملحقة بالعرض عن اختيار {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} بدل التعبير بالافتراس، فيربط الافتراس بتمزيق الفريسة وما كان سيترتَّب عليه من تمزيق القميص، في حين جاء إخوة يوسف بقميصه محفوظًا وعليه دم كذب.
ويُفصِّل في التَّذكير والتَّأنيث حين يكون الوجهان جائزين في العربيَّة، فلا يجعل الجواز النَّحوي نهاية البحث، بل يسأل عن سبب اختيار أحدهما في الموضع المعين. ويبحث ذلك في «الضَّلالة» و«العاقبة» و«الشَّفاعة» و«البيِّنات» و«الآية» و«الأسوة» و«الملائكة»، ويستعين بالحمل على المعنى، والكثرة والقلَّة، وطول الفاصل، وطبيعة الدَّلالة، وشدَّة الحدث. فيفرِّق مثلًا بين «البيِّنات» حين يراد بها ما يتَّصل بالنُّبوَّات والآيات، وحين يراد بها الأمر والنَّهي وأحكام الدِّين، ويربط اختلاف المعنى باختلاف تذكير الفعل وتأنيثه في الشَّواهد التي يجمعها.
ويتوسَّع في استعمال الفعل مع «الملائكة»، فيستقرئ عددًا من المواضع التي يأتي فيها التَّذكير أو التَّأنيث، ويضع لها خطوطًا تعبيريَّة؛ فيذكر أنَّ أفعال الأمر الموجَّهة إلى الملائكة تأتي بصيغة التَّذكير، وكذلك الأفعال الواقعة بعد ذكرهم والأوصاف الاسميَّة وأفعال العبادة في الشَّواهد التي يعرضها، ويربط بعض مواضع التَّذكير بالشِّدَّة والقوَّة، في مقابل مواضع يأتي فيها التَّأنيث. كما يلفت إلى مجيء البشارة في الأمثلة التي يستقرئها بصيغة التَّأنيث.
ويجعل التَّقديم والتَّأخير مجالًا واسعًا للكشف عن مناسبة ترتيب الكلمات للمعنى، ويفرِّق بين تقديم اللفظ على عامله وبين تقديم بعض الألفاظ على بعض. ففي قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يجعل تقديم المفعول دالًّا على الاختصاص، لأنَّ العبادة والاستعانة مختصَّتان بالله تعالى، ويقابله بعدم تقديم مفعول الهداية في {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، إذ لا يقتضي الدُّعاء بالهداية أن يطلب الإنسان اختصاصه بها دون غيره. ويطبِّق دلالة الاختصاص على تقديم الجار والمجرور في التَّوكُّل والإنابة والرُّجوع وعلم الغيب والسَّاعة، مع تنبيهه إلى أنَّ التَّقديم قد يأتي لأغراض أخرى كالمدح والتَّعظيم والاهتمام.
ويرفض الاكتفاء بتعليل التَّقديم بأنَّه «للعناية والاهتمام» من غير بيان سبب هذه العناية؛ لأنَّ المطلوب عنده تفسير اختلاف ترتيب الألفاظ بحسب اختلاف المقام. ولهذا يتتبَّع المواضع التي تقدَّم فيها السَّماء على الأرض ثمَّ المواضع التي تقدَّم فيها الأرض، وما يقدَّم فيه الإنس على الجنِّ أو الجنُّ على الإنس، والضَّر على النَّفع أو النَّفع على الضَّر، ويؤكِّد ضرورة بيان ما في كلِّ سياق ممَّا جعل لفظًا أحقَّ بالتَّقديم من غيره، لا الاكتفاء بتسمية الغرض البلاغي تسميةً عامَّة.
ويطبِّق مراعاة المقام على اختلاف عرض القصص القرآني، فينظر إلى القصَّة الواحدة بوصفها ذات جوانب متعدِّدة يختار كلُّ سياق منها ما يناسب غرضه. ويقارن في قصَّة إبراهيم عليه السَّلام وضيوفه بين المواضع التي تُذكر فيها تفاصيل الإكرام والضِّيافة والمواضع التي لا تُذكر فيها، ويربط ذلك بالغرض الذي يتَّجه إليه السِّياق. فلا يكون حذف تفصيل أو ذكره نقصًا أو تكرارًا، بل اختيارًا للجانب الذي ينسجم مع المقام الذي وردت فيه القصَّة.
ويشرح «التوسُّع في المعنى» بوصفه اختيار تعبير يحتمل جملة من الدَّلالات المرادة من غير قرينة تقصره على واحدة منها؛ فإذا أريد معنًى بعينه جاءت القرينة لتحدِّده، أمَّا إذا صحَّ اجتماع المعاني فقد يُترك التَّعبير محتملًا لها. ويبحث هذا التوسُّع في الألفاظ المشتركة والصِّيغ المشتركة والتَّراكيب التي تحتمل أكثر من وجه، وفي الإخبار بالعام عن الخاص، والعطف على مقدَّر، واختلاف العلاقات الإعرابيَّة بين أجزاء التَّركيب.
ويطبِّق ذلك على قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ}، فيعرض ما تحتمله «نَهَر» من دلالات ترتبط بمجرى الماء والسَّعة والضِّياء، ويرى أنَّ عدم وجود قرينة تحصرها في معنًى واحد يسمح باجتماع هذه الدَّلالات. وينظر كذلك في {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} وما يتَّصل بمادَّة الحُكم والحِكمة، منتقلًا من تعدُّد دلالة المفردة إلى الصِّيغة والتَّركيب حين يسمح البناء بأكثر من وجه من غير تناقض بينها.
ويتناول العدول عن الضَّمير إلى الاسم الظَّاهر حين يؤدِّي إلى توسيع الحكم؛ فقد يبدأ الكلام بأشخاص أو طائفة معيَّنة ثمَّ يُعبَّر عنهم بوصف عام مثل «الكافرين» أو «القوم الفاسقين»، فيدخل المذكورون في الحكم ولا يبقى مقصورًا عليهم. كما يناقش العطف الذي يدلُّ على معنى مقدَّر، مثل {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} و{وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}، فيرى أنَّ الواو تشعر بأنَّ الغرض المذكور ليس الغرض الوحيد، وأنَّ في المقام أغراضًا أخرى لم يقتض السِّياق التَّصريح بها.
ويبحث اختلاف الإعراب بين المعطوف والمعطوف عليه في قوله تعالى: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}، وما يجتمع في التَّركيب من معنى السَّببيَّة والشَّرط، ويربط تقديم الصَّدقة بسياق سُورة المنافقون. ويعرض كذلك رفع {وَرَسُولُهُ} في آية البراءة، ورفع {وَالصَّابِئُونَ}، والنَّصب في {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ}، مستخرجًا من العدول الإعرابي ما يراه من عناية أو توكيد أو تخصيص للمعنى.
ويصل التوسُّع إلى التَّراكيب التي تسمح بأكثر من علاقة دلاليَّة؛ فيناقش قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} وما يحتمله تركيب «مَن خلق» من جهة الخالق والمخلوق، ثمَّ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} وما يعرضه من احتمالات في تعلُّق المشيئة. ويقف عند قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}، فيرى أنَّ تركيب {كُلِّ قَلْبِ} يتَّسع لاستغراق القلب كلِّه، كما يتَّسع لاستغراق قلوب المتكبِّرين الجبَّارين، فتؤدِّي الصِّياغة المعنيين من غير أن تُقيَّد بأحدهما.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














