
نبذة عن الكتاب:
يجمع أبو الفضل عبد الرَّحمن بن أحمد بن الحسن الرَّازي المقرئ في هذا الكتاب الأحاديث والآثار في عظمة القرآن الكريم، وفضل حفظه وتلاوته وتعليمه، وخصائص حملته وحفَّاظه، وصفة القراءة وآدابها، وما ينبغي للقارئ من الإخلاص والتَّدبُّر والعمل. ويصرِّح في مقدِّمته بهذا المقصد، ثمَّ يذكر جملةً من أسماء القرآن وصفاته، مثل الفرقان والعزيز والحكيم والنُّور والهدى والرَّحمة والشِّفاء والكتاب المبين وحبل الله عزَّ وجلَّ، قبل أن يبيِّن ما خصَّ الله عزَّ وجلَّ به حملة كتابه من المنزلة والرِّفعة.
يدافع الرَّازي منذ المقدِّمة عن حفظ القرآن والعناية بحملته، ويردُّ على من زهَّد في الحفظ أو حصره في الصِّبيان والمعلِّمين، أو اكتفى من القرآن بالقدر الذي يؤدَّى به الفرض. ويستشهد بما ورد في فضل الاشتغال بالقرآن واستدامة تلاوته، ويجعل الحفظ من خصائص هذه الأمَّة ومن أسباب بقاء كتاب الله عزَّ وجلَّ محفوظًا في الصُّدور. كما يستحضر حال الصَّدر الأوَّل، حيث كان الفقهاء والمحدِّثون وغيرهم يعتنون بحفظ القرآن، وقد يقرأ الكبير منهم على الأصغر سنًّا إذا كان أحفظ وأتقن.
ويفصِّل حكم حفظ القرآن، فيقرِّر أنَّ حفظ جميعه لم يُفرض على كلِّ مكلَّف بعينه؛ لما في ذلك من المشقَّة ولتفاوت النَّاس في القدرة على الحفظ وإقامة الألفاظ. غير أنَّه يحثُّ على الاستكثار منه وبذل الجهد في حفظه وتعاهده، ويربط ذلك بالأمر بالاعتصام بالقرآن واتِّباعه وتدبُّره والتَّذكُّر به. ويشرح هذه المعاني بأنَّ الاعتصام هو التَّمسُّك به، والاتِّباع هو العمل بما فيه، والتَّدبُّر هو التَّفكُّر فيما أريد به، والتَّذكُّر هو الاتِّعاظ بما فيه.
ويحذِّر في مقابل ذلك من نسيان القرآن بعد تعلُّمه، فيسوق الأحاديث والآثار الواردة في ذمِّ النِّسيان، ويأمر بتعاهد المحفوظ واستذكاره؛ لأنَّ القرآن سريع التَّفلُّت من الصُّدور إذا تُركت مراجعته. وتتكرَّر في هذا الموضع الدَّعوة إلى التَّعلُّم والتَّعاهد والإفشاء والتِّلاوة، فلا ينفصل الحفظ عنده عن المداومة التي تصونه من الضَّياع.
ويستدلُّ على العناية بالحفظ بما كان من شأن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع القرآن؛ فقد كان يعرضه على جبريل عليه السَّلام، ويعارضه جبريل عليه السَّلام في كلِّ سنة، وعارضه في السَّنة التي توفِّي فيها مرَّتين. ويخصِّص أبوابًا لعرض القرآن في رمضان، وقراءة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على بعض أصحابه، وعرض بعض الصَّحابة رضي الله عنهم عليه، ثمَّ قراءة الصَّحابة بعضهم على بعض، حتى إنَّ الأكبر سنًّا وسابقةً قد يقرأ على من هو أصغر منه. ويجعل هذه الأخبار أصلًا في التَّلقِّي والمشافهة والعرض وضبط القرآن.
وتأتي صفة التِّلاوة بعد ذلك من خلال ما نُقل عن قراءة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيروي أنَّه كان يقطِّع قراءته آيةً آيةً، وأنَّ قراءته كانت مفسَّرةً حرفًا حرفًا، وأنَّه كان يمدُّ صوته بالقرآن. ويورد الأمر بتزيين القرآن بالصَّوت، ويقرن حسن الصَّوت بالخشية، فلا يكون المقصود مجرَّد جمال الأداء، بل أن تدلَّ القراءة على تأثُّر صاحبها وخشيته لله عزَّ وجلَّ.
ويربط الإتقان الظَّاهر بإخلاص القصد، فيحذِّر من قراءة القرآن طلبًا لما عند النَّاس، وينقل عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حثَّه القرَّاء على إرادة الله عزَّ وجلَّ بقراءتهم وأعمالهم. فحسن الصَّوت وكثرة القراءة والحفظ لا تستقلُّ في أبواب الكتاب عن النِّيَّة والعمل، بل ترد معها نصوص تحذِّر من أن يتحوَّل القرآن إلى وسيلة لاكتساب منزلة عند الخلق أو منفعة منهم.
ثمَّ يعقد «أبواب فضائل القرآن وأهله وأحوالهم في قرآنهم»، فيبدأ بفضل القرآن على سائر الكلام، ويورد ما جاء في أنَّ القرآن حبل الله عزَّ وجلَّ ومأدبته، ويجمع تحت هذه الأبواب الأخبار الدَّالَّة على شرف كلام الله عزَّ وجلَّ وعظيم منزلة الاشتغال به. ويظهر من ترتيب هذه الأبواب انتقال المصنِّف من الكلام على الحفظ وصفة التِّلاوة إلى بيان فضائل القرآن نفسه وما يتَّصل بأهله.
ويخصُّ حملة القرآن بجملة كبيرة من الفضائل، فيورد أنَّ خير النَّاس من تعلَّم القرآن وعلَّمه، وأنَّ خيرهم من قرأ القرآن وأقرأه، ويعقد أبوابًا في أنَّهم خيار الأمَّة وما لحفَّاظ القرآن من المنزلة. كما يذكر الغبطة فيمن آتاه الله عزَّ وجلَّ القرآن فقام به آناء اللَّيل وآناء النَّهار، فتتَّصل منزلة الحافظ باستعمال ما حفظه في العبادة والتِّلاوة الدَّائمة، لا بمجرَّد استظهار الألفاظ.
وتظهر فضيلة الاجتماع على القرآن في باب يروي فيه ما يناله القوم إذا اجتمعوا في بيت من بيوت الله عزَّ وجلَّ يتلون كتابه ويتدارسونه بينهم؛ فتحفُّ بهم الملائكة وتغشاهم الرَّحمة ويذكرهم الله عزَّ وجلَّ فيمن عنده. ويورد كذلك ما يتعلَّق بمن جمع القرآن وحفظه ظاهرًا، وفضل قراءة القرآن على غيره من الذِّكر، لتتعدَّد صور الصِّلة بالقرآن بين الحفظ الفرديِّ والتِّلاوة والمدارسة والإقراء.
ويشرح معنى «حقِّ تلاوته» بما رُوي عن الحسن من العمل بمحكم القرآن، والإيمان بمتشابهه، وردِّ ما أشكل إلى عالمه، فيتجاوز مفهوم التِّلاوة النُّطق بالألفاظ إلى الامتثال والفهم والتَّسليم. ويعقب ذلك بباب في فضل من يقرأ حرفًا من القرآن وما ورد في مضاعفة الحسنات على الحروف، جامعًا بين فضل نفس القراءة وحقِّها الذي يتحقَّق بالعمل بما دلَّ عليه القرآن.
ويعتني باستدامة التِّلاوة وعدم الانقطاع عنها، فيورد فضل من إذا ختم القرآن عاد إلى أوَّله، وهو المعنى الذي سبق أن أشار إليه في المقدِّمة بخبر «الحال المرتحل». ويأتي هذا ضمن تصوُّر يجعل صلة القارئ بالقرآن متجدِّدةً؛ يفرغ من ختمة ليشرع في أخرى، ويتعاهد ما حفظ، ويستكثر من التِّلاوة والتَّدبُّر، ولا يجعل الختم نهايةً لعلاقته بالكتاب.
ويمتدُّ اهتمام الرَّازي إلى القراءة من المصحف والنَّظر فيه، فيفرد أبوابًا لفضل القراءة ناظرًا في المصحف، وما ورد في محبَّة الله عزَّ وجلَّ لهذه القراءة، ثمَّ يتبع ذلك بآثار في المصاحف نفسها، ومنها كراهية تحليتها وزخرفتها. فتدخل العناية بالمصحف ضمن خصائص التِّلاوة التي يجمعها الكتاب إلى جانب الحفظ والمشافهة وحسن الأداء.
ويجمع أبو الفضل الرَّازي هذه الأبواب بالأسانيد، فيكثر من رواية الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين ومن بعدهم، لكنه لا يقتصر على سردها دائمًا؛ إذ يسبق جانبًا كبيرًا منها بمقدِّمة مطوَّلة يناقش فيها منزلة الحفظ، وفرضه وحدوده، والحكمة من نزول القرآن مفرَّقًا، وضرورة تعاهده، وصلته بالعمل والتَّدبُّر. ثمَّ تتوالى الأبواب في العرض والمشافهة وصفة القراءة والإخلاص وفضائل القرآن وحملته وتعلُّمه وتعليمه وتلاوته، حتى يصرِّح بعد طائفة كبيرة منها بأنَّ ما ساقه إنَّما هو بعض ما جاء في فضل القرآن وحملته والحثِّ على إقرائه وتعليمه وتعلُّمه، مع التَّحذير من نسيانه وتركه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














