
نبذة عن الكتاب:
يفسِّر أبو عمر محمَّد بن عبد الواحد البغدادي، المعروف بغلام ثعلب، في كتاب «ياقوتة الصِّراط» طائفةً من الألفاظ والتَّراكيب القرآنيَّة التي تحتاج إلى بيان معناها في لغة العرب. ويرتِّب مادَّته على سور القرآن الكريم، مبتدئًا بفاتحة الكتاب، حيث يفسِّر «الصِّراط» بالطَّريق، ثمَّ يتابع السُّور بحسب ترتيبها حتَّى سورة النَّاس. ولا يفسِّر الآيات تفسيرًا متَّصلًا، بل ينتقي من كلِّ سورة ما يراه محتاجًا إلى بيان، فيذكر اللَّفظ أو جزءًا من الآية ثمَّ يورد معناه، وقد يضيف إليه استعمالات أخرى للكلمة أو وجهًا لغويًّا أو قراءةً أو قولًا في تفسيرها.
ويغلب على الكتاب تفسير المفردات بالمرادف أو العبارة القصيرة؛ فيفسِّر «الرَّيب» بالشَّك، و«الطُّور» بالجبل، و«الجناح» بالإثم، و«الشَّطر» بالجانب وبالنِّصف، و«الشَّعائر» بالمناسك، و«الألباب» بالعقول. وقد يتجاوز المعنى المباشر إلى بيان ما يراد بالكلمة في سياق الآية، مثل تفسير الختم بمنع القلب من الإيمان، والمرض بالكفر في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}، و«كتابًا موقوتًا» بفرضٍ مفروضٍ في أوقات معلومة. وبهذا يجمع الكتاب بين شرح الغريب وبيان الدَّلالة التي يكتسبها اللَّفظ من موضعه في القرآن الكريم.
ويعتني غلام ثعلب بتعدُّد معاني اللَّفظ العربي، فلا يحصر الكلمة في معناها الوارد في الآية إذا كانت العرب تستعملها على وجوه أخرى. فالهدى عنده يأتي للبيان، وله معانٍ أخرى يذكرها، والفتنة تستعمل للاختبار والكفر والمال والأولاد والمحبَّة والإحراق والمنع والصَّدِّ وغيرها، و«وراء» تأتي بمعنى سوى، والخلف، والقدَّام، وابن الابن. كما يذكر في سورة الفلق عدَّة معانٍ لـ«الفلق»، منها ضوء الفجر، ويورد في «الغاسق» قولين هما القمر واللَّيل، ثمَّ يذكر ما يختاره منهما. وتكشف هذه المواضع عن عنايته بتتبُّع وجوه الاستعمال العربي إلى جانب تعيين المعنى المراد في السِّياق القرآني.
ويظهر الجانب اللُّغوي بصورة أوضح حين يفرِّق بين ألفاظ متقاربة أو يشرح ما يطرأ على المعنى بتغيُّر الصِّيغة. ففي سورة يونس عليه السَّلام ينقل عن ثعلب تفريقه بين «بدَّلت» و«أبدلت»، فيجعل الأولى لتغيير صورة الشَّيء مع بقاء عينه، والثَّانية لإزالة شيء ووضع غيره مكانه، ثمَّ ينقل عن المبرِّد استدراكه بأنَّ العرب قد تستعمل «بدَّلت» بمعنى «أبدلت». كما يتعرَّض للانتقال من الخطاب إلى الخبر في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ}، ولغير ذلك من المسائل التي يتداخل فيها تفسير الغريب مع النَّحو والصَّرف وأساليب العربيَّة.
ويستفيد من اختلاف القراءات في توضيح المعنى، فيذكر أحيانًا ما يترتَّب على اختلاف القراءة من اختلاف الدَّلالة. ففي قوله تعالى في سورة هود عليه السَّلام: {بَادِيَ الرَّأْيِ} يفرِّق بين القراءة بالهمز، فيكون المراد ابتداء الرَّأي، والقراءة من غير همز، فيكون المعنى ظاهر الرَّأي، ثمَّ يشرح الفرق اللُّغوي بين «بدأ» و«بدا». ويأتي هذا النَّوع من البيان ضمن مادَّة الكتاب من غير أن يتحوَّل إلى مصنَّف مستقلٍّ في القراءات أو الإعراب؛ إذ تبقى العناية موجَّهةً إلى ما يعين على فهم اللَّفظ القرآني.
ويورد في بعض المواضع أكثر من قول إذا اختلف أهل اللُّغة أو التَّفسير في المراد، ولا يقتصر دائمًا على اختيار معنى واحد. ففي تفسير قوله تعالى عن سارة عليها السَّلام: {فَضَحِكَتْ} يذكر ما ورد من تفسير الضَّحك بالحيض، ثمَّ ينقل عن ثعلب أنَّ المعروف في كلام العرب هو الضَّحك المقابل للبكاء، ويذكر تفسيره للآية على هذا الأساس. ويعرض كذلك اختلاف الأقوال في «لا يجرمنَّكم» بين معنى الحمل ومعنى الكسب، وفي غيرهما من الألفاظ التي احتملت أكثر من تفسير. وتتيح هذه المواضع رؤية جانب من المناقشات اللُّغويَّة التي كانت تدور بين علماء العربيَّة في تفسير ألفاظ القرآن الكريم.
ويعتمد الكتاب اعتمادًا ظاهرًا على روايات أئمَّة اللُّغة، وفي مقدِّمتهم ثعلب أحمد بن يحيى وابن الأعرابي، وينقل كذلك عن الفرَّاء والمبرِّد ومجاهد وابن عبَّاس رضي الله عنهما وغيرهم بحسب المسألة. ولا تأتي هذه النُّقول في صورة جمعٍ مجرَّد، بل قد تتضمَّن سؤال عالم لآخر أو استدراك أحدهم على تفسير لغوي أو ترجيحًا بين الأقوال؛ ومن ذلك ما يرويه غلام ثعلب عن عرضه كلام ثعلب في «بدَّلت» و«أبدلت» على المبرِّد، فاستحسنه ثمَّ أضاف إليه وجهًا آخر من استعمال العرب.
ولا يقف المحتوى عند شرح المفردة المعجميَّة؛ إذ تتَّسع بعض المواضع لتفسير معنى الآية أو بيان وجه تركيبها وسياقها. ففي قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} ينقل عن ثعلب تقدير الجواب المحذوف، ثمَّ يذكر موافقة المبرِّد على فصاحة هذا الوجه في كلام العرب. وفي موضع آخر ينقل تفسيرًا لقوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} يجعل الخطاب موجَّهًا إلى الكافر على تقدير الأمر للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بأن يقول له ذلك، ثمَّ يشرح السِّياق الذي بُني عليه هذا التَّفسير. ويجمع بذلك بين بيان المفردة وتفسير التَّركيب حين لا يستقيم فهم المراد بالاقتصار على معنى كلمة واحدة.
وتظلُّ طريقة الكتاب موجزةً في عامَّة مواضعه؛ فقد يكتفي المؤلِّف بكلمة أو كلمتين لشرح الغريب، بينما يطيل حين تستدعي المسألة بيان اختلاف المعاني أو القراءات أو وجوه العربيَّة. ويستمرُّ على هذا النَّمط إلى أواخر المصحف، فيفسِّر من سورة الإخلاص «الصَّمد» بمن يُقصد إليه في الحوائج، و«الكفء» بالمثل والنَّظير، ثمَّ يتناول غريب سورة الفلق، ويختم بسورة النَّاس وبيان الفرق في «الوسواس» بين المصدر والاسم. وبذلك ينتظم «ياقوتة الصِّراط» في صورة معجم قرآني موجز مرتَّب على السُّور، يقوم أساسه على تفسير الغريب بلغة العرب، مع ما تدعو إليه بعض المواضع من بيان القراءات والتَّراكيب واختلاف أهل اللُّغة والتَّفسير.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














