مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب العوامل المؤثرة في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة دراسة أصولية لأيمن صالح PDF
كتاب العوامل المؤثرة في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة دراسة أصولية لأيمن صالح PDF
المؤلف:أيمن صالح

نبذة عن الكتاب:

يَبحث أيمن صالح في كتاب «العوامل المؤثِّرة في نوط الحكم بالمظنّة أو بالحكمة: دراسة أصوليّة» سببَ اختلاف الفقهاء في ربط الحكم الشرعي تارةً بالمظنّة الظاهرة المنضبطة، وتارةً بالحكمة أو المقصد الذي شُرع الحكم لتحقيقه. ويَنطلق من ملاحظة أن الجدل النظري في كتب الأصول حول جواز التعليل بالحكمة لا يَكفي وحده لتفسير العمل الفقهي؛ لأن الفقهاء أنفسهم قد يُديرون الحكم مع الحكمة في مسألة، ومع المظنّة في أخرى، بل قد يختلف الاجتهاد في الواقعة الواحدة بحسب قوة كل منهما وما يحيط بها من قرائن. ولذلك يَجعل هدفه الرئيس استقراء العوامل التي تؤثر في اختيار الفقيه بين هذين المسلكين، وقد انتهى إلى 9 عوامل.

ويَضع البحث في سياق العلاقة بين علم المقاصد وأصول الفقه، فيؤكد أن النظر المقاصدي لا يَستغني عن الضوابط الأصولية التي تُحدِّد المقاصد وتضبط إعمالها. ويَنقد طرفين متقابلين: الإفراط في توظيف المقاصد حتى تُجعل وسيلة للالتفاف على ظواهر النصوص، والتحفظ من علم المقاصد كله بسبب سوء استعماله. ويَسعى بدل ذلك إلى وصل المقاصد بأصلها الأصولي، بحيث تُراعى الحكمة دون أن تُلغى ضوابط النص والعلّة والمناط.

ويُمهِّد بتحرير المصطلحات الأساسية؛ فيُبيِّن أن «العلة» تُستعمل عند الأصوليين بمعنيين رئيسين: السبب الظاهر المنضبط، والحكمة. فالسبب أو المظنّة هو الوصف الذي جُعل علامةً على الحكم، كالسفر بالنسبة إلى إباحة الفطر، أما الحكمة فهي المعنى المصلحي المقصود من التشريع، كدفع المشقة في رخصة الفطر. ويَفرِّق كذلك بين حكمة الحكم، وهي المصلحة المقصودة من نفس الحكم، وحكمة السبب، وهي المعنى الذي من أجله جُعل سبب معين طريقًا إلى ذلك الحكم.

ويُعرِّف المظنّة بأنها المحل أو الوصف الظاهر المنضبط الذي يُظن عنده وجود الحكمة، ويُوسِّع معناها فلا يَحصرها في السبب، بل يجعلها شاملة للسبب والشرط والمانع ومحل الحكم التكليفي ما دام كل منها موضعًا يغلب عنده وجود الحكمة. ثم يُعرِّف التعليل بالمظنّة بأنه نوط الحكم وجودًا أو عدمًا أو كليهما بذلك الوصف، والتعليل بالحكمة بأنه نوط الحكم بالحكمة نفسها على هذا الوجه.

ويَشرح أن الإشكال الحقيقي لا يَظهر إذا اجتمعت المظنّة والحكمة في الواقعة أو انتفتا معًا، وإنما يَظهر حين توجد إحداهما دون الأخرى. هنا يَضطر المجتهد إلى المفاضلة: هل يُبقي الحكم مع المظنّة رغم انتفاء الحكمة في هذه الجزئية، أم يَرفعه لانتفاء الحكمة؟ وهل يَثبت الحكم حيث توجد الحكمة من غير المظنّة؟ والقاعدة الغالبة عند الأصوليين والفقهاء هي إناطة الأحكام بالمظانّ المنضبطة، لما يترتب على ذلك من ضبط الأحكام وتسهيل تطبيقها والاحتياط وقطع النزاع، مع إمكان العدول إلى الحكمة في أحوال مخصوصة.

ويُمثِّل لاختلاف الدائرتين بمسألة سفر المرأة؛ فربط الحكم بالسفر باعتباره المظنّة يقتضي استمرار الحكم كلما تحقق السفر ولو أُمن الطريق، بينما ربطه بحكمة الأمن قد يُخرج السفر الآمن من الحكم، وفي المقابل قد يُدخل تنقلًا لا يبلغ حد السفر إذا كان مظنة قوية للخطر والاعتداء. ومن خلال هذا المثال يَظهر أن الانتقال من المظنّة إلى الحكمة لا يعني مجرد تخفيف الحكم، بل قد يضيِّق دائرته في صور ويوسعها في صور أخرى.

ثم يَستقرئ 4 صور عامة لتصرف الفقهاء عند هذا التعارض. الأولى أن يَقطعوا الحكم عن المظنّة المنصوصة ويُديروه مع الحكمة وجودًا وعدمًا؛ ككراهة قضاء القاضي حال الغضب، حيث يُجعل تشوش الذهن مناطًا للحكم، فيُلحق بالغضب كل ما يشوش الفكر من جوع أو ألم شديد، وتُرفع الكراهة عن الغضب اليسير غير المشوش. ومثل ذلك غسل اليد بعد النوم إذا جُعل الشك في نجاستها هو المناط لا مجرد الاستيقاظ.

والصورة الثانية أن يَدور الحكم مع المظنّة المنصوصة وحدها ويُقطع عن الحكمة، ويكثر ذلك في التعبديات والتقديرات وما خُص به أشخاص بأعيانهم. فيُمثِّل بتحريم لحم الخنزير، وبافتتاح الصلاة بالتكبير، وبالأحكام الخاصة التي لا تُقاس عليها نظائرها ولو أمكن استنباط حكمة فيها. فوجود الحكمة في غير محل النص أو انتفاؤها عن بعض أفراده لا يُغيِّر الحكم هنا.

والصورة الثالثة أن يُبقي الفقهاء الحكم دائرًا مع المظنّة، لكنهم يَضيفون إلى المظنّة شرطًا مراعاةً للحكمة؛ كإبقاء رخصة الفطر مرتبطة بالسفر لا بمجرد المشقة، ثم تقييد السفر بقدر معتبر يَغلب معه حصول المشقة. ويَذكر أيضًا اختلاف المذاهب في شروط لمس المرأة الناقض للوضوء، إذ أضاف كل مذهب شروطًا تجعل اللمس أقرب إلى أن يكون مظنّة للشهوة.

أما الصورة الرابعة فهي أن يُدار الحكم مع الحكمة، لكن مع إبقاء شرط إضافي مأخوذ من المظنّة المنصوصة. ويُمثِّل لذلك بالاستنجاء؛ إذ جعل الشافعية والحنابلة الإنقاء هو المقصود، فلم يحصروا الإزالة في الحجر، لكنهم أبقوا اعتبار التثليث الوارد في النص، بينما قطع الحنفية والمالكية الحكم عن عدد الأحجار وأداروه مع حصول الإنقاء ولو بمسحة واحدة.

ثم يَحرر محل النزاع في التعليل بالحكمة قبل استقراء العوامل المؤثرة؛ فيَذكر أن الأصوليين متفقون على أصل جواز التعليل بالمظنّة، ومتفقون على جواز استعمال الحكمة في مجرد بيان مناسبة الحكم ومصلحته، وعلى جواز التعليل بها إذا كانت ظاهرة منضبطة، كما يَثبتون لها أثرًا في بعض الأحكام التكليفية. وينحصر موضع الإشكال في المواطن التي تُنازع فيها الحكمة المظنّة أو تعود على ظاهر النص بالتخصيص أو التقييد.

ويَستخلص بعد ذلك العامل الأول: كون المظنّة أو الحكمة منصوصة أو اجتهادية؛ فالنص يمنح الوصف قوةً لا تتوافر للمستنبط المحض. ويُقسِّم الصور إلى أن تكون المظنّة منصوصة والحكمة اجتهادية، أو العكس، أو يكونا منصوصين معًا، أو اجتهاديين معًا. ومن أمثلته أن السفر منصوص عليه في حكم سفر المرأة، بينما الأمن حكمة مستنبطة، ولذلك اتجه جمهور الفقهاء إلى إبقاء الحكم مع السفر. وعلى العكس قد يضع الفقهاء مظنّة اجتهادية لضبط معنى منصوص إذا كان خفيًّا، كاعتبار الخلوة مظنّة للدخول في أحكام المهر، أو تحديد سن للبلوغ أو الرشد لضبط ما يصعب إثباته في الواقع.

ويَجعل العامل الثاني وجود نص صريح يُلغي اعتبار المظنّة أو الحكمة في عين الواقعة؛ فإذا جاء النص بإسقاط وصف كان يمكن أن يُستدل به، لم يَعد صالحًا لمعارضة الحكم. ويُمثِّل بالشبه في النسب؛ فاختلاف الشبه قد يكون باعثًا قويًّا على الارتياب، لكن النصوص الواردة في إلحاق الولد بالفراش وإلغاء الشبه المخالف منعت جعله وحده أساسًا لنفي النسب.

ويَجعل العامل الثالث مقدار ما يحتاج إليه الأخذ بالمظنّة أو الحكمة من تأويل ظاهر النص أو تخصيص عمومه؛ فكلما كان العدول عن الظاهر أشد احتاج إلى حكمة أقوى. ويُمثِّل بحادثة الصلاة في بني قريظة، حيث دار الاجتهاد بين التمسك بظاهر الأمر بالصلاة هناك وبين مراعاة مقصد الإسراع مع المحافظة على وقت الصلاة. وفي مثل هذه الوقائع يوازن المجتهد بين قوة دلالة النص الظاهرة وقوة الحكمة أو المظنّة الاجتهادية المقابلة لها.

والعامل الرابع مذاهب الصحابة رضي الله عنهم في الواقعة؛ لأن اجتهاداتهم تحظى بوزن كبير عند الفقهاء، ولا سيما إذا كشفت عن فهمهم للنص وتطبيقهم له. ويَذكر من أمثلة ذلك ما نُقل عن عمر رضي الله عنه في المؤلفة قلوبهم، ونقله الدية من العاقلة إلى أهل الديوان، ويَبيِّن أن متابعة الصحابي تزداد قوة إذا اتفق قوله مع مقصد الحكم أو كشف عن طريقة فهم النص في واقع التنزيل.

ويَجعل العامل الخامس مقدار خفاء الحكمة واضطرابها؛ فالحكمة إذا كانت خفية أو شديدة التفاوت بين الأفراد كان نوط الحكم بها سببًا للاضطراب والنزاع، فَيَقوى التمسك بالمظنّة المنضبطة. أما إذا صارت الحكمة ظاهرة قابلة للتحقق الدقيق، فقد يَضعف مبرر العدول عنها إلى مظنة تقريبية. ويُشير إلى أن تغير الوسائل العلمية قد يؤثر في هذا الباب؛ فبعض الوقائع التي كانت حكمتها خفية في زمن الفقهاء قد تصبح قابلة للكشف المباشر في زمن لاحق.

والعامل السادس مدى إفضاء المظنّة إلى الحكمة؛ لأن وصفًا لا يُسمى مظنّة إلا إذا كان حصول الحكمة عنده غالبًا. ويَقبل البحث تخلف الحكمة في بعض الجزئيات مراعاةً لمصلحة الضبط واطراد الأحكام، لكن إذا تغيّرت الأحوال حتى صارت المظنّة لا تفضي إلى الحكمة غالبًا، وجب إعادة النظر في بقائها مناطًا. ويُمثِّل باتخاذ الخيل وإعدادها للحرب؛ إذ كانت وسيلة حاسمة في القتال في زمن سابق، فإذا لم تعد كذلك تغيّرت صلتها بالحكمة التي من أجلها جاء الحث عليها في هذا الباب.

والعامل السابع قوة مناسبة الحكمة للحكم؛ فليس كل معنى مصلحي مستنبط يصلح لأن يُخصَّص به ظاهر النص. وكلما كانت الحكمة شديدة الظهور والاتصال بالحكم قويت قدرتها على التأثير فيه؛ كتشوش الذهن في النهي عن قضاء الغضبان، والشك في نجاسة اليد عند الأمر بغسلها بعد النوم، والإيذاء في النهي عن قرب المسجد بعد أكل الثوم والبصل. أما الحكم المستند إلى حكمة ضعيفة الظهور فيحتاج إلى موازنة أدق بين هذه الحكمة وبين قوة عموم النص.

ويَجعل العامل الثامن مدى انفراد الحكمة بالحكم؛ فحتى لو كانت الحكمة صحيحة وقوية، لا يلزم أن ينتفي الحكم بانتفائها إذا كان له مقاصد أخرى. ويُمثِّل بالنكاح الذي لا تَنحصر حكمته في التناسل، بل يحقق السكن والأنس والتعاون ومصالح أخرى، ولذلك لا ينتفي حكمه في حق من لا يُرجى منه الولد. ويُطبِّق المعنى نفسه على العدة، فيرفض ردها إلى براءة الرحم وحدها، لأن طولها وبعض صورها يدل على مقاصد أخرى؛ ومن ثم لا يكفي انتفاء حكمة واحدة لإسقاط الحكم إذا بقيت له حِكم أخرى.

أما العامل التاسع فهو طبيعة المجال الذي يقع فيه الحكم: هل يغلب عليه التعبد أم التعليل المعقول المعنى؟ فالأحكام التعبدية يُحتاط فيها أكثر، لأن احتمال وجود معانٍ وحكم خفية قائم، بينما يكثر في المعاملات والعادات ربط الأحكام بالمصالح الظاهرة. ويَستشهد بقاعدة الشاطبي في أن الأصل في العبادات التعبد وفي العادات الالتفات إلى المعاني، ثم يَبيِّن أن التطبيق الفقهي لا يَجري على نسق واحد، ويذكر أن أبا حنيفة كان أجرأ من غيره في تعليل بعض أحكام العبادات بالمعاني والمصالح، كما في أداء القيمة في الزكاة، وإزالة النجاسة بغير الماء، وبعض مسائل الطهارة والصلاة.

ويَنتهي البحث إلى أن إناطة الحكم بالمظنّة هي القاعدة الغالبة، لكنها ليست قاعدة آلية تُطبَّق في كل واقعة دون نظر، كما أن التعليل بالحكمة ليس بابًا مفتوحًا لإسقاط ظواهر النصوص بمجرد دعوى المصلحة. والاجتهاد في كل واقعة يَتأثر بدرجة نصية المظنّة والحكمة، وقوة دلالة النص، ومذاهب الصحابة رضي الله عنهم، وظهور الحكمة، ومدى استمرار المظنّة في الإفضاء إليها، وقوة المناسبة، وانفراد الحكمة، وطبيعة الباب بين التعبد والتعليل.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أيمن صالح
أيمن علي عبد الرؤوف صالح: أستاذ الفقه وأصوله بجامعة قطر. له: "العوامل المؤثرة في نوط الحكم بالمظنة أو بالحكمة"، و"أثر تعليل النص على دلالته".
عرض النبذة وكتب المؤلف