
نبذة عن الكتاب:
يؤصِّل بلقاسم بن ذاكر الزبيدي في هذا الكتاب أحد أدق مجالات الاجتهاد الأصولي، وهو النظر في المعاني والأوصاف التي عُلِّقت بها الأحكام الشرعية، سواء باستخراجها من أدلتها، أو تهذيبها مما اختلط بها، أو التحقق من وجودها في الوقائع والأشخاص المعينين. وينطلق من أن الشريعة لم تنص على كل جزئية بعينها، وإنما جاءت بأحكام كلية وعبارات عامة ومطلقة تشمل وقائع لا تنحصر، ولذلك لا يكفي معرفة الحكم الكلي، بل لا بد من اجتهاد آخر يحدد المعنى الذي أنيط به الحكم ثم يختبر انطباقه على الحادثة المعينة. ويبين أن الخطأ في هذا الباب قد يؤدي إلى إلحاق صورتين متشابهتين في الظاهر مع اختلافهما في الحقيقة، أو إخراج بعض أفراد الحكم منه، بل قد يؤدي إلى صرف الدليل عن المناط الذي ورد فيه إلى مناط آخر لا يساويه.
ويمهد بتحرير مصطلحي الاجتهاد والمناط، ويختار في الاجتهاد تعريفه باستفراغ الفقيه وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، ثم يقرر أن «المناط» لا ينبغي حصره في العِلّة بمعناها القياسي وحده؛ فالمناط عنده متعلَّق الحكم الشرعي مطلقًا، وقد يكون عِلّةً، أو قاعدة شرعية، أو معنى لفظ عام أو مطلق تعلّق به الحكم. ومن هنا يعرف الاجتهاد في المناط بأنه استفراغ الوسع في تنقيح عِلّة منصوصة، أو استخراج عِلّة مستنبطة، أو إثبات معنى تعلق به حكم شرعي في بعض أفراده. ويقسمه إلى ثلاثة أنواع: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط، ويؤكد أنها أفعال يقوم بها المجتهد وليست مسالك للعِلّة في ذاتها، وأنها تمثل مقدمات للقياس وليست هي القياس نفسه، مع كون تحقيق المناط أوسع من النوعين الآخرين؛ لأنه قد يتعلق بالعِلّة وقد يتعلق بغيرها من متعلقات الحكم.
ويحرر الفروق بين الأنواع الثلاثة بحسب موضع عمل المجتهد؛ ففي تنقيح المناط تكون العِلّة قد دل عليها النص، ولكن تقترن بها أوصاف لا تصلح للتأثير، فيعمل المجتهد على حذف غير المؤثر وتعيين الوصف الذي يدور معه الحكم. أما تخريج المناط فيقع حين يثبت الحكم بالنص أو الإجماع من غير أن يبين الدليل عِلّته، فيستنبط المجتهد العِلّة بطريق معتبر. وأما تحقيق المناط فيأتي بعد معرفة المناط في نفسه، فيبحث المجتهد عن وجوده في الفرع أو الواقعة المعينة. ولذلك يتقدم التنقيح أو التخريج على التحقيق بحسب حال العِلّة؛ فإن كانت منصوصة محتاجة إلى تهذيب نُقِّحت أولًا، وإن كانت مستنبطة استُخرجت أولًا، ثم ينظر بعد ذلك في تحققها في آحاد الوقائع. كما يبين أن تحقيق المناط بمعناه العام لا خلاف في أصل اعتباره، وأن أكثر منكري القياس يقرون بتنقيح المناط، بينما يشتد الخلاف في تخريج المناط لاتصاله باستنباط العِلّة والقياس.
ويفرد الباب الأول لتنقيح المناط، فيجعله اجتهادًا في تهذيب العِلّة المنصوصة وتمييزها؛ إما بأن يدل ظاهر النص على التعليل بوصف خاص ثم يتبين أن خصوص ذلك الوصف غير معتبر فيناط الحكم بمعنى أعم، وإما بأن يقترن الحكم بعدة أوصاف فيحذف منها ما لا مدخل له في العِلّية ويبقى الوصف المؤثر. ويقرر اتفاق الأصوليين على العمل بتنقيح المناط وإن اختلفوا في تصنيفه وطريقة التعبير عنه. ثم يفصل علاقته بإلغاء الفارق، فلا يسوي بينهما مطلقًا؛ لأن إلغاء الفارق قد يقتصر على بيان عدم تأثير الفرق بين الأصل والفرع من غير تعيين العِلّة، بينما لا يتحقق تنقيح المناط إلا بتهذيب العِلّة وتمييزها. فإذا أدى إلغاء الفارق إلى حذف خصوصية وصف وتعيين المعنى الأعم الذي أنيط به الحكم أمكن عده صورة من صور التنقيح، أما مجرد نفي الفارق من غير تعيين للمناط فلا يكفي لذلك.
ويناقش كذلك العلاقة بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم، ويرفض جعلهما شيئًا واحدًا؛ فالسبر والتقسيم أعم، وقد يستعمل في العلل المنصوصة والمستنبطة، بينما ينصب تنقيح المناط على أوصاف دل عليها ظاهر النص. وقد يحتاج المجتهد في بعض صور التنقيح إلى حصر الأوصاف واختبارها وإبطال ما لا يصلح منها حتى يتعين الباقي، فيكون السبر والتقسيم أداة خادمة للتنقيح لا أنه نفس التنقيح. ويذكر من طرق تنقيح المناط استقراء عادة الشرع في إلغاء وصف معين عن درجة الاعتبار، والإجماع على إلغاء وصف أو خصوصه، وثبوت الحكم في صورة بالباقي من الأوصاف دون الوصف المراد حذفه.
ويخصص الباب الثاني لتخريج المناط، ويعرفه بالاجتهاد في استنباط عِلّة حكم ثبت بالنص أو الإجماع من غير تعرض الدليل لبيان عِلّيته صراحة أو إيماء. ويقرر أن القائلين بأصل القياس يثبتون العمل به في الجملة، وأن الخلاف فيه يرجع أساسًا إلى الخلاف مع منكري القياس. ثم يدرس ثلاثة من أهم مسالك استخراج العِلّة: المناسبة، والسبر والتقسيم، والدوران. ففي المناسبة يبحث عن الوصف الملائم الذي يترتب على تعليق الحكم به تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، ويعرض أقسام المناسب بحسب شهادة الشرع له. وفي السبر والتقسيم يحصر الأوصاف المحتملة للعِلّية ثم يختبرها ويستبعد ما لا يصلح حتى يتعين الباقي، مع بحث شروط صحة هذا المسلك وحجيته. أما الدوران فيتتبع اقتران الحكم بالوصف وجودًا وعدمًا بما يصلح أن يكون دليلًا على عِلّيته.
ويجعل الباب الثالث لتحقيق المناط، وهو أوسع الأنواع اتصالًا بواقع الفتوى والنوازل، إذ لا يكفي ثبوت الحكم ولا معرفة علته أو المعنى الذي تعلق به، حتى يعرف المجتهد هل تحقق ذلك المعنى في الشخص أو الفعل أو الواقعة التي يريد تنزيل الحكم عليها. ويفرق في تحقيق المناط بين النظر في الأنواع والنظر في الأشخاص والأعيان، ويقرر اتفاق الأصوليين على اعتبار تحقيق المناط إذا ثبت المناط بنص أو إجماع، كما يثبته القائلون بالقياس إذا ثبتت العِلّة بطريق الاستنباط. وتبرز هنا أهمية توسيع مدلول المناط؛ لأن التحقيق لا ينحصر في إثبات عِلّة قياسية في فرع، بل يشمل التحقق من كل معنى أو وصف علق به الحكم الشرعي.
ويضع لتحقيق المناط خمسة ضوابط كبرى: التصور الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها، ومراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، والنظر في مآلات أفعال المكلفين وأقوالهم، ومراعاة اختلاف مقاصدهم، والموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة. فالمجتهد لا يصح أن يحكم على الواقعة قبل الإحاطة بمكوناتها وأوصافها وأسبابها وآثارها، كما أن تشابه الاسم أو الصورة لا يقتضي بالضرورة اتحاد الحكم إذا اختلفت الحقيقة أو المآل أو القصد. ويظهر من هذا البناء أن تحقيق المناط يمثل حلقة الوصل بين الحكم المجرد والواقع المتعين، وأن صحة تنزيل الحكم متوقفة على صحة تصور ما ينزل عليه.
ثم يتتبع مسالك معرفة تحقق المناط، ويقسمها إلى مسالك نقلية ومسالك اجتهادية، ويقرر أن كل ما يدل على ثبوت المناط في فرد معين ولا يعارضه ما هو أرجح يصلح طريقًا للتحقيق؛ لأن معرفة وقوع الأوصاف في الأعيان لا يلزم أن تثبت بالنصوص وحدها. ومن المسالك التي يبحثها الكتاب: القرآن، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي رضي الله عنه، ولغة العرب، والعرف، والحس، وقول أهل الخبرة، والبينات الشرعية، والحساب والعدد. ويظهر أثر هذا التوسع خاصة في النوازل الطبية والمالية والفلكية التي لا يمكن تصورها أو التحقق من أوصافها الفنية من غير الرجوع إلى أهل الاختصاص أو الحس أو الحساب.
ويفرد الباب الرابع لبيان اتصال الاجتهاد في المناط بالأدلة الشرعية، فيبحث علاقته بالأدلة المتفق عليها: القرآن والسنة والإجماع والقياس، ثم بالأدلة المختلف فيها: الاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والعرف. ويعد القياس أوثق الأدلة اتصالًا بالاجتهاد في المناط؛ لأن إجراء القياس يتوقف أولًا على إثبات العِلّة في الأصل، ثم على إثبات وجودها في الفرع، وهما من صميم العمل في المناط. كما يبرز قوة الصلة بالمصلحة المرسلة والاستحسان وسد الذرائع؛ فالموازنة بين المصالح والمفاسد، والنظر في المآلات، واختلاف تحقق الأوصاف من واقعة إلى أخرى، كلها أعمال تدخل في تحقيق المناط. ويبين مثلًا أن الاستحسان قد يتعلق بواقعة يبدو فيها مناط القياس متحققًا، ثم يظهر دليل أقوى يوجب معاملتها على وجه خاص، كما تتصل المصلحة المرسلة بالاجتهاد في تحديد المصالح الحقيقية ومقدار تحققها في الوقائع.
ويختبر الباب الخامس هذه القواعد في 15 نازلة معاصرة، ولا يقصد فيه إنشاء دراسة فقهية مقارنة مستقلة لكل مسألة، بل بيان كيفية انتقال القواعد الأصولية من التجريد إلى تنزيل الأحكام على الوقائع؛ ولذلك يعتمد في الأحكام التطبيقية على قرارات مؤسسات الاجتهاد الجماعي والفتوى الموثوقة، ثم يحلل صلتها بتنقيح المناط أو تخريجه أو تحقيقه. وتشمل التطبيقات استعمال مياه الصرف الصحي المعالجة في الطهارة، وتحديد أوقات الصلاة في البلاد الواقعة على خطوط العرض العالية، وزكاة أسهم الشركات، والحقن العلاجية للصائم، والإحرام للقادمين بالطائرة، والمتاجرة بالهامش، وخطاب الضمان البنكي، والتورق المصرفي المنظم، وتحديد النسل، وبنوك الحليب البشري، والتلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب، وإسقاط الجنين المشوه خِلقيًا، ورفع أجهزة الإنعاش عن المتوفى دماغيًا، وزراعة الأعضاء التناسلية، وزراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص.
ويبين في معالجة مياه الصرف مثلًا أن الحكم لا يتعلق باسم «مياه الصرف» في ذاته، بل بتحقق وصف النجاسة أو الطهورية؛ فالماء قبل المعالجة يكون نجسًا إذا غيرته النجاسة، فإذا عولج معالجة كاملة وزال أثر النجاسة من طعمه ولونه وريحه عاد طهورًا يصح التطهر به، ويثبت تحقق هذا المناط بالحس وبقول أهل الخبرة. وفي زكاة الأسهم يدخل تقويم الأسهم المعدة للتجارة عند عدم وجود سوق لها في باب الرجوع إلى أهل الخبرة، كما يبحث أثر قصد المساهم وطبيعة موجودات الشركة في تحقيق مناط الزكاة. وفي مسألة الموت الدماغي يتوقف جانب من تحقيق المناط على تقرير الأطباء المختصين أن وظائف الدماغ تعطلت نهائيًا ولا رجعة فيها، ثم ينظر في أثر ذلك في الأحكام المرتبطة بالموت وفي المصالح والمفاسد الناشئة عن استمرار أجهزة الإنعاش أو رفعها.
ويمتد هذا التطبيق إلى مسائل الأنساب والطب التناسلي؛ ففي زراعة الأعضاء التناسلية يفرق بين الغدد التي تحمل الصفات الوراثية للمنقول منه، كالخصية والمبيض، وبين أعضاء أخرى لا تنقل تلك الصفات، مستندًا في تصور النازلة إلى الخبرة الطبية وفي تنزيل الحكم إلى مقصد حفظ الأنساب ومنع اختلاطها. وتكشف هذه التطبيقات عن الوظيفة التي خصص لها المؤلف الدراسة: ضبط المرحلة الواقعة بين معرفة الحكم الشرعي المجرد وبين إيقاعه على النازلة؛ إذ قد يكون الخلاف بين المجتهدين ناشئًا لا عن اختلافهم في أصل الحكم أو القاعدة، وإنما عن اختلافهم في حقيقة الواقعة، أو في تعيين العِلّة، أو في تحققها، أو في تقدير المصالح والمفاسد والمقاصد والمآلات المتصلة بها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














