مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب التمذهب دراسة نظرية نقدية لخالد بن مساعد بن محمد الرويتع PDF
كتاب التمذهب دراسة نظرية نقدية لخالد بن مساعد بن محمد الرويتع PDF

نبذة عن الكتاب:

يدرس خالد بن مساعد بن محمد الرويتع في هذا الكتاب ظاهرة الانتساب إلى المذاهب الفقهية من داخل مباحث أصول الفقه، فلا يقصرها على السؤال المشهور عن جواز التزام مذهب معين، بل يتتبع حقيقة التمذهب وأركانه ومجاله وتاريخه وأحكام المتمذهب وعلاقته بالاجتهاد والتقليد والفتوى والنوازل، ثم ينتقل إلى تقويم التجربة المذهبية من جهة آثارها الإيجابية والآثار السلبية التي صاحبت بعض تطبيقاتها وأسباب تلك السلبيات وطرق علاجها. والكتاب في أصله رسالة دكتوراه في أصول الفقه، وقد بنى المؤلف دراسته على بابين كبيرين: دراسة نظرية للتمذهب، ودراسة نقدية له، قاصدًا تجاوز الكتابات التي تناولته من زاوية الدفاع المطلق عنه أو مهاجمته دون استيعاب جوانبه المختلفة.
ويبدأ بتحرير مفهوم التمذهب نفسه؛ إذ يرى أن جانبًا من الاضطراب في الحكم عليه ناشئ من اختلاف المقصود بالمصطلح، ثم يختار تعريفه بأنه «التزام غير العامي مذهب مجتهد معين في الأصول والفروع، أو في أحدهما، أو انتساب مجتهد إليه». ويجعل الالتزام مدار حقيقة التمذهب، سواء كان التزامًا لا يخرج صاحبه عن المذهب، أم التزامًا في الجملة يجيز الخروج عنه لمسوغ كظهور دليل يخالفه. كما يخرج العامي من حقيقة التمذهب الاصطلاحية لأنه لا يملك أهلية معرفة المذهب واختياره على أساس علمي، ويدخل فيه المجتهد والعالم الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد والمتعلم الذي ارتفع عن مرتبة العامي.

ولا يحصر التمذهب في الفروع الفقهية، بل يجعله ممكنًا في أصول الفقه أيضًا؛ فقد يلتزم الباحث أصول إمام وقواعده في الاستنباط دون جميع فروعه، أو فروعه دون جميع أصوله، أو يلتزم الجانبين معًا. ويقصر محل التمذهب على المسائل الاجتهادية التي لم يقم عليها دليل قاطع، فيدخل فيه ما ثبت بدليل ظني أو ما لم يرد فيه نص أصلًا، ويخرج ما علم من الدين بالضرورة، وما ثبت بإجماع قاطع، وما كان دليله قطعي الثبوت قطعي الدلالة. ومن ثم يصير التمذهب عنده فرعًا عن وجود مجال للاجتهاد لا موقفًا من الأحكام القطعية.
ويفصل بين التمذهب ومجموعة من المصطلحات التي تختلط به في الجدل المعاصر، فيبحث علاقته بالتقليد والاجتهاد والاتباع والتأسي والتعصب والخلاف والانتصار للمذهب والصلابة فيه. والمقصود من هذا التفريق منع التسوية بين مجرد الانتساب العلمي إلى مذهب وبين التقليد المحض أو التعصب له؛ فالتمذهب قد يصاحبه علم بالدليل ومناقشة لمأخذ الإمام والمذاهب الأخرى، وقد يقع بغير ذلك، وقد يؤدي النظر في الدليل إلى مخالفة المذهب نفسه. ولذلك لا يجعل التعصب عنصرًا لازمًا في ماهية التمذهب، بل يعده انحرافًا يمكن أن ينشأ عن التطبيق الخاطئ له.
ويحلل أركان التمذهب في ثلاثة أطراف: إمام المذهب، والمتمذهب، والمذهب نفسه. فعند إمام المذهب يبحث شروطه وطرق معرفة أقواله، ولا يقصر نسبة القول إليه على النص الصريح، بل يناقش مفهوم قوله وفعله وسكوته وتوقفه والقياس على قوله ولازم قوله وثبوت الحديث الموافق لأصوله. ويشدد على الفرق بين القول المنصوص عن الإمام وبين ما يخرجه أصحابه على قواعده، حتى لا تتحول التخريجات اللاحقة إلى أقوال تنسب إلى الإمام بلا قيد. ومن اختياراته أنه إذا نص الإمام على علة الحكم أمكن نسبة نظير الحكم إليه بطريق القياس، أما إذا استنبطت العلة ولم ينص عليها فينبغي تقييد النسبة بعبارة من قبيل «قياس قوله» مع بيان الأصل المقيس عليه.
ويتوقف خصوصًا عند نسبة القول إلى الإمام بسبب ثبوت حديث؛ فيميز بين أن يروي الإمام الحديث ولا يعرف عنه خلافه، وأن يرويه ويخالفه، وأن يثبت الحديث من غير طريقه مع وجود قول له يخالفه، وأن يثبت ولا ينقل عنه في المسألة قول. فلا يجيز أن يقال بإطلاق إن «كل حديث صحيح هو مذهب الإمام» على معنى نسبة القول التاريخية إليه دون تفصيل، وإنما يبحث القرائن التي تسمح بتلك النسبة. وفي الصورة التي لا يعرف فيها عن الإمام قول، ويثبت الحديث وتكون من أصول الإمام حجية مثله، يجيز نسبة ذلك إلى مذهبه مع التصريح بأن المسألة لم يرد فيها نص عنه وأن الحكم مخرج على أصله.

ويبحث المتمذهب نفسه من حيث شروطه وطبقته العلمية وعلاقته بالمخرج والفروعي والمجتهد، ثم يقارن محاولات العلماء تقسيم طبقات أهل المذاهب، من ابن الصلاح وابن حمدان وابن القيم وابن كمال باشا إلى شاه ولي الله الدهلوي ومحمد أبي زهرة وغيرهما. وبعد الموازنة يقترح تقسيم المتمذهبين إلى أربع طبقات: المجتهد المطلق المنتسب إلى مذهب، والمجتهد المقيد في مذهب إمام معين، ومجتهد الترجيح، وحافظ المذهب. وبذلك لا يعامل المنتسبين إلى المذهب كطبقة واحدة من المقلدين، بل يجعل بينهم تفاوتًا كبيرًا بحسب القدرة على التخريج والترجيح ومعرفة الدليل.
ويفصل في «المذهب» بوصفه الركن الثالث، فيبحث طرق ثبوت المذهب وشروط نقله وصور الخطأ في نسبته، ثم يجمع عددًا كبيرًا من الألفاظ الاصطلاحية التي يستعملها فقهاء المذاهب في نقل الآراء وترتيبها، مثل الرواية والقول والوجه والاحتمال والتخريج والصحيح والمعروف والراجح وقياس المذهب والمشهور وظاهر المذهب والضعيف والشاذ والطرق والإجراء والتوجيه. وينبه إلى أن مجرد وجود حكم في كتاب مذهبي لا يكفي دائمًا لنسبته إلى الإمام أو حتى إلى المعتمد في المذهب، ولذلك يجعل معرفة مصطلحات كل مدرسة ومراتب أقوالها جزءًا من حقيقة التفقه فيها.
ويتتبع نشأة التمذهب تاريخيًا، فيقرر أن العصور السابقة لظهور المذاهب لم تعرف التمذهب بمعناه الاصطلاحي المتأخر ولا النسبة المذهبية المستقرة إلى مجتهد بعينه، وإن وجدت مبكرًا لبنات مدارس علمية واتجاهات في التلقي والاستنباط. ثم يدرس نشوء المذاهب الفقهية وأسباب تكونها وبقاء الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي دون كثير من المذاهب الأخرى، ويذكر من عوامل استمرارها التلاميذ الذين خدموها، ورعاية بعض الدول لها، والمدارس والأوقاف، وانتشارها في أقاليم متعددة. ثم يقسم تاريخ التمذهب إلى مراحل، ويرصد انتقاله من طور التلامذة والأصحاب إلى سيطرته على الحياة العلمية بعد القرن الثالث الهجري، وما صاحب ذلك من تحرير المذاهب والتخريج والترجيح والمناظرة، ثم ما ظهر في عصور لاحقة من التقليد المحض والتعصب، وصولًا إلى العصر الحديث الذي ضعفت فيه حدة الانغلاق المذهبي مع ظهور المجامع الفقهية والاجتهاد الجماعي ودعوات العودة المباشرة إلى النصوص.
ويجعل مسألة حكم التمذهب من أكثر قضايا الكتاب تحريرًا، ويمهد لها بمسألة تقليد المجتهد الميت لأن عمل المتمذهب غالبًا مرتبط بأقوال إمام توفي، وينتهي إلى جواز تقليد المجتهد الميت. ثم يبحث التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي، ويقرر أن العلماء لا يوجبونه، ويرجح إمكانه من جهة التنظير مع ملاحظته أن تحقيقه عمليًا شديد الصعوبة بسبب عدم اكتمال نقل مذاهبهم على الصورة التي نقلت بها المذاهب المتبوعة.
وعند المذاهب الأربعة لا ينتهي إلى وجوب التزام واحد منها على كل طالب علم، ولا إلى منع التمذهب أصلًا، وإنما يختار أن التمذهب بها جائز في الجملة، مع تفصيل الحكم بحسب صورة الالتزام وحال المتمذهب. ويفرق خصوصًا بين الانتساب إلى مذهب بوصفه منهجًا للتفقه وبين إغلاق باب النظر في الأدلة، أو الالتزام بالمذهب مهما خالف ما ظهر للمتمذهب المتأهل من الدليل. ويقرر أن كثيرًا من كلام ابن حزم وابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم في ذم المذهبية يتوجه في حقيقته إلى التقليد المذهبي الخالي من معرفة الدليل، لا إلى كل صورة من صور الانتساب إلى مدرسة فقهية. كما ينص على أن المتمذهب المتأهل إذا خرج عن مذهبه لرجحان مذهب آخر في المسألة فقد أحسن.

ويبحث التمذهب بغير المذاهب الأربعة فيميز المذاهب المندثرة والمذهب الظاهري والمذاهب الفقهية للفرق المخالفة. ويرى أن الأولى ترك التمذهب بمذهب مندثر لصعوبة ضبطه واستيعاب أصوله وفروعه، بينما يفرد الظاهرية لكون مذهبهم مدونًا وله أصول وفروع واضحة، ويرى صعوبة القطع بمنع الانتساب إليه مع ترجيحه أن الأولى ترك التمذهب به. أما إذا كان المذهب الفقهي تابعًا لفرقة ذات بدعة مكفرة فيمنع الانتساب إليه، ويمنع كذلك عنده التمذهب بالمذهب الفقهي لفرقة ذات بدعة غير مكفرة لاعتبارات فصلها في موضعها.
ويناقش الانتقال عن المذهب بوصفه أثرًا مباشرًا لفهم التمذهب؛ فمن بلغ درجة الاجتهاد المطلق لا يبقى ملزمًا بالتمذهب في أحكامه، بل يصبح فرضه الاجتهاد. ويجيز للمتمذهب الانتقال كلية من مذهب إلى آخر، لكنه يربط مدح الانتقال أو ذمه بالبواعث؛ فإن كان باعثه دينيًا كان محمودًا، وإن كان لغرض دنيوي كان مذمومًا. كما يجيز الخروج عن المذهب في مسائل متفرقة إذا اطمأنت نفس المتمذهب إلى القول الآخر وسلم قصده من التلهي والهوى.

ويفرد لتتبع الرخص والتلفيق معالجة مستقلة حتى لا يختلط الخروج المشروع عن المذهب بالانتقاء القائم على الهوى. فيعرّف تتبع الرخص بأخذ المكلف في الوقائع بأخف الأقوال، ويفرق بين من يتخذ الأخف مسلكًا دائمًا بلا حاجة أو مسوغ وبين من يلجأ إلى رخصة لسبب معتبر، ثم يرجح تحريم تتبع الرخص بالمعنى الأول. أما التلفيق فيعرفه بتركيب كيفية في مسألة واحدة ذات فروع مترابطة، أو في مسألتين لهما حكم المسألة الواحدة، من أقوال مجتهدين بحيث لا يقول أحد منهم بصحة الصورة المركبة. ويقسمه إلى تلفيق في الاجتهاد، وفي التقليد، وفي التقنين، ويرفض إصدار حكم واحد على جميع صوره؛ فالعامي لا يسهل إبطال عبادته بمجرد وقوعه في صورة ملفقة، والمتمذهب يختلف حكمه بحسب اجتهاده وقصده واقتران التلفيق بتتبع الرخص أو خلوه منه.

ويجعل عمل المتمذهب عند ظهور دليل مخالف لمذهبه من المسائل المركزية في الكتاب. فلا يقبل الاحتجاج بأن الإمام لا بد أن يكون قد عرف كل نص وخالفه لدليل أقوى، لأن الأئمة أنفسهم قرروا أن الإحاطة بجميع السنن غير ممكنة، ولأن سعة علم الإمام لا تستلزم علمه بكل حديث. ولذلك يقرر أن المتمذهب المتأهل إذا ثبت عنده الدليل وظهر رجحانه على قول إمامه فعليه اتباع ما ظهر له، فإن تبين له لاحقًا وجود معارض أقوى جاز أن يرجع إلى قول إمامه، ويشبه ذلك بتغير اجتهاد المجتهد. وفي الوقت نفسه يحذر من التسرع في دعوى مخالفة المذهب للحديث، فيشترط التثبت من صحة الرواية والنظر في أحكام أئمة الحديث والعلل الخفية والزيادات والشذوذ قبل بناء الحكم على ظاهر إسناد يبدو صحيحًا.
ويفصل كذلك في تعدد أقوال الإمام ورجوعه عن أحدها، فلا يجعل كل ما روي عنه مذهبًا مستمرًا له على السواء. فإذا صرح بالرجوع أو ثبت رجوعه لم تصح نسبة القول القديم إليه باعتباره رأيه القائم، وإذا جهل المتقدم والمتأخر رجح أن أحد القولين هو المستقر دون تعيينه، ويختار للمتمذهب عند العمل الأخذ بما كان أشبه بأصول الإمام وقواعد مذهبه. كما يناقش أخذ القول المرجوع عنه، ويفرق بين ما إذا صار الحكم بعد الرجوع محل اتفاق أو ظل موضع خلاف وبين أخذ القول لقوة دليله وأخذه لمجرد نسبته القديمة إلى الإمام.

ويبحث الفتوى داخل المذهب باعتبارها وظيفة متفاوتة بحسب مراتب المنتسبين إليه، فيجيز لمجتهد المذهب الإفتاء على أصول مذهبه، ولمجتهد الترجيح الإفتاء بما رجح عنده منه، أما حافظ المذهب فيقيده بما نص الإمام على حكمه إذا لم يوجد من هو أعلى منه، ولا يعطيه سلطة إنشاء حكم فيما لا يعرف فيه نصًا أو تخريجًا مؤهلًا له. والأصل عنده أن تكون الفتوى بالمعتمد أو الصحيح، لكنه يجيز في حالات مخصوصة الإفتاء بقول ضعيف إذا كان المفتي عارفًا بالمذهب، ولم يكن القول شاذًا أو شديد الضعف، وكانت ثمة ضرورة أو حاجة أو مصلحة راجحة، مع عدم نسبة القول إلى الإمام على خلاف الحقيقة. كما يجيز للمتمذهب أن يفتي بغير مذهبه إذا ترجح عنده الدليل، مع إعلام المستفتي بمذهب إمامه، ويمنع أن يكون مجرد طلب السهولة سببًا لترك المذهب.

ويربط التمذهب مباشرة بفقه النوازل، لأن أقوال الأئمة لا يمكن أن تستوعب كل الحوادث المتجددة، ولذلك استمر المتمذهبون في استخراج أحكام المستجدات بتخريجها على أصول المذهب أو فروعه. ويعرف هذا التخريج بإلحاق النازلة التي لم ينص الإمام عليها بقاعدة من قواعد مذهبه أو بفرع يشبهها، ويشترط لذلك صحة نسبة الأصل أو الفرع الذي يقع عليه التخريج إلى الإمام أو المذهب، ووجود من بلغ من فقهاء المذهب رتبة تمكنه من فهم علل الفروع وإجراء القواعد على الوقائع الجديدة. وبهذا لا يصور المذهب مخزنًا مغلقًا للأحكام القديمة، بل إطارًا منهجيًا يمكن أن يولد داخله اجتهاد مقيد في المستجدات.
ثم ينتقل إلى الدراسة النقدية بالسؤال عن الحاجة إلى المذاهب أصلًا، ويقرر أن وجود أخطاء في تاريخ الممارسة المذهبية لا يبرر إلغاء المذاهب، لأن المذاهب المتبوعة من الطرق التي حفظت فقه الشريعة وأصول الاستنباط، والتفقه من خلالها من سبل تكوين الفقيه ومن وسائل معرفة حدود الخلاف السابق حتى لا يحدث قولًا يخرق إجماعًا قائمًا. ويجعل المشكلة في سوء السير داخل المذهب لا في مجرد وجود المذهب، وهو التفريق الذي يبني عليه بقية نقده.
ويحصي للتمذهب آثارًا إيجابية متعددة، منها ازدهار المناظرات الفقهية والأصولية، وكثرة التأليف في الفقه والأصول والقواعد وأدلة المذاهب والطبقات والمناقب والردود، وتجنب كثير من الأقوال الشاذة، والإحاطة المنظمة بالمسائل الفقهية والأصولية، وتهيئة طالب العلم للارتقاء إلى الاجتهاد، وتقليل التناقض في الاختيارات الجزئية؛ لأن المنتسب إلى مدرسة أصولية لا يختار كل مسألة بمعيار منفصل عن بقية اختياراته، فضلًا عن إسهام البيئة المذهبية في نشأة فنون الفروق الفقهية والأشباه والنظائر.
وفي المقابل لا يتردد في تسجيل آثار سلبية واسعة ظهرت لدى بعض المتمذهبين، ويضع التعصب المذهبي في مقدمتها، ومن صوره الإعراض عن الاستدلال بالكتاب والسنة الصحيحة، والتكلف في رد دلالة النصوص إذا خالفت المذهب، ونصرة القول بأحاديث واهية، وقبول الحديث عندما يوافق المذهب ثم ترك دلالته في موضع آخر عندما تخالفه. ويضيف إلى ذلك دعوى إغلاق باب الاجتهاد ومحاربة من يدعيه، وظهور بعض الحيل الفقهية، والانغلاق عن معرفة ما لدى المذاهب الأخرى. لكنه يصرح بأن هذه النتائج ناشئة عن التطبيق الخاطئ للتمذهب، وأن التمذهب في ذاته لا يعني الجمود ولا ترك الأدلة ولا التعصب.
ويبحث الأسباب التي غذت هذه السلبيات بدل الاكتفاء بإدانتها، فيذكر الغلو في تعظيم الأئمة، واعتقاد أن الإمام لا يمكن أن يخفى عليه شيء من الأدلة، واتباع الهوى، والتعصب، وتحول بعض المناظرات إلى انتصار للنفس والمذهب، والإلف الطويل لمذهب واحد، والخوف المبالغ فيه من تتبع الرخص والتلفيق، وآثار الأوقاف المذهبية، وردود الأفعال بين أنصار المذهبية ومعارضيها، وضعف التأهيل العلمي والكسل عن النظر والمقارنة. ويقترح للعلاج العناية بالكتب المذهبية التي تجمع بين التحقيق والاستدلال، والاطلاع على سائر المذاهب وأقوال السلف، واجتماع علماء المدارس المختلفة لدراسة النوازل، وتربية طالب العلم على احترام المخالفين، وتقوية التخصص وطرائق التعليم.

ويناقش في آخر الدراسة مشروع «توحيد المذاهب الفقهية» الذي دعا بعض معارضي التمذهب من خلاله إلى تجاوز المذاهب القائمة وصوغ مذهب واحد، ويعرض بصورة خاصة المشروع الذي قدمه محمد عيد عباسي ثم ينقد إمكان تطبيقه وصلاحيته. ولا يجعل اعتراضه على المشروع دفاعًا عن كل ما أنتجته المذهبية، بل يفصل بين أمرين: تعظيم الدليل والعمل به، وهو مقصد يقره، وبين تحويل ذلك إلى مشروع لإلغاء التعدد المذهبي وصنع مذهب موحد جديد، وهو المشروع الذي لا يراه صالحًا لتحقيق الغاية المقصودة.
وينتهي الرويتع إلى توصيات تتجه إلى إصلاح البناء المذهبي من داخله بدل إلغائه؛ فيدعو إلى تحرير أقوال أئمة المذاهب والتمييز بين نصوص الإمام وما خرجه أصحابه عليه، ومراجعة الأقوال الضعيفة والشاذة في كل مذهب، وإنشاء مشروعات علمية تجمع أدلة المذاهب في الفقه والأصول وتناقش الاعتراضات الواردة عليها، ودراسة أثر فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين في تكوين المذاهب، وتتبع تطور المصطلحات الأصولية عبر القرون، وإفراد التجديد الأصولي والفقهي بدراسة مستقلة. وبهذه التوصيات يقف الكتاب عند ضرورة الجمع بين حفظ الثروة المذهبية وإعادة فحصها بالدليل والتحقيق، من غير أن يتحول الانتساب إلى المذهب إلى عصمة لأقوال الرجال، ومن غير أن يتحول نقد التعصب إلى إهدار للمذاهب التي حفظت طرق الاستنباط والفقه المتراكم عبر القرون.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

خالد بن مساعد بن محمد الرويتع
خالد بن مساعد بن محمد الرويتع: عضو في هيئة التدريس بقسم أصول الفقه في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وُلد سنة 1395هـ. حصل على درجة الدكتوراه من قسم أصول الفقه بكلية الشريعة في الرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكانت رسالته بعنوان «التمذهب: دراسة نظرية نقدية».
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب التمذهب دراسة نظرية نقدية لخالد بن مساعد بن محمد الرويتع PDF - مكتبة الكتب الإسلامية