
نبذة عن الكتاب:
يجمع محمَّد بن أيُّوب بن يحيى بن الضُّريس البجلي الرَّازي في هذا الكتاب طائفةً واسعةً من الأحاديث والآثار المتعلِّقة بالقرآن الكريم، فيرويها بأسانيده عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين ومن بعدهم. وتدور مادَّته حول تعظيم القرآن، وفضل تلاوته وحفظه والعمل به، وآداب القراءة والتَّعامل مع المصحف، والمكِّيِّ والمدنيِّ وترتيب النُّزول وجمع القرآن، ثمَّ فضائل عدد من السُّور والآيات. ويغلب على الكتاب منهج المصنَّفات الحديثيَّة المبكِّرة؛ إذ يسوق الرِّوايات تحت أبواب موضوعيَّة متتابعة، ويترك للأحاديث والآثار نفسها بيان أكثر ما تتضمَّنه من أحكام وفضائل.
يؤكِّد جانب من الآثار الأولى أنَّ المقصود من القرآن لا ينحصر في ضبط ألفاظه وحروفه، بل يشمل حفظ حدوده والامتثال لأوامره. وينقل في ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كلامًا يوازن فيه بين زمن تُحفظ فيه حدود القرآن وإن لم يُعنَ النَّاس بكثرة حروفه، وزمن تُحفظ فيه الحروف وتُضيَّع الحدود. ويظهر هذا المعنى مرَّة أخرى في الرِّوايات المتعلِّقة بحامل القرآن الذي يحفظ أمره ويعمل بفرائضه ويجتنب معصيته ويتَّبع طاعته، فيرتبط فضل الحفظ في الكتاب بالعمل والالتزام بما جاء به القرآن.
يعرض ابن الضُّريس جملةً من آداب التِّلاوة والتَّفاعل مع الآيات، فيورد ما رُوي في سؤال الله عزَّ وجلَّ عند المرور بآيات الرَّحمة والاستعاذة عند آيات العذاب، وما نُقل عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك أثناء صلاة التَّطوُّع. كما يروي آثارًا في الأجوبة التي تُقال عند بعض الآيات، وما يتَّصل بالقراءة في الصَّلاة، ويورد أخبارًا تؤكِّد المحافظة على لفظ القرآن وعدم الزِّيادة فيه.
ويعتني بطريقة القراءة وجودتها، فيورد فضل الماهر بالقرآن وأنَّه مع السَّفرة الكرام البررة، وفضل من يقرأه مع المشقَّة والتَّعتع وله أجران. ويقابل سرعة القراءة بما نُقل عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من تفضيل قراءة سورة البقرة مع التَّرتيل والتَّدبُّر على قراءتها مسرعةً، فيجتمع في هذه الأخبار الحثُّ على إتقان القرآن وتعاهده والتَّأنِّي في تلاوته وتدبُّر معانيه.
ويخصِّص قسمًا مبكِّرًا لمعرفة ما نزل بمكَّة وما نزل بالمدينة، فيسوق عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما روايةً طويلةً ترتِّب السُّور بحسب نزولها، فتبدأ بما نزل في مكَّة من «اقرأ باسم ربِّك الذي خلق»، ثمَّ تتابع السُّور المكِّيَّة، قبل الانتقال إلى ما نزل في المدينة ابتداءً بسورة البقرة وما تلاها. وتتضمَّن الرِّواية عدَّ السُّور المكِّيَّة والمدنيَّة، ومجموع سور القرآن وآياته وحروفه، كما يورد روايات أخرى في أوَّل ما نزل وآخر ما نزل، ومنها ما يتعلَّق ببراءة وآية الكلالة وآية الرِّبا.
ويتَّصل بالمكِّيِّ والمدنيِّ ما أورده في جمع القرآن وترتيبه، فينقل سؤال محمَّد بن سيرين لعكرمة عن تأليف القرآن على ترتيب النُّزول، ثمَّ يروي خبر انشغال عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه بجمع كتاب الله عزَّ وجلَّ بعد وفاة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. كما يورد خبر جمع القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وكتابة الرِّجال له وإملاء أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه عليهم، وما وقع عند الوصول إلى أواخر سورة براءة. وبذلك يحفظ الكتاب جملةً من الآثار المبكِّرة المتعلِّقة بتاريخ نزول القرآن وجمعه وترتيبه.
ويتتبَّع أحوال المصاحف وما يتَّصل بكتابتها وهيئتها، فيروي آثارًا في التَّعشير والنَّقط والزِّينة والكتابة في المصحف. وينقل كراهة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه للتَّعشير، وما ورد عن بعض السَّلف في المصاحف المنقوطة، وكراهة بعضهم وضع المسك والعنبر فيها أو كتابتها بطريقة تؤثِّر في استقامة الحروف، إلى جانب آثار أخرى في الفصل بين السُّور وكتابة البسملة. كما ترد ضمن هذه الأبواب مسائل تتعلَّق ببيع المصحف وشرائه والمواضع التي تُكره فيها قراءة القرآن.
ويبرز فضل القرآن نفسه وما يناله صاحبه من الثَّواب في مجموعة كبيرة من المرويَّات، ومن ذلك ما جاء في شفاعة القرآن لصاحبه يوم القيامة، وما يلقاه حامل القرآن الذي حفظ حدوده وعمل بفرائضه واجتنب معاصي الله عزَّ وجلَّ. ولا يجعل الكتاب منزلة حامل القرآن منفصلةً عن أثر القرآن في سلوكه، بل تنصُّ بعض الآثار على اقتران الحفظ بالطَّاعة والعمل، فتتجاوز الفضيلة مجرَّد كثرة التِّلاوة إلى الوفاء بحقوق القرآن.
وتشغل فضائل السُّور والآيات حيِّزًا بارزًا من المصنَّف، فيجمع ابن الضُّريس ما بلغه من المرويَّات في فضل سور بعينها وما اختصَّت به من خصائص. فيورد في سورة البقرة ما جاء في فرار الشَّيطان من البيت الذي تُقرأ فيه، ويذكر أخبارًا تتعلَّق بآية الكرسي وقراءتها، ويجمع ما ورد في بعض آيات البقرة وآل عمران، ومن ذلك الرِّواية التي تذكر موضع اسم الله عزَّ وجلَّ الأعظم في آيتين منهما.
ويمتدُّ جمع الفضائل إلى سور أخرى، فيفرد أبوابًا لما ورد في سورة الكهف وسورة الحشر والمسبِّحات وغيرها، وينقل في خواتيم الحشر آثارًا تتعلَّق بقراءتها صباحًا ومساءً، كما يروي ما جاء في قراءة المسبِّحات قبل النَّوم. وتظهر في هذه الأبواب عناية المصنِّف بجمع ما يتَّصل بأوقات مخصوصة للقراءة وما نُقل في فضل سور أو آيات معيَّنة دون أن يحوِّل مادَّته إلى شرح للسُّور أو تفسير متتابع لها.
ويورد في فضل سورة الإخلاص عددًا من الآثار التي تقرِّر أنَّ «قل هو الله أحد» تعدل ثلث القرآن، ضمن أبواب تتناول فضائل السُّور ومقادير ما ورد في ثواب قراءتها. وتتكامل هذه المرويَّات مع ما سبقها من فضائل السُّور والآيات لتشكِّل قسمًا كبيرًا من الكتاب قائمًا على جمع النُّصوص المسندة في الخصائص المنقولة لكلِّ سورة أو آية.
ويحفظ «فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكَّة وما أنزل بالمدينة» بهذا التَّرتيب مادَّةً أثريَّةً متنوِّعةً لا تقف عند مفهوم واحد لفضائل القرآن؛ إذ تشمل نزوله وترتيبه، والمكِّيَّ والمدنيَّ، وجمعه وكتابته، وآداب تلاوته وتدبُّره، وأحوال قارئه وحافظه، والعمل بحدوده وفرائضه، والتَّعامل مع المصحف، وما رُوي في فضائل سور وآيات مخصوصة. ويعتمد ابن الضُّريس في ذلك على سوق الأسانيد والمتون والآثار تحت أبواب متخصِّصة، فتتكوَّن مادَّة الكتاب من الرِّواية المسندة أكثر من الشَّرح والتَّحليل، وهو ما يطبع المصنَّف بطابع كتب الآثار والفضائل المبكِّرة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














