
نبذة عن الكتاب:
يَكشف حسام الدين حسين بن علي السِّغناقي في كتاب «الكافي شرح أصول البزدوي» دقائقَ «أصول فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي»، فيَحل عباراته المكثفة، ويُفسِّر مصطلحاته، ويَكشف مناسبات ترتيب أبوابه، ويُفصِّل أدلة المذهب الحنفي ومناقشاته مع سائر الأصوليين، ويرد القواعد المجردة إلى فروعها الفقهية التي يتبين بها أثر الخلاف. وقد أقدم السغناقي على الشرح بعد طول اشتغال بكتاب البزدوي ومشكلاته واتصال بمن عُنوا بمصنفات فخر الإسلام، وكان قد تردد في قبول طلب من سأله شرح الكتاب لصعوبته، ثم تصدى له قاصدًا تفسير ما استغلق من عبارته وبيان ما تضمنه من أصول النظر والاستنباط.
ويُعنى السغناقي ببنية كلام البزدوي نفسها؛ فلا يقتصر على تفسير الجملة، بل يَسأل عن سبب تقديم الباب وتأخيره، ووجه اتصاله بما قبله، ولماذا قُدِّم قسم على آخر. ففي الانتقال من أحكام الخاص إلى العام يوضح أن الخاص قُدِّم لأنه كالجزء من العام ولأن دلالته قطعية بالاتفاق، بينما وقع الخلاف في دلالة العام، وعند الانتقال من شروط القياس إلى ركنه يوضح أن الركن هو العمدة التي يتقوم بها القياس، وفي أبواب الأسباب والعلل والشروط يَفحص كذلك مناسبة ترتيب الوسائل والمقاصد. وبذلك يصبح ترتيب «أصول البزدوي» نفسه جزءًا من المادة التي يشرحها.
ويَبدأ بناء الأصول من ألفاظ الكتاب والسنة، فيَشرح تقسيم الألفاظ بحسب ظهور الدلالة وخفائها، وترتيب الظاهر والنص والمفسر والمحكم، وما يقابلها من الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه، ويفرق بين ما يُعرف المراد منه بنفس اللفظ وما يحتاج إلى بيان أو اجتهاد. ويقرر أن المحكم أقوى من المفسر، والمفسر أقوى من النص، والنص أقوى من الظاهر عند التعارض، ثم يفسر الخاص بأنه اللفظ الموضوع لمعنى معلوم على الانفراد، والعام بأنه ما ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى.
ويُفصِّل في الخاص من جهة قطعية دلالته وأثره في الحكم، ثم يُلحق به الأمر والنهي باعتبار كل منهما صيغة موضوعة لمعنى مخصوص. ففي الأمر يَبحث حقيقته وصيغته وموجبه، وهل يقتضي الوجوب، والتكرار، والفور أو التراخي، وما يتصل بالأداء والقضاء والوقت وصفة المأمور به. ويشرح اختلاف الحنفية والشافعية في عدد من هذه المسائل، ويستخرج أثر الخلاف في الزكاة والصيام والحج والطلاق وسائر الفروع.
ويَجعل موجب الأمر في أصل الوضع الوجوب، ثم يَناقش دلالته على التكرار والعموم، ويَعرض مأخذ من حمل الأمر المطلق على التكرار ومأخذ من اكتفى بالمرة، مستعملًا اللغة والقياس بين صيغ الأمر والنهي في تحليل الدلالة. ثم يَفصِّل المأمور به بحسب الوقت إلى مؤقت ومطلق، ويبحث الوقت بوصفه ظرفًا أو سببًا أو معيارًا أو شرطًا، وما ينبني على ذلك في الأداء والقضاء وتعيين النية.
وفي النهي يَقرِّر أنه طلب الكف والمنع على سبيل الاستعلاء، وأن حكمه وجوب الانتهاء وبقاء المنهي عنه على العدم، ثم يربط النهي بقبح المنهي عنه شرعًا. ويَميز بين ما كان القبح فيه راجعًا إلى عين الفعل، وما كان لمعنى مجاور أو وصف متصل به؛ ومن هنا يناقش البيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وصوم يوم النحر، والبيوع الفاسدة، ويُبيِّن كيف يثبت أصل المشروعية مع فساد وصف من الأوصاف في بعض الصور، فيترتب الفساد دون البطلان التام.
ثم يَنتقل إلى العام والخاص والتخصيص، ويقرر أصل الحنفية في أن العام قبل التخصيص يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا بمنزلة الخاص. ويَبحث تعارض العام والخاص، وتقدمهما وتأخرهما، ومتى يكون أحدهما ناسخًا للآخر، مستعملًا أحاديث الزكاة وغيرها في اختبار القاعدة. ولا يكتفي بذكر المثال كما ورد في كتب الأصول، بل يَنقل التأويلات الفقهية التي قد تمنع أصل دعوى النسخ، كما يفعل في حديث «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» مع حديث العشر.
ويُفرد لألفاظ العموم وصيغها مباحث تتصل بما يثبت به الشمول، ثم يَتوسع في الحقيقة والمجاز والصريح والكناية ومواضع العدول عن الحقيقة، وفي حروف المعاني كحروف العطف والجر والغاية. ويَربط هذه المباحث مباشرة بالأيمان والطلاق والعتاق والوصايا والعقود، لأن تغيير دلالة حرف واحد أو نقل اللفظ من الحقيقة إلى المجاز قد ينقل الحكم الفقهي كله. ويشرح لذلك معاني «حتى» وغيرها بحسب استعمالها للغاية أو العطف أو غير ذلك، وما يتفرع على هذا في البر باليمين والحنث.
ويُفصِّل بعد ذلك طرق الوقوف على أحكام النظم، فيبحث العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء وما يتصل بها من وجوه البيان، ثم ينتقل إلى البيان نفسه وأقسامه: البيان المقرر، والتفسير، والتغيير، والضرورة، والتبديل. ويدخل النسخ ضمن «بيان التبديل»، فيبحث محله وشروطه وأقسام الناسخ والمنسوخ، وما يقبل النسخ وما يمتنع عليه، ومراتب الحجج التي يصح أن ينسخ بعضها بعضًا بحسب التكافؤ في القوة.
ويَضم إلى ذلك تقسيم المشروعات إلى عزيمة ورخصة، وعلاقة الأمر والنهي بأضدادهما، ثم «أسباب الشرائع» وما يتصل بها من علاقة السبب بالحكم ووجوب الأداء. ويظهر في هذه المواضع حرصه على التمييز بين الحكم المقصود والسبب الموصل إليه، وبين نفس الوجوب ووجوب الأداء، وعلى تخريج الاختلاف الفقهي على هذه الفروق الدقيقة.
ثم يَفتح باب السنة من جهة اتصالها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فيُقسِّم الأخبار إلى المتواتر والمشهور وخبر الواحد، ويشرح أن القرآن الكريم ثبت بطريق موجب للعلم، أما السنة فتختلف مراتب اتصالها، ولهذا احتيج إلى فحص طرق الرواية. ويجعل المتواتر موجبًا لعلم اليقين، ثم يبحث خبر الواحد وحجيته، وتقسيم الرواة، وشروط العقل والضبط والعدالة، والإرسال والانقطاع، ومحل العمل بخبر الواحد.
ويَناقش في خبر الواحد مقدار ما يفيده من العلم والعمل، ومجالات إثبات الأحكام به، حتى ما يتصل بالعقوبات، ويعرض تعليلات الحنفية في قبول الخبر مع بقاء احتمال في طريق النقل ما دام الظن الغالب صالحًا للعمل. كما يفحص الطعن في الحديث، وإنكار الراوي، والمعارضة بين الأخبار، ويقرر أن التعارض ليس أصلًا مطلوبًا لذاته، بل ينبغي طلب التاريخ أو الجمع أو غير ذلك مما يرفع التعارض الظاهر.
ويَتبع السنة بأفعال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأقسامها وحكم الاقتداء به فيها، ثم بشرائع من قبلنا، ثم أقوال الصحابة رضي الله عنهم. ويجعل متابعة الصحابة رضي الله عنهم في خاتمة مباحث السنة لاتصال أقوالهم باحتمال السماع من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يبحث مدى حجية رأيهم وخصوص منزلتهم في العلم والورع، ومسألة التقليد في الرأي، مع التفريق بين اتباعهم فيما يحتمل التوقيف وبين مجرد الرأي الاجتهادي.
ويُخصِّص للإجماع بحثًا في ركنه وشرطه وحكمه وسببه وأهله، فيتناول الإجماع القولي والفعلي والسكوتي، ومن تنعقد بهم حجيته، وانقراض العصر، وأثر مخالفة الواحد للجماعة. ويُفرِّق بين مخالفة اجتهادية يُسوِّغها سائر المجتهدين فتمنع انعقاد الإجماع، وبين قول لا يُسوَّغ لصاحبه أصلًا فلا يمنع ثبوته، ويَستشهد بخلاف بعض الصحابة رضي الله عنهم في مسائل الفرائض والربا وغيرها.
ويَجعل الأصل في حكم الإجماع أن يفيد العلم القطعي، مع إمكان دخول الشبهة في بعض صوره كالإجماع السكوتي، ثم يبحث السبب الذي يدعو إلى انعقاده، ويبيّن أن خبر الواحد أو القياس قد يكون سببًا لانعقاد إجماع يرتقي بالحكم من الظن إلى العلم. كما يميز بين مراتب الإجماع من جهة القوة وما يصلح منها لمعارضة دليل أو نسخه.
ثم يَدخل في القياس دخولًا واسعًا، فيشرح حقيقته وشروطه وركنه وحكمه، ويقرر أن المقصود إظهار حكم الفرع بواسطة معنى مؤثر ثبت في الأصل، لا إنشاء حكم من غير أصل شرعي. ويُفصِّل شروط الأصل والعلة والفرع، ثم يبحث الركن المؤثر في الحكم، والتعدية، ومسالك بيان صلاحية الوصف، وأثر النصوص والإجماع في إثبات العلل.
ويَعرض داخل هذا الباب موقف الحنفية من الاستحسان، فيقرر أنه ليس عدولًا اعتباطيًّا عن القياس، بل قد يكون أحد قياسين، أحدهما ظاهر والآخر خفي أقوى أثرًا في المسألة. ويشرح كيف ينتقل الفقيه من القياس الظاهر إلى الاستحسان عند قوة المعنى الخفي أو النص أو الضرورة، ويربط ذلك بتطبيقات فقهية متعددة. كما يبحث أحوال المجتهدين ومنازلهم في الاجتهاد، ومسألة تصويب المجتهدين، وتخصيص العلة، ويرد هذه المباحث إلى أصلها في تصور العلاقة بين العلة والحكم.
ويُفصِّل في صناعة الجدل القياسي نفسها: دفع العلل، والممانعة، والمناقضة، والمعارضة، والقلب، والعكس، ووجوه الانتقال من دليل إلى آخر. ويجعل الممانعة أساس النظر لأنها تكشف موضع الدعوى وما يحتاج المعلل إلى إثباته، ثم يبيّن متى تصح المعارضة ومتى تكون مفسدة لمحل النزاع، وكيف يكون الترجيح عند تزاحم علتين أو وجهين من وجوه الاستدلال.
وفي باب الترجيح يفسره بإظهار فضل أحد المثلين على الآخر في وصف زائد مع بقاء أصل الحجية فيهما، ثم يُفصِّل وجوه الترجيح الصحيحة والفاسدة، والترجيح بكثرة الأصول، وقوة التأثير، والدوران، وغير ذلك. ويُطبِّق هذه القواعد على مسائل مثل تثليث مسح الرأس، وولاية النكاح، والنسب، وشهادة الرواة، حتى يظهر الترجيح باعتباره أداة عملية لحل التعارض لا مجرد مصطلح نظري.
ثم يَنتقل إلى أقسام الأسباب والعلل والشروط والعلامات، فيَميز بين ما يضاف إليه الوجوب، وما يتعلق به وجود الحكم، وما يكون شرطًا أو علامة عليه. ويُفصِّل أنواع السبب والعلة والشرط، ويربط كل قسم بمسائل الطلاق والعتاق والزكاة والنسب والضمان والجنايات وغيرها، حتى لا تبقى هذه التقسيمات ألفاظًا مجردة.
ويَصل بعد ذلك إلى العقل والأهلية، فيشرح العقل بوصفه أساسًا لفهم الأدلة والتمييز بين العلل ومعرفة الأحكام، ثم يُعرِّف الأهلية بأنها صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه، ويقسمها إلى أهلية وجوب وأهلية أداء، ويبحث أثر الصغر والجنون والنوم والرق وسائر العوارض في بقاء التكليف أو سقوط الأداء أو نفاذ التصرفات.
ويُفرد للعوارض المكتسبة قسمًا واسعًا يبدأ بالجهل، فيَفرق بين جهل يصلح عذرًا لخفاء الدليل أو وقوع الاجتهاد في موضع محتمل، وبين جهل لا يُقبل لمخالفته دليلًا ظاهرًا أو إجماعًا. ومن هنا يشرح ما ينفذ فيه قضاء القاضي وما لا ينفذ، وأثر الجهل في الحدود والكفارات والنسب والعدة، ومتى يكون عدم بلوغ الحكم عذرًا، ومتى تقوم الشهرة والاستفاضة مقام السماع في رفع العذر.
ثم يتناول السكر والخطأ والإكراه وما يلحق بها من آثار على القصد والرضا والاختيار. ففي الخطأ يفرق بين الإثم والجزاء والضمان، ويشرح سقوط الحدود والقصاص مع بقاء بعض الضمانات والكفارات. وفي الإكراه يَقسم الأحكام بحسب نوع الفعل إلى ما يصير الإقدام عليه فرضًا، أو يبقى محظورًا، أو يباح، أو يرخص فيه، ويُميِّز الإكراه الملجئ من القاصر، وأثر كل منهما في الأقوال والعقود والطلاق والعتاق والإقرار والجنايات.
ويَدقِّق في نسبة فعل المكره إلى المكرِه؛ فليس كل فعل يقبل نقل نسبته. فما يمكن أن يُجعل المكره فيه آلةً للآمر، كإتلاف المال أو بعض صور القتل، قد تنتقل مسؤوليته إلى المكرِه عند تحقق الإلجاء، أما الأفعال التي لا يمكن أن يفعلها الإنسان بآلة غيره، كالأكل وبعض صور الوطء، فتظل لها أحكام أخرى. ومن هذا التفريق يبني أحكام الضمان والقصاص والكفارة والحدود، ويقارن باستمرار بين أصول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد والشافعي في أثر الرضا والاختيار والإلجاء.
ويَمتد التطبيق في آخر مباحث الإكراه إلى الإقرار والخلع وإتلاف الأموال والقتل والزنا وقتل الصيد حال الإحرام، فيُفرِّق بين ما يكون محل الجناية فيه نفس العين المتلفة، وما تكون الجناية متعلقة فيه بوصف قائم بالفاعل كالإحرام؛ لأن نقل نسبة الفعل في الصورة الثانية يؤدي إلى تبديل محل الجناية. وهنا تبلغ القواعد المتعلقة بالسبب والعلة والأهلية والاختيار والإكراه صورتها التطبيقية في مسائل دقيقة من الضمان والحدود والعبادات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













