
نبذة عن الكتاب:
يَضع علي جمعة محمد في كتاب «المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية» أدواتٍ لفهم التراث الفقهي قبل الدخول في تفاصيل مذاهبه؛ فلا يكتفي بالتعريف بالأئمة والكتب، بل يبدأ من السؤال عن كيفية قراءة التراث نفسه، وتوثيقه، وفهم لغته ومصطلحاته وبنيته العلمية، حتى يكون التعامل معه قائمًا على الفهم المنهجي لا على القبول المطلق أو الرفض المطلق أو الانتقاء العشوائي. وقد أعاد في هذه الطبعة ترتيب مادة الكتاب، ووسَّع أجزاء منها، وزاد التوثيق، وجمع النظائر، ونقَّح النقول والعزو، وصرح بأنه يريد أن يكون الكتاب خطوة في بناء أداة صحيحة لفهم التراث الإسلامي ومذاهبه الفقهية.
ويَبدأ بتحديد ماهية التراث الإسلامي بوصفه نتاج العقل المسلم عبر القرون، ثم يربطه بالمحور الذي تشكلت حوله الحضارة الإسلامية، وهو النص من كتاب وسنة، وما تفرع عن خدمته من علوم. ويُفصِّل قضية توثيق التراث، فينتقل من توثيق القرآن الكريم والسنة بالأسانيد وعلوم الرجال والجرح والتعديل والتحمل والأداء، إلى توثيق الكتب نفسها ونسبتها إلى مؤلفيها، والسماعات والإجازات والمقابلات وتصحيح النسخ، ثم إلى انتقال هذا المنهج من المخطوط إلى المطبوع. ويجعل التوثيق جزءًا من العقلية العلمية التي ينبغي أن تسبق الانتفاع بأي نص تراثي.
ولا يكتفي بثبوت النص، بل يَنتقل إلى مشكلة فهمه، ويحدد جملة من العوائق التي تفصل القارئ المعاصر عن كتب السابقين: فقدان التصورات الكلية التي كانت حاضرة في أذهان المؤلفين، وغياب النظريات الجامعة التي حكمت بناء العلوم، وعدم معرفة المصطلحات الخاصة بكل فن ومذهب وعصر، وفقد كثير من العلوم الخادمة التي كانت تدخل في تكوين الفقيه، ثم اختلاف الصياغة اللغوية والمنطقية. ويؤكد أن المعلومات المتفرقة لا تصنع علمًا ما لم تنتظم في منهج يربط بينها ويبين كيفية استعمالها.
ثم يَدخل إلى المذاهب الفقهية الأربعة باعتبارها نماذج تطبيقية لهذه الأدوات، فيبدأ بالمذهب الشافعي، فيترجم للإمام الشافعي، ويتتبع رحلته العلمية وأخذه عن علماء الحجاز والعراق، وانتقال مذهبه من القديم إلى الجديد، ثم انتشار مدرسته بين العراقيين والخراسانيين واتحاد الطريقتين بعد ذلك. ويعرض أطوار المذهب من الإعداد والتكوين، ثم ظهور القديم، ثم نضج الجديد، ثم التخريج والتذييل، ثم الاستقرار، ويُبيِّن كيف تحولت نصوص الإمام إلى مدرسة علمية لها تلامذة وطرق وكتب ومصطلحات معتمدة.
ويُفصِّل أسس المذهب الشافعي في اتباع الكتاب والسنة، وتقديم الدليل، والعناية بأقوال الصحابة رضي الله عنهم، والعمل بالقياس، والاستصحاب، والاستقراء، والأخذ بأقل ما قيل في بعض المواضع، ثم يعرض الأدلة التي لم يعتمدها الشافعي على الوجه الذي اعتمدها به غيره، كالمصلحة المرسلة والاستحسان وعمل أهل المدينة وشرع من قبلنا. ويتوقف عند عبارة «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، فيبين ما ذكره الشافعية في شروط فهمها وتطبيقها، حتى لا تصبح ذريعة لنسبة كل ما صح من حديث مباشرةً إلى مذهب الإمام دون مراعاة أصوله ودلالات النصوص والنسخ والتخصيص والجمع بينها.
كما يَشرح طريقة الشافعية في التعامل مع أقوال الإمام المختلفة، فيفرّق بين القديم والجديد، وبين ما ذكر فيه قولين ثم رجّح أحدهما، وما بقي فيه متوقفًا، وبين النص الصريح والتخريج على النص. ويقرر من خلال نقول أئمة المذهب أن ما خرّجه الأصحاب على قول الشافعي لا يُنسب إليه باعتباره نصًا له، وأن مجرد إمكان حمل مسألة على نظيرها لا يبيح نسبة قول جديد إليه من غير دليل. ويصل بذلك إلى ضرورة التمييز بين قول الإمام، ووجه الأصحاب، والتخريج، وما صار معتمدًا بعد الترجيح.
ثم يَعرض المذهب الحنفي ابتداءً من أبي حنيفة وتلاميذه الكبار، ولا سيما أبا يوسف ومحمد بن الحسن وزفر، لأن بناء المذهب لا يُفهم من خلال الإمام وحده. ويذكر من أصول الاستدلال عند أبي حنيفة: الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف، مع بيان أثر البيئة العراقية ومدرسة الرأي في بناء الفروع.
ويُفصِّل مراتب كتب الحنفية، وما يسمى ظاهر الرواية أو ظاهر المذهب، ثم مراتب المتون والشروح والفتاوى، وينبه إلى أن وجود مسألة في كتاب حنفي لا يكفي وحده لاعتمادها أو نسبتها إلى المذهب. ويورد قواعد العلماء في تقديم الكتب الموثوقة، ووجوب معرفة حال المؤلف، والرجوع إلى المتون والشروح والحواشي والفتاوى المعتمدة بحسب مراتبها، ويحذر من الاعتماد على الكتب التي لم يعرف اعتماد الأئمة لها أو حال أصحابها.
ويَنتقل إلى المذهب المالكي، فيترجم للإمام مالك ويبرز مكانته في الحديث والفقه، ثم يتتبع المدرسة المالكية وما نشأ فيها من طبقات واتجاهات إقليمية؛ فيميز بين المدنيين والمصريين والعراقيين، ويذكر الأعلام الذين يمثلون كل اتجاه، لأن اختلاف طرق النقل داخل المذهب مؤثر في فهم عباراته وكتبه وترجيحاته.
ثم يَعرض المذهب الحنبلي من خلال ترجمة الإمام أحمد، ورحلته في طلب الحديث، وصلته بمدرسة الأثر، ثم ما بناه أصحابه على رواياته. ويبين أن دراسة هذا المذهب تقتضي معرفة الفرق بين نص الإمام وما خرجه الأصحاب، والتمييز بين الروايات والوجوه والاحتمالات، ومعرفة الكتب التي استقر عليها الاعتماد؛ فلا يُتعامل مع الفروع الحنبلية باعتبارها مجموعة أقوال متساوية، بل بحسب طريق ثبوتها ومكانتها داخل المذهب.
ولا يقف بعد عرض المذاهب عند حدود الرجال والأصول والكتب، بل يَفرد فصلًا لما يسميه «النحت الخطي»، أي الرموز والاختصارات التي شاع استعمالها في كتب التراث ثم خفي معناها على المتأخرين. فيجمع نماذج كثيرة من الرموز التي تشير إلى عبارات مثل «رضي الله عنه»، و«انتهى»، و«صفحة»، و«باب»، و«المصنف»، و«المطلوب»، و«الحاصل» وغيرها، ليزيل عائقًا عمليًا من عوائق قراءة المخطوطات والكتب القديمة.
ثم يَعرض مصادر الشريعة الإسلامية، فيفرق بين الشريعة والتشريع، ويشرح الأدلة التي يستند إليها المجتهد في استنباط الأحكام. ويتناول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم يشير إلى كثرة الأدلة المختلف فيها، ويربط هذه المصادر ببنية علم أصول الفقه؛ فالمجتهد يحتاج إلى تحديد مصدر الحكم، وكيفية التعامل معه، وشروط من يستنبط منه. وفي الإجماع يناقش إمكان الاستفادة منه في القضايا المعاصرة من خلال المجامع الفقهية التي تجمع أهل الاجتهاد للنظر في النوازل واستصدار الأحكام فيها.
ويَخصِّص فصلًا لمقاصد الشريعة، فيبدأ بتحرير مفاهيم الدين والإسلام، ثم يناقش المقاصد التي تنتظم الأحكام وما بينها من مراتب وعلاقات، ويبين أن ترتيبها وتقسيمها وسائل نظرية لتفعيلها في الاجتهاد وليست فصلًا حقيقيًا بين جوانب حياة الإنسان المتداخلة. ويُدرج المقاصد ضمن عملية الإفتاء والاجتهاد؛ إذ لا يكفي استخراج الحكم من الدليل من غير مراجعته في ضوء المقاصد الشرعية حتى لا يؤول التطبيق إلى هدم المقصد الذي جاءت الشريعة بحفظه.
ويَتناول القواعد الفقهية بوصفها مرحلة من مراحل تجريد الفروع وجمع المتشابهات في قضايا كلية، ويفرق بينها وبين الضابط الفقهي الذي يختص بباب أضيق، وبينها وبين القاعدة الأصولية التي تتعلق بطريقة استنباط الأحكام من الأدلة. فالقواعد الأصولية تسبق الفروع من جهة البناء الاستنباطي، أما القواعد الفقهية فتتكون من استقراء الفروع ورد النظائر إلى معان جامعة، وغالبًا ما تكون أكثرية لها مستثنيات.
ويُفرِّق كذلك بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية؛ فالنظرية تجمع موضوعًا واسعًا من الأركان والشروط والأحكام تربط بينها وحدة موضوعية، كنظرية العقد أو الملكية أو الإثبات، بينما القاعدة قضية كلية أو أغلبية تنتظم فروعًا متعددة. ويناقش أثر الدراسات القانونية الحديثة في إعادة صياغة أجزاء من الفقه في صورة نظريات عامة، مع تأكيده إمكان استخراج هذه البنى من التراث الفقهي نفسه بطريق التجريد والتقعيد.
ويَختم بدراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي، فيعرض المراحل التي مر بها منذ عصر النبوة، ثم عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ثم مراحل تشكل المدارس والمذاهب والتدوين، وما طرأ بعد ذلك من استقرار وتقليد وتقنين، وصولًا إلى العصر الحديث. ويعرض مظاهر النهضة الفقهية المعاصرة في الجامعات والدراسات المقارنة والتأليف والجمع بين الثقافة الشرعية والقانونية، مع الدعوة إلى استمرار الإفادة من الفقه الإسلامي في معالجة القضايا والتشريعات المعاصرة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














