
نبذة عن الكتاب:
يُنَبِّه عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم في كتاب «ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية» إلى وجوب العناية بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنن تعلُّمًا وتعليمًا وعملًا ودعوةً، ويربط ضعف المسلمين بابتعادهم عن دين الله تعالى بفرائضه ونوافله، ويرفض أن يكون الاهتمام بالسنن عائقًا أمام إصلاح أحوال الأمة. ويناقش اتجاهًا يُزَهِّد في السنن بحجة الانشغال بما هو أهم، أو المحافظة على وحدة المسلمين، أو تقديم «الكليات» على «الجزئيات»، أو صرف الناس إلى متابعة الواقع والسياسة على حساب التفقه في الدين، ويجعل الرجوع إلى الشريعة بجميع مراتب أحكامها طريق الإصلاح الذي ينبغي ألا يُجزَّأ بحسب الأهواء والاهتمامات.
ويحرر أولًا معنى «السنة» حتى لا تختلط دلالاتها باختلاف اصطلاحات العلماء؛ فهي في اللغة السيرة والطريقة، وفي استعمال الشارع والصدر الأول تأتي بمعنى الطريقة الشرعية العامة التي تشمل الاعتقاد والعمل وما كان واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا بحسب السياق. أما المحدِّثون فيجعلونها ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير وصفة وسيرة، بينما ينظر الأصوليون إليها من جهة كونها دليلًا من أدلة الأحكام، فيعنون بأقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته التي يُستدل بها في التشريع. ويعرض اصطلاح الفقهاء في إطلاق السنة على ما يقابل الواجب، مع بيان اختلاف المذاهب في بعض مراتب المندوبات وأسمائها، ثم يحدد أن هذا المعنى الفقهي هو المقصود الرئيس في الرسالة عند الكلام على السنن التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها بمجرد الترك.
ويستدل على الحث على التمسك بالسنة بآيات الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وطاعته واتباعه، وبالأحاديث الآمرة بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ثم يسوق جملة من آثار الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والعلماء في تعظيم الاتباع والمحافظة على الهدي النبوي. ويبرز من سيرهم شدة التحري في موافقة النبي صلى الله عليه وسلم حتى في بعض الهيئات والعادات المباحة، ويجعل كثرة الاتباع علامة على صدق المحبة وحسن الاقتداء، مع مراعاة الاستطاعة والضوابط الشرعية.
ويعدد ثمار المحافظة على السنن والنوافل، فيجعل منها تحصيل محبة الله تعالى، وجبر ما يقع في الفرائض من نقص، ورفعة الدرجات، وطمأنينة القلب، وتقوية الصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتربية النفس على الاستجابة لأحكام الشرع. ويقرر أن أثر السنة لا يقتصر على فعل جزئي منعزل، بل يسهم الاعتياد عليها في تكوين شخصية المسلم على الاتباع والانقياد، بحيث تصبح حياة النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه وهديه مرجعًا عمليًّا للسلوك في العبادات وسائر شؤون الحياة التي يصح فيها الاقتداء.
ويبحث حكم ترك السنن، ويفرق بين ترك سنة في بعض الأحيان وبين الاعتياد على ترك السنن والإعراض عنها جملة. فكون العمل مندوبًا لا يعني أن إظهار السنن والمحافظة عليها أمر عديم الأثر، وينقل عن الفقهاء تشديدهم فيمن يداوم على ترك بعض السنن المؤكدة والرواتب، وما ذكروه من أثر ذلك في العدالة بحسب بعض المذاهب. كما يستحضر التفريق بين كون المندوب مندوبًا باعتبار أفراده وبين ما قد يترتب على ترك جنس السنن كلها من إضاعة شعائر الدين؛ فترك بعض النوافل أحيانًا لا يلحقه حكم تركها جميعًا حتى تُهجر ويضمحل العمل بها.
ويرد على الاستدلال ببعض النصوص التي قد يُفهم منها الاكتفاء بالفرائض وترك النوافل، ويناقش حملها على معنى ينسجم مع كثرة النصوص المرغبة في التطوع والاتباع. ويؤكد أن جواز ترك المستحب في نفسه لا يساوي استحسان هجره، ولا يبيح تحويل الترك إلى منهج دائم يفضي إلى موت السنة، وأن بقاء معرفة السنن ونقلها والعمل بها في الأمة لازم لصيانتها من الاندثار، حتى لا يصبح المألوف المخالف هو المعيار الذي تُنكر به السنة الصحيحة إذا أُحييت بعد خفائها.
ويتناول شبهة أن إظهار بعض السنن يفرق المسلمين، فيرفض جعل الاجتماع ذريعة إلى ترك هدي ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى أن الوحدة المعتبرة تُبنى على الاجتماع على الشرع لا على تعطيل شيء منه. ويتصل بذلك نقد تقسيم الدين إلى «أصول» تستحق الاهتمام و«فروع» يمكن إهمالها إذا أُريد بهذا التقسيم إسقاط العناية بجملة من أحكام الشريعة؛ إذ لا يجد لهذا التفريق ضابطًا مطردًا يتيح اتخاذه معيارًا لترك العمل، ويستشهد بما نُقل في نقد جعل مسائل الاعتقاد وحدها أصولًا ومسائل العمل كلها فروعًا، لما يفضي إليه ذلك من اضطراب في تصنيف أركان ظاهرة من الدين.
ويناقش كذلك المبالغة في الدعوة إلى «معرفة الواقع» حين تتحول إلى صرف المسلمين عن العلم الشرعي وتعلم السنة إلى الاستغراق في الأخبار والصحف والسياسة. ولا ينصب إنكاره على مجرد معرفة أحوال الناس، وإنما على جعلها بديلًا عن التفقه أو مقياسًا يُرفع به شأن المتابع للأحداث ويُزرى بمن اشتغل بالفقه والحديث والسنن. فإصلاح الواقع عنده لا ينفصل عن العلم بالوحي والرجوع إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتحقق بإضعاف الصلة بالمصدر الذي تضبط به الدعوة والإصلاح.
ويحذر في ختام هذه القضايا من أن هجر السنن يؤدي مع الزمن إلى جهل الناس بها، ثم استغرابها، وربما إنكارها لمخالفتها ما ألفوه من العمل، ويربط موت السنة بظهور البدعة وفشوها. ولهذا يدعو إلى إحياء السنن الثابتة وتعليمها وإرشاد الناس إليها، مع إبقاء مراتب الأحكام الشرعية على حقيقتها؛ فلا يُجعل المستحب واجبًا، كما لا يُعامل على أنه أمر لا قيمة له. وبهذا يجتمع عنده فقه مراتب التشريع مع الحرص على ألا تضيع سنة من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب الاعتياد على الترك أو الزهد في تعلمها والعمل بها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













