
نبذة عن الكتاب:
يحقق صلاح الدين العلائي في كتاب «إجمال الإصابة في أقوال الصحابة» منزلة أقوال الصحابة رضي الله عنهم في الاستدلال، ولا سيما ما انفرد به الواحد منهم ولم يرد فيه نص من الكتاب أو السنة ولا اتفاق صريح، فيعرض المذاهب الأصولية في الاحتجاج بهذه الأقوال، وأدلتها واعتراضاتها، ثم يرتب صور المسألة بحسب مقدار انتشار قول الصحابي وموقف بقية الصحابة منه. ويبدأ بقول الصحابي إذا اشتهر بين جميع الصحابة رضي الله عنهم ولم ينكروه، وهي صورة الإجماع السكوتي، فيعرض الخلاف في كونه إجماعًا وحجة، أو حجة دون أن يسمى إجماعًا، أو عدم حجيته، ويفرق بين تعميم هذه المسألة في جميع عصور المجتهدين وبين تخصيصها بعصر الصحابة رضي الله عنهم، ويرجح قوة الصورة الثانية لما عرف من صدعهم بالحق وإنكار بعضهم على بعض، ثم يجعل الإجماع السكوتي مراتب تتقوى إذا كان في عصرهم، أو في مسألة متكررة الوقوع، أو مما تعم به البلوى، أو فيما يفوت استدراكه من الدماء والفروج. وينتقل إلى ما إذا اطّلع بعض الصحابة على القول دون ثبوت اشتهاره بينهم جميعًا، فيجعله أضعف من الصورة الأولى، ثم إلى الصورة الأكثر وقوعًا، وهي أن ينفرد الصحابي بقول لا يعلم له فيه موافق ولا مخالف؛ وهنا يفصل المذاهب في حجيته، فمنهم من احتج به مطلقًا، ومنهم من نفى حجيته، ومنهم من خص الحجية بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أو بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، أو بما لا يدرك بالقياس، أو بقول الصحابي المعروف بالعلم والاجتهاد. ويولي مذهب الشافعي عناية خاصة، فيراجع ما شاع من حصر الاحتجاج بقول الصحابي في قوله القديم، وينقل من كتبه الجديدة نصوصًا تجعل قول الصحابي الذي لا يعرف له مخالف مرتبة بعد الكتاب والسنة والإجماع وقبل القياس، ويرى أن للشافعي نصوصًا في الجديد أيضًا تدل على الاحتجاج به وتقديمه في بعض الصور على القياس، مع ترجيح أقوال الخلفاء رضي الله عنهم عند تعارض أقوال الصحابة إذا لم توجد دلالة أقوى من الكتاب أو السنة. ويتتبع بعد ذلك أدلة المثبتين والنافين، ومنها فضل الصحابة رضي الله عنهم وقربهم من التنزيل ومعرفتهم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومراده، واحتمال استناد قولهم إلى توقيف لم ينقلوه، في مقابل الاعتراض بأنهم مجتهدون غير معصومين وأنهم كانوا يخالف بعضهم بعضًا، ويزن هذه الأدلة بحسب قوة الدلالة لا بمجرد نسبة القول إلى مذهب معين.
ويخصص العلائي الطرف الرابع لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الحكم على قولين فأكثر، فيرفض أن يؤدي اختلافهم إلى الأخذ بأي قول منهم من غير مرجح، ويرى أن الأظهر هو الترجيح بين أقوالهم كما ترجح الأدلة المتعارضة، بالنظر إلى ما يؤيد كل قول من كتاب أو سنة أو قياس، وإلى كثرة القائلين، وموافقة أحد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وما يتصل بالقول من وجوه القوة الأخرى؛ ويستدل برجوع بعض الصحابة إلى بعض عند ظهور الدليل، كرجوع عمر رضي الله عنه إلى علي ومعاذ رضي الله عنهما في مسائل اجتهد فيها، مما يدل على أنهم لم يفهموا اختلافهم على أن جميع الأقوال متساوية في الصواب. ثم يختم البحث بمسألة أدق، هي قول الصحابي إذا خالف حديثًا نبويًا رواه هو أو رواه غيره، فيقسم المخالفة إلى تخصيص العام أو تقييد المطلق، وحمل اللفظ المحتمل على أحد معانيه، وصرف الظاهر إلى معنى مؤول، ثم ترك مدلول الحديث بالكلية. ففي التخصيص والتقييد يربط الحكم بأصل حجية قول الصحابي وانتشار قوله بين بقية الصحابة، ويعرض أمثلة مثل تخصيص حديث الاحتكار بالقوت عند حاجة الناس، وما نقل في زكاة الخيل، ويرى أن تفسير الصحابي الراوي للفظ المحتمل يكتسب قوة خاصة لأنه شهد أحوال الخطاب وقرائنه، فلا يعدل عنه إلا بمرجح أقوى. أما إذا خالف الصحابي مدلول الحديث الظاهر أو تركه بالكلية، فيعرض مذهب الجمهور في تقديم الخبر، ومذهب أكثر الحنفية في اعتبار مخالفة الراوي قرينة على وجود دليل راجح عنده، ثم يناقش التفصيلات التي تفرق بين مخالفة ناشئة عن نسيان أو ورع أو اجتهاد أو قرينة خفية، ويجعل المدار في النهاية على غلبة الظن؛ فإذا اشتهر بين الصحابة رضي الله عنهم ترك الحديث مع علمهم به وعملوا بخلافه، عادت المسألة إلى أصل الإجماع السكوتي الذي بدأ به الكتاب، وقد يدل ذلك على ناسخ أو صارف لم يصل إلينا. ويُلحق بهذا البحث فائدة في تفاوت الصحابة رضي الله عنهم من حيث كثرة الفتوى المنقولة عنهم، فيجعل عائشة وعمر وابن عمر وعليًا وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم في طبقة المكثرين الذين يمكن جمع فتاوى كل واحد منهم في مصنف كبير، ثم يذكر المتوسطين والمقلين؛ فتأتي هذه الخاتمة مناسبة لمقصود الكتاب كله، إذ تبين أن الاحتجاج بقول الصحابي لا يبحث باعتباره رتبة واحدة جامدة، بل بحسب انتشار القول، ووجود المخالف، وقوة مستنده، ومكان صاحبه في العلم والاجتهاد، وصلته بالنصوص والقياس وسائر وجوه الترجيح.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














