
نبذة عن الكتاب:
يشرح أبو الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني في كتاب «بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب» كتابَ «مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل» لابن الحاجب، قاصدًا كشف دقائقه وحل مشكلاته وتحرير قواعده ودفع الاعتراضات الواردة على مسائله، مع توسط بين الإيجاز المخل والإطناب الممل. ولا يقتصر شرحه على تفسير العبارة المختصرة، بل يتتبع حدود المسائل وتقسيماتها، ويعرض الأقوال وأدلتها، ويفحص الاعتراضات والأجوبة، ويعقب ما يحتاج إلى مناقشة أو تصحيح، حتى تتبين جهة الاستدلال وما يقوم عليه كل قول.
ويبدأ بتحديد بناء علم أصول الفقه، فيقسم مباحث المختصر إلى المبادئ والأدلة السمعية والاجتهاد والترجيح، ثم يناقش وجه هذا الحصر وعلاقة كل قسم بالمقصود من العلم، وينتهي إلى أن الغاية هي معرفة كيفية استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية. ويحرر معنى المبادئ، ويفرق بين ما يكون منها جزءًا من العلم وما يسبق الشروع فيه لتوقف تصوره أو البحث فيه عليه، ثم يشرح حد أصول الفقه لقبًا وإضافة، وحد الفقه، ودلالة القيود الداخلة في التعريف، وما يرد على الحدود من اعتراضات تتصل بالعلم والظن والاستدلال والأدلة التفصيلية وعلاقة القواعد الأصولية بالأحكام الفرعية.
ويتناول بعد ذلك جملة من المقدمات العقلية والكلامية واللغوية التي تتوقف عليها مباحث الأصول، فيبحث الحكم الشرعي وأقسامه ومتعلقاته، والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه، ومسائل التكليف وشروطه وما يصح تعلق الخطاب به، وما يتصل بأفعال المكلفين قبل ورود الشرع. ويعرض الخلاف في هذه المسائل مقرونًا بحجج الفرق ومآخذها، ويكشف ما يترتب على المقدمات الكلامية من آثار أصولية، ولا سيما في مسائل الحسن والقبح، والحكم قبل الشرع، والتكليف بما علم انتفاء شرط وقوعه، ونحوها.
ويفصل في المباحث اللغوية اللازمة لفهم الخطاب الشرعي، فيتناول وضع اللغة ودلالات الألفاظ، والحقيقة والمجاز، والاشتراك والترادف والنقل، ثم ينتقل إلى أقسام الدلالة وما يستفاد من المنطوق واللازم والإشارة وغيرها. ويجعل تحرير هذه الدلالات أساسًا لما يأتي بعدها من مباحث الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والمجمل والبيان؛ لأن استنباط الحكم يتوقف على ضبط ما يدل عليه اللفظ بنفسه، وما يفيده بالقرينة أو اللزوم، وما يحتمل فيه أكثر من وجه.
ويبحث الأمر والنهي من جهة حقيقتهما وصيغتهما ودلالتهما وما يترتب عليهما من الأحكام، ويعرض الخلاف في مقتضى صيغة الأمر، وما إذا أفادت الوجوب أو غيره، وما يتصل بالتكرار والفور والتراخي، والأمر بعد الحظر، وتعلق الأمر بالمعدوم أو بما لا يتم المأمور به إلا به. ويقابل ذلك بمباحث النهي ودلالته على التحريم والفساد وما يقع فيه التفصيل بحسب المنهي عنه وصفته وعلاقته بالفعل، مع تحليل الحجج التي أقيمت لكل اتجاه.
ويستوعب مباحث العموم والخصوص، فينظر في صيغ العموم وما يفيد الاستغراق، وأحوال العام عند ورود المخصص، وأنواع المخصصات المتصلة والمنفصلة، وحجية العام بعد التخصيص، وما يتصل بتخصيص الكتاب والسنة وسائر الأدلة بعضها ببعض. كما يبحث المطلق والمقيد وما يوجب حمل أحدهما على الآخر أو يمنع منه، ثم يعالج المجمل والمبين والظاهر والنص وما تتفاوت به مراتب الدلالة والوضوح، ويصل ذلك كله بكيفية استثمار النصوص في إثبات الأحكام.
ويفرد للنسخ مباحث تتناول حقيقته وشروطه والفارق بينه وبين التخصيص والبيان، وما يجوز نسخه وما لا يجوز، وطرق معرفة الناسخ والمنسوخ، وصور النسخ بين الكتاب والسنة وغيرها من الأدلة. ويختبر في أثناء ذلك الحدود والتقسيمات، ويناقش ما يمكن أن يرد عليها من لوازم أو استثناءات، بحيث لا يقف عند نقل الحكم في المسألة، بل يعيد النظر في الطريق الذي بني عليه.
ثم ينتقل إلى الأدلة الشرعية، فيجعلها الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، ويبحث القرآن الكريم من جهة ما تثبت به قرآنيته وما يتعلق بنقله ودلالته، ثم يوسع الكلام في السنة والأخبار. فيفصل المتواتر وشروطه وما يفيده من العلم، ثم خبر الواحد وتعريفه ومراتب رواته وشروط قبوله وما يفيده، ويتناول المرسل والمنقطع والموقوف وسائر الصور المتعلقة باتصال الخبر ونقله، ويعرض الخلاف في حجية هذه الأنواع ومقدار ما يحصل بها من ظن أو علم، وما يقوي الخبر أو يضعفه.
ويبحث الإجماع من جهة تعريفه وإمكان انعقاده وحجيته وشروط أهله وطرق معرفته، وما إذا اشترط انقراض العصر، وأثر مخالفة بعض أهل الاجتهاد أو ظهور مجتهد جديد قبل استقرار الاتفاق، وغير ذلك من المسائل التي تتصل بتحقق الإجماع وثبوت حجيته. ويعرض أدلة المثبتين واعتراضات المخالفين، ويفحص مدى دلالة النصوص والآثار المستدل بها، مع التمييز بين ما يثبت أصل الحجية وما يتعلق بشروط انعقاد الإجماع وصوره.
ويمنح القياس مساحة واسعة، فيبدأ بتعريفه ومناقشة ما يرد على حده، ثم يجعل أركانه الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع، ويفصل شروط كل ركن وما يلزم لصحة إلحاق الفرع بالأصل. ويبحث العلة من حيث حقيقتها وأوصافها وشروطها وطرق إثباتها، وما إذا جاز تعدد الأوصاف المؤثرة، وتعليل الحكم الشرعي بحكم شرعي، والعلة القاصرة والمتعدية، والنص على العلة، وما يجري فيه القياس من الأحكام والأسباب والحدود والكفارات وغيرها.
ويتعمق في مسالك إثبات العلة وما يعرض لها من القوادح، فيناقش المناسبة والسبر والتقسيم والدوران وغيرها من طرق الاستنباط، ويميز بين الوصف والحكمة وما يضبط كلًا منهما. كما يبحث النقض والكسر والنقض المكسور وما إذا كانت هذه الاعتراضات قادحة في العلة، ويعرض مذاهب الأصوليين فيها وأدلتهم، مستعينًا بأمثلة فقهية توضح أثر اختلافهم في ضبط العلة وصحة تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع.
ويضم إلى الأدلة مباحث الاستدلال وما ألحق به من طرق قيل بحجيتها أو نوزع فيها، فيناقش أصولًا من قبيل المصالح المرسلة وما يستدل به لإثباتها أو نفي حجيتها، ويمتحن كل طريق بمقدار قيام الدليل على وجوب العمل به وقدرته على إفادة الحكم الشرعي. ولا يكتفي بإيراد اسم الدليل، بل يبين أساس الخلاف في اعتباره، ويجيب عن الحجج التي يراد بها إثبات الحاجة إليه أو الاستغناء عنه بسائر العمومات والأقيسة.
ويختم مباحث الاستنباط بالاجتهاد، فيعرفه باستفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بحكم شرعي، ثم يبحث شروط المجتهد وما يحتاج إليه من العلوم، والمجتهد فيه، وإمكان تجزؤ الاجتهاد، وحكم الإصابة والخطأ في المسائل الاجتهادية، وما يتصل بتقليد المجتهد وغيره وسؤال المستفتي. ويرتبط هذا الباب بما سبق من الأدلة؛ لأن الاجتهاد عنده هو المرحلة التي يستثمر فيها الفقيه القواعد والدلالات والأمارات للوصول إلى الحكم.
ويجعل الترجيح خاتمةً لازمة لما يقع من تعارض ظاهري بين الأدلة، فيبحث وجوه ترجيح الأخبار والأقيسة وسائر الأمارات، والصفات التي تقوي أحد الدليلين على الآخر، ثم يتناول الترجيح في الحدود السمعية من جهة اللفظ والمعنى والقرائن الخارجية. ويبرز في هذا الباب اتصال مسائل الكتاب بعضها ببعض؛ إذ تعود قوة الخبر، ودلالة اللفظ، وثبوت العلة، وكثرة الطرق، ومقدار الاحتمال، وغيرها من المباحث السابقة لتصبح وجوهًا يعتمد عليها في تقديم دليل على آخر.
ويتميز «بيان المختصر» بأن الأصفهاني لا يعامل متن ابن الحاجب بوصفه نصًا يكتفى ببسط عباراته، بل يجعل كل حد وتقسيم واستدلال موضع فحص؛ فيشرح مراد العبارة، ويكشف مقدماتها، ويعرض ما قيل في تقريرها، ثم يعترض ويجيب ويرجح أو يقترح تحريرًا أدق عند الحاجة. ولهذا يجمع الكتاب بين شرح متن أصولي شديد التركيز وبين مناقشة واسعة لمناهج الأصوليين والمتكلمين والفقهاء في بناء الدليل، فتتضح من خلاله مسائل أصول الفقه من مبادئها وحدودها ودلالاتها اللغوية إلى أدلتها الشرعية، ثم القياس والاجتهاد والترجيح، في بناء مترابط غايته ضبط كيفية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













