مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الحيل لمحمد المسعودي PDF
كتاب الحيل لمحمد المسعودي PDF

نبذة عن الكتاب:

يَبحث محمد المسعودي في كتاب «الحيل» واحدًا من أدق موضوعات الفقه، وهو استعمال الوسائل والتصرفات الظاهرة للوصول إلى غايات قد تكون مشروعة وقد تكون محرمة، ويَسعى إلى التمييز بين الحيلة التي تحقق مقصدًا شرعيًّا والحيلة التي تُستعمل لإسقاط واجب أو استحلال محرم أو إبطال حق. ولا يَتعامل مع لفظ «الحيلة» على أنه مذموم في ذاته، بل يَبني الكتاب على أن الحكم يختلف باختلاف المقصد والطريق والنتيجة؛ فقد تكون الحيلة طريقًا إلى أداء واجب أو رفع ظلم أو استخلاص حق، وقد تكون وسيلة إلى التحايل على أحكام الشريعة وإبطال مقاصدها. ويذكر المؤلف أن أصل البحث كان محاضرة تناول فيها جانب الحيل المحظورة، ثم أكمله استجابة لطلب طلاب العلم ليشمل الحيل الجائزة أيضًا، ورتبه في مقدمة وتمهيد و7 فصول، مع الاعتماد على الأدلة والأمثلة وتيسير العبارة.

ويُمَهِّد قبل الدخول في الحيل بعرض موجز لأصول الأحكام التي يحتاج إليها الفقيه في فهم هذا الباب، لأن الحكم على الحيلة عنده لا ينفصل عن معرفة المصدر الذي يثبت به الحكم الشرعي والطريقة التي تُعرف بها مقاصده. فيَعرض القرآن الكريم والسنة والإجماع والاستصحاب والقياس، ثم الأصول المختلف فيها مثل شرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع والعرف. ولا يَقصد استقصاء مسائل هذه الأدلة، بل يَذكر منها القدر الذي يُهيئ لفهم الحيل ويُظهر كيف يُرد التصرف الجديد إلى أصول الشريعة وقواعدها.

ويَعرض القرآن الكريم بوصفه أصل التشريع، ثم السنة النبوية من حيث القول والفعل والتقرير، ويتعرض بإيجاز لأقسام الأخبار من المتصل وغير المتصل والمتواتر والآحاد وما يَسميه الحنفية بالمشهور. ثم يَشرح الإجماع باعتباره اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على حكم ديني، ويُبرز أن اتساع الدولة الإسلامية وتجدد الوقائع حمل الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على الاجتهاد في النوازل، فما اتفقوا عليه كان إجماعًا وما اختلفوا فيه بقي مجالًا للاجتهاد.

ويُعرِّف استصحاب الحال بإبقاء ما كان على ما كان حتى يقوم الدليل المغير، ويَذكر له صورًا من براءة الذمة واستصحاب الدليل والحكم وحال الإجماع. ثم يُعرِّف القياس بإلحاق فرع بأصل لعلة جامعة بينهما، ويُمثِّل بإلحاق الأرز بالبر في الربا، والنبيذ بالخمر في التحريم لاشتراكهما في العلة. كما يَعرض شرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، والاستحسان، ويَختار في تفسير الاستحسان أنه ليس مجرد استحسان عقلي بلا دليل، وإنما العدول بحكم مسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص أقوى في نظر المجتهد.

ويُفصِّل كذلك المصلحة المرسلة، فيجعلها جلب منفعة أو دفع مضرة لم يشهد الشرع لها باعتبار معين ولا بإبطال، ثم يَذكر تقسيم المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، ويُدرج تحت الضروريات حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل. كما يتعرض للعُرف بوصفه ما تعارف عليه الناس مما لا يخالف دليلًا شرعيًّا معتبرًا، ويَربطه بتفسير الألفاظ والتصرفات بحسب الاستعمال الجاري. والغرض من هذا التمهيد كله أن تتوفر للقارئ الأدوات التي سيُحاكم بها صور الحيل؛ لأن المسألة لا تُحسم بمجرد كون الفعل في ظاهره عقدًا صحيحًا أو تصرفًا مباحًا، بل يُنظر إلى دليله ومقصده ومآله.

ويَخص سد الذرائع ببحث مستقل قبل تعريف الحيلة لما بين القاعدتين من اتصال وثيق. فالذريعة في الاصطلاح الذي يورده هي الوسيلة التي يكون أصلها مباحًا لكنها تُفضي إلى محرم، ويَذكر من شواهدها النهي عن سب معبودات المشركين إذا أدى ذلك إلى سب الله تعالى، والنهي عن بعض الألفاظ التي يمكن اتخاذها طريقًا إلى معنى فاسد، وامتناع النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن بعض الأفعال خشية ما يترتب عليها من مفاسد. ويَقرر أن النظر إلى المآلات والوسائل جزء لازم من الحكم، لأن تحريم الغاية قد يقتضي منع الطريق المؤدي إليها.

ويُميِّز بعد ذلك بين الذريعة والحيلة، فيُبيِّن أنهما قد تجتمعان وقد تفترقان. فإذا كانت الوسيلة إلى المحرم مقصودة للفاعل اجتمع معنى الذريعة والحيلة، وقد توجد ذريعة من غير قصد التحيل، كما في فعل مباح يفضي إلى مفسدة لم يقصدها فاعله، وقد توجد حيلة باستعمال أمر مباح لتحقيق غرض آخر لا يتوقف وصفه على كونه ذريعة بالمعنى نفسه. ويَذكر تقسيمًا يشتمل على ما هو ذريعة وحيلة معًا، وما هو ذريعة من غير تحيل، وما يكون تحيلًا باستعمال مباح في الأصل مثل نقل النصاب أثناء الحول فرارًا من الزكاة أو التصرف لإسقاط الشفعة.

ثم يَدخل في تعريف الحيلة نفسها، فيَرجع إلى أصلها اللغوي المرتبط بالحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف والتحول من حال إلى حال، وينقل تعريفات تدور حول التوصل إلى المقصود بتدبير أو لطف أو خفاء. ومن هنا يَستخلص أن الحيلة في أصل اللغة ليست وصفًا للشر وحده، فقد تُستعمل فيما فيه خبث كما قد تُستعمل فيما فيه حكمة، وأن الحكم الأخلاقي والشرعي لا يثبت من مجرد الاسم بل من طبيعة الغاية والطريق الذي سلك للوصول إليها.

ويُفصِّل إطلاقات الحيلة فيذكر لها درجات متعددة. فقد تُطلق بمعناها العام على الحذق وجودة التصرف والتوصل إلى المقصود من غير اشتراط الخفاء ولا المدح أو الذم، وتُطلق على الطرق الخفية التي تحتاج إلى ذكاء، ثم تضيق لتدل على الطريق الخفي الموصل إلى غرض مذموم، ثم يغلب استعمالها عند الفقهاء والمحدثين في الوسائل التي تُستحل بها المحرمات أو تُسقط بها الواجبات ظاهرًا، مع أن بعض الفقهاء يَستعملها أيضًا في «المخارج» الشرعية التي تُخلِّص المكلف من ضيق من غير أن تخالف مقصد الشريعة.

ويُوازن المؤلف بين هذه الإطلاقات، فيجعل أعمها مطلق التصرف الموصل إلى غرض، ثم ما اشترط فيه الخفاء، ثم ما كان طريقًا خفيًّا إلى غرض مذموم، ثم الاستعمال الفقهي الغالب في التحيل على الأحكام، مع بقاء استعمال آخر للحيلة بمعنى المخرج المشروع. ومن هذه الموازنة يَصل إلى أن الحيلة جنس يمكن أن تندرج تحته الأحكام التكليفية المختلفة؛ فقد تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة بحسب ما تُفضي إليه. فاستعمال الأسباب للوصول إلى طاعة أو إنقاذ مظلوم حيلة بالمعنى العام، كما أن استعمال الأسباب لإبطال الحقوق أو استحلال الحرام حيلة كذلك، لكن الحكم يختلف باختلاف المقصود.

ويتناول الألفاظ القريبة من الحيلة كالمكر والخديعة والكيد، ويَبين أن أصلها قد يصدق على فعل محمود أو مذموم بحسب الغرض؛ فالخداع في الحرب مثلًا يُذكر باعتباره وسيلة مشروعة، بينما يكون المكر المفضي إلى الظلم والخيانة مذمومًا. والمهم عنده أن مجرد وجود قدر من الخفاء أو الذكاء في التصرف لا يكفي للحكم بالتحريم؛ فالميزان هو موافقة الشرع في المقصد والوسيلة وعدم قلب الأحكام أو الاعتداء على الحقوق.

ثم يضع الضابط المركزي الذي تنتظم به بقية مباحث الكتاب: فالحيلة الجائزة هي كل طريق مشروع يترتب على سلوكه تحقيق مقاصد الشارع، من فعل المأمور وترك المنهي عنه وإقامة الحق وقمع الباطل. والحيلة غير الجائزة هي كل طريق يترتب عليه إبطال مقصد شرعي أو العبث به بإسقاط واجب أو ارتكاب محرم أو قلب الحق باطلًا والباطل حقًّا. وبذلك يَرفض الحكم العام بصحة جميع الحيل أو بطلانها جميعًا، ويربط كل صورة بما تحققه أو تهدمه من مقاصد الشريعة.

ولأن هذا الضابط متوقف على معرفة «مقاصد الشارع»، يُفرد المؤلف لذلك فصلًا مستقلًا يَلخص فيه منهجًا مستفادًا من الشاطبي. ويَقرر أن المقاصد لا تُعرف بالوقوف عند ألفاظ النصوص وحدها مع إهدار المعاني، ولا بإطلاق النظر في المصالح والمعاني حتى تعطل النصوص، بل لا بد من الجمع بين اللفظ والمعنى بحيث لا يُلغى أحدهما بالآخر. ومن هنا تصبح معرفة المقصد عملية أصولية منضبطة بالنصوص وعلل الأحكام والاستقراء، لا دعوى حرة يستطيع المحتال أن يَنسب بها إلى الشرع ما يشاء.

ويَذكر عدة جهات لمعرفة المقاصد، تبدأ بالأوامر والنواهي؛ فالأمر يَدل على أن حصول المأمور به مقصود، والنهي يَدل على أن عدم وقوع المنهي عنه مقصود. ثم تأتي علل الأوامر والنواهي؛ فإذا كانت العلة معلومة اتُّبعت حيث وُجدت، مثل ارتباط النكاح بمصالحه، والبيع بالانتفاع بالمعقود عليه، والحدود بالزجر. أما إذا لم تظهر العلة فلا يجوز القطع بأن الشارع قصد معنى معينًا من غير دليل. ويُفرِّق في هذا السياق بين غلبة التعبد في العبادات وغلبة الالتفات إلى المعاني في العادات والمعاملات.

ويَبحث كذلك المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة؛ فقد يكون التصرف مؤكدًا للمقصد الأصلي ومقويًا له فيكون موافقًا له، وقد يفضي إلى إزالته فيكون مناقضًا، وقد لا يؤكده ولا يهدمه فتحتاج المسألة إلى نظر بحسب نوعها. ويُمثِّل بالنكاح الذي يَجعل من مقاصده الأصلية التناسل والعفة والمساكنة، ثم تلحق بذلك مقاصد تابعة كالتعاون والانتفاع المشروع والارتباط الأسري، فإذا استعملت الوسيلة على وجه يقوي المقصد الأصلي لم يكن ذلك تحيلًا مذمومًا، بخلاف ما إذا تحولت إلى طريق لإبطاله.

ويُضيف إلى طرق معرفة المقاصد النظر في سكوت الشارع؛ فيُفرِّق بين واقعة لم توجد في زمن التشريع ثم استجدت، فتُرد إلى الأصول والكليات، وبين أمر كان مقتضيه موجودًا في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يُشرع فيه حكم زائد، فيَعتبر السكوت في بعض هذه الصور دالًّا على عدم مشروعية الزيادة. ويَعرض أمثلة فقهية لذلك، ويربط هذا الأصل بالتمييز بين معالجة النوازل المستجدة وبين إحداث تصرف في موضع كان سببه قائمًا زمن التشريع ولم يُنقل العمل به.

ثم يُقسِّم الحيل إلى جائزة ومحظورة. فالجائزة عنده هي التي يكون مقصدها مشروعًا من إثبات حق أو دفع باطل، ويُقسِّمها من جهة الوسيلة إلى ما وُضع أصلًا لتحقيق ذلك المقصد، وما كان مشروعًا في نفسه ولم يُشرع ابتداءً لذلك الغرض لكنه لا يناقض المقصد الأصلي. ويَذكر من النوع الأول الاشتراطات الصحيحة في العقود، والمعاريض التي تُستعمل لدفع مفسدة أو تحقيق مصلحة من غير كذب، ويورد أمثلة من الأخبار التي يُستعمل فيها اللفظ الصادق بطريقة لا تكشف للمخاطب كل المراد.

أما النوع الثاني من الحيل الجائزة فيُمثِّل له بالنكاح لمقصد تابع مشروع، كطلب المعاونة أو الاعتزاز بأهل الزوجة أو الانتفاع المشروع بمالها، ما دام هذا الغرض لا يناقض مقاصد النكاح الأصلية. وهنا يظهر أن المؤلف لا يَشترط أن تكون كل غاية تابعة هي السبب الأول الذي شُرع التصرف من أجله؛ وإنما يكفي ألا تهدم المقصد الشرعي وألا تجعل العقد وسيلة إلى محرم.

ويَجعل الحيل المحظورة ثلاثة أنواع كبيرة. الأول أن تكون الوسيلة نفسها محرمة والمقصد محرمًا، كالطرق التي تُستعمل لأخذ أموال الناس أو ظلمهم أو سفك الدماء أو إبطال الحقوق. والثاني أن تكون الوسيلة في أصلها مباحة لكنها تُستعمل لقصد محرم، مثل السفر الذي يكون مباحًا في نفسه ثم يُقصد به ارتكاب معصية، فيتغير حكمه بسبب الغاية التي قصدت منه. والثالث ـ وهو أكثر الأنواع اشتباهًا وأشدها عناية في الكتاب ـ أن تكون الوسيلة مباحة ومشروعة لغرض صحيح، ثم يستعملها المكلف لقصد محظور لم تُشرع له.

ويَجعل هذا النوع الثالث أصل كثير من الحيل الفقهية المذمومة؛ لأن المحتال لا يأتي بصورة محرمة ظاهرة، بل يستعمل عقدًا أو تصرفًا صحيح الصورة لهدم الحكم الذي شُرع ذلك العقد أو التصرف في إطاره. ومن أمثلته بيع النصاب أو هبته قبل تمام الحول فرارًا من الزكاة، حيث يكون البيع أو الهبة مشروعًا في الأصل لكن القصد منهما منع وجوب حق شرعي. ويرى المؤلف أن هذه الصورة محرمة من جهة المقصد، لأنه إسقاط لما أوجبه الله تعالى، ومن جهة الوسيلة كذلك، لأنها استُعملت على خلاف الغرض الذي شُرعت له.

ويُقسِّم هذا النوع من الحيل إلى أضرب بحسب زمن الحكم المراد إسقاطه وطبيعته. فمنها الاحتيال على إباحة محرم قائم، كصور الربا ونكاح التحليل، ومنها الاحتيال على منع حكم قد انعقد سببه وهو صائر إلى الوقوع، ومنها الاحتيال على إسقاط واجب ثابت بالفعل كالدَّين والنفقة، ومنها الاحتيال لمنع وجوب حق لم يجب بعد لكن سببه قائم وقريب من التحقق، كالفرار من الزكاة قبل تمام الحول أو استعمال التصرفات لإسقاط الشفعة.

ويُفصِّل في الحيل الربوية، ومن صورها أن يُضاف إلى أحد العوضين شيء لا يُقصد حقيقة ليظهر العقد خارجًا عن صورة بيع الربوي بجنسه متفاضلًا، أو أن يُضم إلى العقد المحرم عقد آخر لا غرض حقيقي فيه سوى الوصول إلى النتيجة المحرمة. ويَرفض أن يؤدي تغيير الهيئة الخارجية للعقد إلى تغيير حكم المقصد إذا ظلت الحقيقة الاقتصادية للعملية هي الربا، فيجعل الاعتبار بالمضمون والقصد لا بمجرد الأسماء والصور.

ويَتناول نكاح التحليل بالطريقة نفسها؛ فالنكاح عقد مشروع في أصله، لكن إذا عُقد بقصد إعادة المرأة إلى زوجها الأول بعد الطلاق الذي يمنع رجوعها إليه، تحولت الصورة الشرعية في نظر المؤلف إلى وسيلة لمناقضة الحكم الذي رتبه الشارع على الطلاق. وكذلك في العِينة: ظاهر التصرف بيعان صحيحان، لكن إذا كان الغرض الحقيقي الحصول على نقد حاضر في مقابل نقد أكثر مؤجل، أصبح ظاهر البيع وسيلة إلى الربا. وينقل في هذه الصور فتاوى للصحابة رضي الله عنهم في التحليل والعينة، ويَستعملها لإثبات أن تغيير صورة المعاملة لا يُبطل أثر المقصد المحرم.

ويُفرد للحيل المحظورة فصلًا تطبيقيًّا يستدل فيه بالقرآن الكريم والسنة والإجماع، ولا يَقصد استقصاء كل صورة ممكنة، بل تقديم نماذج توضِّح القاعدة. ومن أهم ما يَبني عليه حديث «إنما الأعمال بالنيات»، فيَستدل به على أن العقود والتصرفات لا تُفهم من صورها المجردة إذا كان القصد يكشف حقيقة أخرى وراءها؛ فمن قصد بعقد البيع الربا لم يَرفع عنه اسم المحرم مجرد تسمية التصرف بيعًا، ومن قصد بالنكاح التحليل لم تَكفِ صورة عقد النكاح لإخراج المقصد من حكمه.

ويَستعين أيضًا بالأخبار التي تُرجع اليمين إلى نية المستحلف، وبالنصوص الواردة في ذم اتخاذ الوسائل لإبطال الأحكام، ويستحضر قصصًا قرآنية يَقرأها من زاوية التحيل على التكليف. ووجه الاستدلال المتكرر عنده أن الحكم لا يزول بتغيير الاسم أو المظهر إذا بقي المقصد الذي تعلق به التحريم، وأن الوسائل تُعطى حكم غاياتها عندما تُقصد إليها على وجه يناقض الشرع.

ويُحاول إثبات تحريم الحيل المناقضة للمقاصد من عمل الصحابة رضي الله عنهم أيضًا؛ فيَذكر أن دواعي بعض هذه الصور كانت قائمة في عهدهم، كالحاجة إلى المعاملات، والندم بعد الطلاق، والرغبة في التخلص من بعض الالتزامات، ومع ذلك لم يُنقل عنهم اتخاذ تلك الحيل مخارج للأحكام. ثم يستدل بما نُقل من إنكارهم التحليل والعينة ونحوها، ويرى أن اجتماع قيام الداعي مع ترك العمل بالحيلة وإنكار بعض صورها يكشف عن موقفهم من هذا النوع.

وفي المقابل يُفرد آخر مباحث الكتاب للأمثلة الجائزة حتى لا يَنصرف مفهوم «الحيل» كله إلى المنع. ويُعيد تقرير الضابط بأن الحيلة إذا لم تهدم أصلًا شرعيًّا ولم تُناقض مصلحة معتبرة، وكان مقصدها إحياء حق أو دفع ظلم أو فعل واجب أو ترك محرم أو إبطال باطل، فهي من الحيل الجائزة، مع إقراره بوجود صور يقع فيها الخلاف بين الفقهاء بسبب الاشتباه في تحقيق المقصد أو المآل.

ويستدل للحيل الجائزة بنصوص تتضمن حسن التدبير للوصول إلى مقصد مشروع، ومنها التحرف في القتال والتحيز إلى فئة، وما ورد في الخداع المشروع في الحرب، والمعاريض، والتلطف في دفع أذى العدو. ويَذكر نماذج من السيرة في الوصول إلى غايات مشروعة بطريق يقوم على الذكاء والكتمان وحسن التدبير، ثم يقرر أن الحيلة قد ترتفع من مجرد الجواز إلى الوجوب إذا كان المقصد الذي لا يتحقق إلا بها واجبًا.

ويَنتهي المؤلف إلى أن الفارق الحاسم ليس بين «التصرف المباشر» و«الحيلة»، ولا بين الطريق الظاهر والخفي، وإنما بين وسيلة تخدم الحكم الشرعي ووسيلة تفرغه من مضمونه. ولذلك تدور أهم تطبيقات الكتاب حول فحص العلاقة بين ثلاثة عناصر: الوسيلة المستعملة، والقصد الذي حمل عليها، والمقصد الشرعي الذي يثبت أو يبطل بنتيجتها. ومن خلال هذا الميزان يَجمع المسعودي مسائل متفرقة من الربا والزكاة والشفعة والطلاق والنكاح والأيمان والمعاريض والحرب وغيرها تحت قاعدة واحدة: صحة صورة العقد أو التصرف لا تكفي وحدها إذا اتُّخذت الصورة ستارًا لإبطال حق أو إسقاط واجب، كما أن وجود التدبير والخفاء لا يَجعل الحيلة محرمة إذا كانت وسيلتها مشروعة وغايتها موافقة لمقاصد الشريعة.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

محمد المسعودي
محمد المسعودي: أستاذ مساعد في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. له: كتاب "الحيل".
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب الحيل لمحمد المسعودي PDF - مكتبة الكتب الإسلامية