
نبذة عن الكتاب:
يحلل عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي في هذا الكتاب المناشئ التي تولد منها اختلاف المسلمين في الفقه والعقائد والتفسير، ولا يقصد إلى استقصاء المذاهب والفرق ولا إلى مناقضة كل مقالة على حدة، وإنما يبحث عن المواضع الأصلية التي يتفرع عنها الخلاف ثم يبينها بالأمثلة. ويجعل الصلة بين الفقه والعربية محورًا أساسيًا في عمله، فيصرح بأن الطريقة الفقهية مفتقرة إلى علم الأدب ومؤسسة على أصول كلام العرب؛ لأن اختلاف فهم اللفظ أو تركيبه أو مجازه أو عمومه قد ينتقل مباشرة إلى اختلاف في الحكم المستنبط منه.
ويمهد لهذا المشروع بفكرة أوسع عن طبيعة الاختلاف نفسه، فيقرر أن اختلاف الناس في إدراك الحق لا يقتضي تعدد الحق في ذاته؛ فالحق عنده واحد، وإنما تتعدد الطرق المؤدية إليه والقياسات والتأويلات التي يعتمدها الناظرون. ويربط وجود هذا الاختلاف بما ركز في طبائع البشر من تفاوت المدارك والاستعدادات، حتى يجعل زوال الخلاف زوالًا تامًا متعلقًا بحياة أخرى يكشف فيها ما وقع التنازع فيه. ولذلك لا يعامل كل اختلاف بوصفه دليلًا على فساد القصد، بل قد يكون ناشئًا من طبيعة اللغة أو قصور النقل أو اختلاف طريق الاجتهاد مع بقاء حقيقة واحدة يحاول المختلفون الوصول إليها.
ويرد أسباب الاختلاف إلى ثمانية أصول كبرى يرى أن ضروب الخلاف بين المسلمين تتولد منها وتتفرع عنها: اشتراك الألفاظ والمعاني، والحقيقة والمجاز، والإفراد والتركيب، والخصوص والعموم، والرواية والنقل، والاجتهاد فيما لا نص فيه، والناسخ والمنسوخ، والإباحة والتوسع. ولا يدعي استيفاء جميع المسائل الداخلة تحت كل أصل، بل ينتقي أمثلة تكشف طريقة نشوء الخلاف بحيث يستطيع القارئ إلحاق نظائرها بها.
ويجعل السبب الأول اشتراك الألفاظ واحتمالها تأويلات متعددة، ويقسمه إلى اشتراك يقع في أصل اللفظة المفردة، واشتراك ينشأ من أحوال الكلمة كالإعراب، واشتراك ينتج من تركيب الألفاظ بعضها مع بعض. ويقسم الاشتراك في اللفظة نفسها إلى ما يجمع معاني متضادة وما يجمع معاني مختلفة غير متضادة. ومن أشهر أمثلته لفظ «القرء» الذي حمله فقهاء الحجاز على الطهر وحمله فقهاء العراق على الحيض، ويبين أن كلا المعنيين معروف في العربية وأن لكل اتجاه شواهده، فلا يكون منشأ الخلاف هنا غياب النص وإنما كون اللفظ العربي نفسه صالحًا لأكثر من معنى.
ويتتبع هذا النوع في أدوات وألفاظ كثيرة؛ فيعرض الخلاف في دلالة «أو» في آية عقوبة المحاربين، وهل تفيد تخيير الإمام بين العقوبات أو تفصيل العقوبة بحسب الجريمة الواقعة، ويبين أن الاستعمالين معروفان في كلام العرب. كما يعرض الألفاظ التي تحتمل معنيين متقابلين، والضمائر التي يمكن ردها إلى أكثر من مرجع، والحذف الذي يحتمل معه تقدير أكثر من حرف أو متعلق. ويظهر من أمثلته أن معرفة المعجم وحدها لا تكفي، لأن موضع الخلاف قد يكون في الإعراب أو عود الضمير أو المحذوف المقدر أو العلاقة بين أجزاء الجملة، ومن ثم يمكن لمسألة نحوية دقيقة أن تنشئ خلافًا فقهيًا أو تفسيريًا واسعًا.
ومن أوضح تطبيقاته على أثر التركيب مناقشته آيات المحرمات من النساء؛ إذ يرد بعض الخلاف في اشتراط الدخول لتحريم أم الزوجة إلى موقع الصفة وعلاقتها بما تقدمها من ألفاظ، ثم يصل المسألة الفقهية بخلاف النحويين في جمع صفة واحدة لموصوفين اتفق إعرابهما واختلف العامل فيهما. وبذلك يبرهن عمليًا على فكرته التي صدر بها الكتاب: أن الخلاف الفقهي قد يكون فرعًا مباشرًا لاختلاف في تركيب العربية، وأن الفقيه الذي لا يحسن وجوه العربية قد لا يدرك من أين تولد اختلاف الأحكام أصلًا.
ويجعل السبب الثاني الاختلاف الناشئ من الحقيقة والمجاز، ويصرح بإثبات المجاز، ثم يقسمه على نحو قريب من تقسيم الاشتراك: فقد يقع في اللفظة المفردة، أو في الأحوال العارضة لها، أو في تركيب الكلام. ويستعرض ألفاظًا تنتقل من معناها الحسي إلى معنى آخر لعلاقة مفهومة في لسان العرب، مثل استعمال الميزان للعدل، والسلسلة للإكراه أو المنع أو التتابع، واستعمال العلو في معنى القهر والسلطان. كما يناقش آيات اختلف فيها هل الكلام على الحقيقة أم التمثيل، مثل الكلام على «البنيان» الذي يأتيه الهدم من القواعد، فيبين أن أساليب العرب تسوغ حمل البناء على البناء المحسوس كما تسوغ استعماله في المكر أو المجد أو الأمر المؤسس.
ولا يقف أثر الحقيقة والمجاز عند تفسير المفردة، بل يتصل عنده بمسائل الاعتقاد؛ لأن حمل اللفظ على ظاهر حسي أو على معنى عربي مجازي قد ينتج تصورين مختلفين في النص الواحد. ولهذا يكثر من استحضار شواهد الشعر وكلام العرب ليحدد ما تسمح به اللغة قبل الانتقال إلى الحكم على التأويل، فلا يجعل المجاز بابًا مفتوحًا لتغيير النص كيف شاء المتأول، بل يشترط أن يكون المعنى الخارج عن الحقيقة معروفًا في الاستعمال العربي ويمكن أن يحمل عليه السياق.
ويخصص السبب الثالث للاختلاف الناشئ من «الإفراد والتركيب»، ويصفه بأنه من أدق أبواب الكتاب؛ لأن بعض النصوص يستوفي مراده بنفسه، بينما لا يفهم حكم بعض النصوص إلا بضم آية إلى أخرى، أو حديث إلى حديث، أو السنة إلى القرآن. ومن هنا قد يأخذ فقيه بنص منفرد ويبني حكمه عليه، بينما ينظر آخر إلى مجموع نصوص الباب ويجعل بعضها مبينًا أو مقيدًا أو مكملًا لبعض، فيختلف الناتج بسبب اختلاف طريقة بناء الأدلة لا بسبب إنكار أحدهما للنص. ويشير إلى أن كثيرًا من الفرائض ورد أصلها مجملًا في القرآن ثم بينتها السنة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وهو ما يجعل جمع النصوص المتفرقة ضرورة في صناعة الفقه.
ويطبق هذا الأصل على الخلافات العقدية أيضًا، مبينًا أن أخذ طائفة بمجموعة من النصوص وإهمال ما يقابلها قد يؤدي إلى بناء مذهب متطرف في أحد الطرفين. ويعرض في مسألة أفعال العباد اتجاه الجبر واتجاه التفويض، ثم يرد نشوء كل منهما إلى اعتبار جانب من الأدلة دون الجانب الآخر، ويختار طريقًا يجمع إثبات علم الله تعالى وقدرته مع إثبات التكليف والأمر والنهي والاستطاعة التي يتعلق بها التكليف. ولذلك يكرر أن الخطأ هنا نشأ من الأخذ بطرف وترك مقابله، وأن سلامة النظر تقتضي تركيب الأدلة المتفرقة حتى يحمل بعضها بعضًا ولا تبنى العقيدة على نصوص منتقاة بمعزل عن بقية الباب.
ويجعل السبب الرابع الاختلاف بين العموم والخصوص، ويقسمه إلى ما يتعلق بدلالة المفردة وما ينشأ من تركيب الكلام. فيبين أن اللفظ الواحد قد يستعمل عامًا في جميع أفراده وقد يراد به فرد أو جماعة مخصوصة، وأن من النصوص ما اتفق على عمومه أو خصوصه، ومنها ما احتاج إلى مزيد نظر. ويطبق ذلك على آيات مثل المحاسبة بما في النفوس، و«كل له قانتون»، و«لا إكراه في الدين»، و«علم الإنسان ما لم يعلم»، فيعرض وجوه حملها على العموم أو الخصوص وأدلة كل توجيه. كما يناقش الحديث المتعلق بأكل المؤمن والكافر، وهل هو خاص بالواقعة التي قيل فيها أو عام، ثم يبحث المعنى المراد من عمومه إذا ثبت.
ويربط هذا الباب كذلك بتحول الألفاظ من عمومها اللغوي إلى استعمال شرعي أخص؛ فيذكر لفظ «المتعة» الذي يدل في أصل اللغة على مطلق ما ينتفع به، ثم اكتسب في الاستعمال الشرعي معاني مخصوصة، وهو ما أدى إلى خلاف في فهم بعض الآيات المتعلقة به. وهنا يتداخل سبب العموم والخصوص مع النسخ والاستعمال الشرعي، فيظهر أن الأسباب الثمانية ليست جزرًا منفصلة، بل قد تجتمع عدة أسباب في مسألة واحدة فتزداد إمكانات الخلاف فيها.
ويمنح السبب الخامس، وهو الرواية والنقل، مساحة واسعة؛ لأنه يرى أن الحديث قد تعرض له علل تغير معناه أو توهم التعارض بينه وبين غيره، حتى مع صلاح بعض رواته في أنفسهم. ويحصر ثماني جهات لهذا الخلل: فساد الإسناد، ورواية الحديث بالمعنى بدل لفظه، والجهل بالإعراب، والتصحيف، وإسقاط جزء يتوقف عليه المعنى، وإغفال السبب أو السياق الذي ورد الحديث لأجله، وسماع بعض الحديث دون بعضه، والأخذ من الصحف دون لقاء الشيوخ وضبط الرواية عنهم.
ويفصل فساد الإسناد فيذكر الإرسال والانقطاع ووجود راو متهم بالكذب أو الغفلة أو شديد التعصب، ثم ينبه إلى أن صحة رجال السند وحدها لا تمنع وقوع الخطأ في متن الرواية من جهات أخرى. ويشدد بصورة خاصة على خطر التعصب في النقل والوضع لخدمة الفرق والمقالات، ويثني في المقابل على عمل نقاد الحديث الذين فتشوا أحوال الرواة وميزوا الصحيح من السقيم. فالمشكلة عنده ليست مجرد وجود سلسلة من الأسماء، بل سلامة طريق النقل كله من دواعي التحريف والوهم والتصحيف وسوء الفهم.
ويشرح خطر الرواية بالمعنى بأن ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم قد تحتمل من الدقائق ما يفقده الراوي حين يستبدل بها ألفاظًا من عنده؛ فقد يفهم أحد الاحتمالات ثم ينقل ما فهمه، مع أن المتلقي الآخر لو سمع اللفظ الأصلي لأدرك منه معنى مختلفًا. ولهذا يجعل تفاوت الناس في الفهم أحد أسباب تغير الرواية من غير تعمد للكذب، ويعود إلى الألفاظ المشتركة ليبين كيف يمكن للراوي أن يؤدي ضد المراد وهو يظن أنه أدى المعنى.
ويبرز الجهل بالإعراب بوصفه علة مستقلة في نقل الحديث، لأن الحركة وحدها قد تنقل الاسم من الفاعلية إلى المفعولية أو تغير نوع الجملة، فينعكس الحكم المستفاد منها. ويضرب لذلك أمثلة من القرآن والحديث والكلام الفقهي، مؤكدًا أن معرفة العربية هنا ليست تحسينًا لفظيًا، بل وسيلة لحفظ الحكم من الانقلاب إلى ضده. ويتتبع كذلك التصحيف وسقوط الكلمات وإغفال سياق الحديث وسماع آخره دون أوله، لأن كل واحدة من هذه الصور قد تنتج نصًا ظاهره مخالف لنص آخر بينما التعارض مولود من طريقة النقل لا من أصل السنة.
وينبه في العلة الثامنة إلى خطر أخذ العلم من الصحف دون لقاء أهل الرواية والضبط عنهم، لما يؤدي إليه ذلك من قراءة المصحف خطأً، أو اعتماد نسخة سقيمة، أو نسبة ما في الكتاب إلى شيخ لم يروه على ذلك الوجه. ولذلك يجعل العلل التي ذكرها أصولًا يحتاج إليها ناقد الحديث عندما يواجه خبرًا شديد النكارة أو مخالفًا للمشهور؛ فيبدأ بالسند، ثم ينظر في إمكان التصحيف والسقط والرواية بالمعنى واختلال السياق، فإن صح الطريق وبقي الإشكال طلب له وجهًا مقبولًا في اللغة والتأويل قبل الحكم عليه.
ويجعل السبب السادس الاختلاف الناشئ من الاجتهاد والقياس فيما لا يوجد فيه نص من قرآن أو حديث؛ فعند غياب النص المباشر ينتقل الفقيه إلى النظر والقياس. ويقسم الخلاف هنا إلى خلاف بين من يثبت القياس والاجتهاد ومن ينكرهما أصلًا، ثم خلاف آخر يقع داخل دائرة القائلين بالقياس أنفسهم بسبب اختلافهم في بناء القياس وتعيين الأصل والفرع والجامع، وهو ما يظهر في اختلاف المالكية والشافعية والحنفية في فروع كثيرة. ولا يطيل في الأمثلة هنا لأن هذا النوع في عصره، بحسب عبارته، أشهر من أن يحتاج إلى الاستقصاء.
ويجعل السبب السابع النسخ، فيفرق أولًا بين الخلاف في ثبوت النسخ نفسه والخلاف الواقع بين المثبتين له. وهو يقرر ثبوت النسخ، ثم يقسم ما يقع بين القائلين به إلى ثلاثة وجوه: اختلافهم هل يدخل النسخ في الأخبار كما يدخل في الأمر والنهي، واختلافهم في إمكان نسخ السنة للقرآن، واختلافهم في نصوص معينة هل وقع فيها النسخ بالفعل أم لم يقع. وبذلك يبين أن فقيهين قد يتفقان على النص ودلالته الأولى ثم يفترقان لأن أحدهما يراه باقيا محكمًا والآخر يراه مرفوع الحكم بدليل متأخر.
ويجعل السبب الثامن الاختلاف الناشئ من الإباحة والتوسع، وهو نوع مختلف عن أكثر ما سبقه؛ لأن تعدد الصور فيه لم ينشأ من خطأ في اللغة أو الرواية أو القياس، بل من كون الشريعة نفسها وسعت على المكلفين وأجازت أكثر من وجه. ويمثل لذلك باختلاف صور الأذان، وعدد التكبيرات على الجنائز، وصيغ تكبير التشريق، ووجوه القراءات السبع ونظائرها؛ فوجود أكثر من كيفية في هذه المواضع لا يقتضي أن يكون أحد الوجهين باطلًا لمجرد مخالفة الآخر، بل قد يكون منشأ الاختلاف أن أكثر من طريق قد أبيح أصلًا.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














