
نبذة عن الكتاب:
يَجمع القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء الحنبلي في هذا الكتاب طائفةً من مسائل أصول الفقه التي تعددت فيها الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل أو اختلفت فيها أوجه الحنابلة، ثم يَستخرج من نصوص الإمام وممارسته الفقهية ما يَدل على كل رواية، ويَعرض حجج الاتجاهات المختلفة، ويُرجِّح في مواضع كثيرة ما يَعدُّه المذهب أو الأقوى دليلًا. وهذه المسائل جزء من كتاب «الروايتين والوجهين»، الذي يقوم أصلًا على جمع المواضع التي وقع فيها اختلاف الرواية أو الوجه، والاستدلال لكل قول بالكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين أو القياس والتعليل، ثم بيان الراجح منها.
وتَظهر طريقة أبي يعلى منذ أول مسألة؛ فهو لا يَكتفي بنقل عبارتين مختلفتين عن الإمام أحمد، بل يَبحث هل الاختلاف حقيقي، وما الأصل الذي يمكن تخريج كل رواية عليه، ثم يَذكر «وجه» كل قول ويقيم له الأدلة. وقد يُصرِّح باختياره بعبارات مثل «المذهب هو الأول»، أو «وهو أصح عندي»، أو «وعندي أنه يجوز»، فيكون عمله جمعًا للروايات، وتخريجًا لأصولها، وموازنةً بين أدلتها، لا مجرد حكاية للاختلاف.
ويَبدأ بمباحث الأمر، فيَبحث هل لصيغة الأمر المجردة عن القرائن دلالة بنفسها أو يجب التوقف حتى تظهر قرينة تحدد المراد. ويَنقل عن الإمام أحمد ما يَدل على الأخذ بظاهر صيغة الأمر من غير توقف، وما قد يُفهم منه تعليق العمل على بيان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يُرجِّح أن للأمر صيغةً تدل بمجردها على كونه أمرًا. ويَستدل لذلك باستعمال القرآن الكريم، واحتجاج الصحابة رضي الله عنهم بصيغ الأوامر، وتمييز أهل اللغة بين الأمر والنهي والخبر والاستخبار.
ثم يَبحث مقتضى الأمر عند الإطلاق: أيدل على الوجوب أم الندب؟ فيَنقل من كلام الإمام أحمد ما يَدل على الوجهين، ثم يَستدل للوجوب بتوبيخ تارك الأمر، وبتمييز النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين الأمر والشفاعة في قصة بريرة رضي الله عنها، وبالمقابلة بين الأمر والنهي؛ فكما يدل النهي على لزوم الكف، يَدل الأمر عند إطلاقه على لزوم الفعل. ويتبع ذلك بمسألة التكرار، فيَنقل قولًا بأن الأمر المطلق يقتضي تكرار الفعل، ثم يَختار أن الأمر المجرد من السبب والشرط لا يقتضي التكرار بنفسه، ويفرِّق بينه وبين الأمر المعلق بسبب يتجدد الحكم بتجدده.
ويَبحث العلاقة بين «الفرض» و«الواجب»، فيَستخرج من بعض نصوص الإمام أحمد التفريق بينهما؛ فالفرض عند هذا الوجه أرفع مرتبة، ويُطلق على ما ثبت بطريق أقوى، في حين يَثبت الواجب فيما دون ذلك أيضًا. وينقل نصوصًا أخرى تَدل على استعمال اللفظين بمعنى واحد، ثم يَشرح وجه التسوية من اتحاد الحكم المترتب عليهما، ووجه التفريق من اختلاف مدلولهما في اللغة وما يحمله لفظ «الفرض» من معنى التقدير والتأكيد.
ويَنتقل إلى العموم والتخصيص، فيَبحث جواز تخصيص عموم القرآن الكريم والسنة بالقياس. ويَنقل منع ذلك عن ابن حامد وجماعة من الحنابلة، وجوازه عن غيرهم، ويَستخرج من فروع الإمام أحمد ما يَشهد لكل اتجاه. وتدور المناقشة على منزلة العام والقياس: فمن منع التخصيص جعل العموم أقوى من القياس، ورأى أن القياس لا يصح إذا عارض أصلًا عامًا، ومن أجازه رأى أن العام قابل للتخصيص وأن الجمع بين العام والقياس أولى من إهدار أحد الدليلين متى أمكن ذلك.
ويَبحث كذلك هل يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن الكريم، فيَنقل وجهًا يمنع ذلك بناءً على أن السنة هي المبينة للكتاب، ثم وجهًا يجيزه، ويَختار الجواز؛ لأن القرآن الكريم أقوى من السنة من جهة ثبوته وإعجازه، وإذا جاز تخصيص القرآن بالسنة جاز تخصيص السنة بالقرآن من باب أولى.
ويُفرد مسألة لاشتمال القرآن الكريم على المجاز، فيَنقل عن الإمام أحمد ما يَدل على إثباته، ويَذكر مخالفة جماعة من الحنابلة في ذلك. ويَستدل للإثبات باستعمال العرب للمجاز وبورود تراكيب قرآنية لا يستقيم حملها على ظاهر الوضع الأول، مثل نسبة السؤال إلى القرية والمراد أهلها، ثم يَرد على الاعتراض بأن المجاز نقص في الكلام، مبينًا أن استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي على وجه تعرفه العرب من أساليب فصاحتها لا يَستلزم نقصًا.
ثم يَبحث حجية قول الصحابي رضي الله عنه إذا لم ينتشر قوله بين الصحابة، ويَستخرج من نصوص الإمام أحمد روايتين: إحداهما أنه حجة مقدم على القياس، والأخرى أن القياس لا يُترك بمجرد قول الصحابي. ويَعرض تطبيقات فقهية ترك فيها أحمد القياس لقول عمر رضي الله عنه أو غيره، وأخرى لم يأخذ فيها بقول صحابي، ثم يَذكر حجة من قدَّم قول الصحابي لما اختص به الصحابة رضي الله عنهم من مشاهدة التنزيل ومعرفة البيان ومقاصد الخطاب، وحجة من منع حجيته لأن الصحابي نفسه لا يقول إلا بدليل، ولأن من بعده من أهل الاجتهاد قد خالف بعض أقوال الصحابة من غير نكير.
ويتصل بذلك بحث حجية أقوال الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فيَنقل ما يَدل على تقديم سنتهم، وما يَدل على أن أقوالهم عند الاختلاف تُعرض على الكتاب والسنة فيؤخذ بالأقرب إليهما. ثم يَبحث هل يُعتد بخلاف التابعي في مقابل قول الصحابي، فيَنقل رواية لا تجعله خلافًا معتبرًا ورواية أخرى تعتد به إذا كان التابعي من أهل الاجتهاد، ويَربط ذلك بإمكان انعقاد الإجماع وبمنزلة المجتهد من غير الصحابة.
ويَتناول المطلق والمقيد عند اتحاد الجنس واختلاف السبب، مثل الرقبة في كفارة القتل والظهار، فيَنقل عن الإمام أحمد ما يَدل على إبقاء المطلق على إطلاقه وما يَدل على حمله على المقيد. ويَشرح أن وجه الإبقاء هو العمل بظاهر كل خطاب على ما وُضع له، بينما يستند الحمل إلى استعمال العرب التي قد تذكر القيد في موضع ثم تستغني به عن تكراره في موضع آخر، وإلى شبه ذلك بتخصيص العموم.
ويَبحث تأخير البيان عن وقت الخطاب، فيَنقل المنع عن بعض الحنابلة والجواز عن ابن حامد، ويَعرض حجة المانعين بأن خطاب العموم إذا أريد به الخصوص مع تأخير بيانه أوهم غير المراد، وحجة المجيزين بأن البيان قد يأتي متراخيًا عن أصل الخطاب، وبأن تخصيص الأعيان يشبه من بعض الوجوه تخصيص الأزمنة بالنسخ.
ثم يَتناول دلالة أفعال النبي محمد صلى الله عليه وسلم الواقعة على وجه القربة من غير سبب سابق، فيَنقل وجهًا يجعلها على الوجوب ووجهًا يحملها على الندب. ويَستدل للأول بالأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وباتباع الصحابة رضي الله عنهم لأفعاله، وبالاحتجاج بالفعل النبوي في الأحكام، بينما يستند الوجه الآخر إلى أن الفعل قد يقع منه صلى الله عليه وسلم على جهة الفضل أو الخصوصية، بخلاف الأمر الموجه إلى الأمة.
ويَضم الجزء مسألة من أصول الرواية تتعلق بصيغة أداء الحديث؛ فيَبحث حكم من قرأ على الشيخ والشيخ ساكت يسمع، وهل يجوز له أن يقول «حدثني» أو «أخبرني»، ثم يَبحث الفرق بين «حدثنا» و«أخبرنا» ووجوب المحافظة على لفظ الشيخ أو جواز إبدال أحدهما بالآخر. ويَعرض الروايات عن الإمام أحمد في ذلك، ويربط بعضها بجواز الرواية بالمعنى، مع تفضيل العبارة التي تحكي كيفية التحمل على وجه أدق.
ويُفصِّل بعد ذلك في القياس، فيَنقل النصوص التي تَدل على اعتباره حجة شرعية وأن الحاكم والمفتي لا يستغنيان عنه عند فقد النص، ثم يَفسر ما ورد عن الإمام أحمد من ذم القياس بأنه ذم لاستعماله في مقابلة النصوص والآثار، لا إنكار لأصل القياس. ويَستدل لحجيته بالاعتبار، واجتهاد الصحابة رضي الله عنهم، والحاجة إلى معرفة أحكام الحوادث التي لم يَرِد نص بعينها، فيُرد النظير إلى نظيره بالمعنى الجامع بينهما.
ويَبحث إمكان القياس على أصل ثبتت علته بالاستنباط لا بالنص أو الإجماع، فيَنقل منع ذلك عن ابن حامد ثم يختار الجواز. وحجة المنع أن العلة المستنبطة ظنية فلا يُبنى عليها قياس آخر، بينما يستدل أبو يعلى للجواز بعموم الاعتبار وبعمل الصحابة رضي الله عنهم بالمعاني المستنبطة في عدد من النوازل، وبأن الأحكام الشرعية نفسها قد تثبت بطريق الظن كخبر الواحد، فلا يمنع كون العلة مستنبطة من بناء القياس عليها إذا ثبتت صلاحيتها.
ويَبحث تخصيص العلة الشرعية، أي وجود العلة في موضع مع تخلف الحكم عنها لدليل، فيَنقل المنع عن ابن حامد ثم يَختار جوازه، مستدلًا بفروع نُقل فيها عن الإمام أحمد ترك مقتضى القياس لدليل خاص أقوى منه. ويَبني على ذلك أن تخلف الحكم في صورة لدليل لا يُبطل أصل العلة في سائر الصور، كما لا يَبطل تخصيص العموم دلالته فيما بقي من أفراده.
ثم يَبحث الطريق الذي تثبت به صحة العلة المستنبطة، فيَذكر وجهًا يجعل دوران الحكم معها وجودًا وعدمًا دليلًا عليها، ووجهًا يشترط كون الوصف مؤثرًا في الحكم مع سلامته من النقض والمعارضة. ويُبيِّن أن مجرد مصاحبة الوصف للحكم قد لا تكفي، بل يُنظر في تأثيره وفي اطراده على الأصول، فإن عارضته علة مساوية أو أقوى لم يثبت بها القياس.
ويَنتقل من مباحث القياس إلى الاجتهاد، فيقرر أن الحق عند الله تعالى في المسألة الاجتهادية واحد، وأن المجتهد مأمور بطلبه؛ فإن أصابه فقد أصاب، وإن أخطأه فقد أخطأ مع رفع الإثم عنه. ثم يَنقل روايتين في وصف حكم المجتهد المخطئ: أهو مخطئ في الحكم أيضًا، أم مصيب من جهة الحكم الذي كُلِّف به باجتهاده؟ ويَستدل لكل وجه بما وقع من اختلاف الصحابة رضي الله عنهم وبقوله تعالى في حكم داود وسليمان عليهما السلام، وبحديث أجر الحاكم المصيب والمخطئ.
ويُلحق بهذه المسألة الكلام على ما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم، فيَنقل وجوهًا في الحكم على اجتهاد المختلفين، ثم يَذكر نصوص الإمام أحمد في الإمساك عن الخوض في تخطئتهم أو ذمهم، فيقف عند ما وقع بينهم مع حفظ منزلتهم وعدم جعل تلك الوقائع بابًا للطعن فيهم.
ويَبحث اجتهاد الأنبياء عليهم السلام في الأحكام الشرعية، فيَنقل المنع عن ابن حامد ثم يختار جواز الاجتهاد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويَناقش هل إمكان نزول الوحي يمنع الرجوع إلى الاستنباط. ثم يَبحث اجتهاد غير النبي بحضرته صلى الله عليه وسلم، فيَنقل المنع لوجود طريق اليقين بالسؤال المباشر، ويَختار الجواز مستدلًا بإمكان العمل بغالب الظن في حضرته في صور أخرى مع إمكان الرجوع إليه.
ويَختم المسائل الأصولية ببحث استصحاب الحال، فيُثبت الاحتجاج بالأصل العقلي في براءة الذمة حتى يقوم دليل الشغل، ويَذكر ما استند إلى عدم ورود حكم زائد في السنة. أما الاستصحاب المبني على إجماع سابق تغير وصف الواقعة بعده، كمن انعقدت صلاته بالتيمم ثم وجد الماء، فيَنقل القول بصحته ثم يختار عدم الاحتجاج بالإجماع السابق بعد زوال الحال التي انعقد عليها؛ لأن محل الخلاف الجديد غير محل الإجماع الأول، ولا يبقى حكم الإجماع مع زوال شرطه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













