
نبذة عن الكتاب:
يَصوغ أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي في كتاب «الواضح في أصول الفقه» علمَ الأصول على طريقةٍ فقهية تُقرِّب مسائله من التطبيق والمناظرة، وتفك العبارات التي غمضت في مصنفات المتقدمين على المبتدئين. وقد ألَّفه استجابةً لطلب جماعة من المتفقهة أن يضع لهم كتابًا جامعًا يجمع الإيضاح والبسط وسهولة العبارة، ويستوفي الحدود والعقود، ويفصل المسائل النظرية بأدلتها واعتراضاتها وأجوبتها. ولهذا يتخذ «الواضح» مسارًا مميزًا: يمهِّد بالأصول والقواعد والمصطلحات، ثم يُدخل علم الجدل في صلب صناعة الاجتهاد، وبعد امتلاك هاتين الآلتين ينتقل إلى مسائل الخلاف، فيعرض المذاهب والأدلة والأسئلة والأجوبة والشبه على نحو يدرّب القارئ على النظر نفسه، لا على حفظ النتائج وحدها.
ويُحدِّد أصول الفقه ابتداءً من معنى الفقه نفسه؛ فالفقه في أصل اللغة هو الفهم، وفي الاصطلاح يتعلق بمعرفة الأحكام الشرعية بطريق النظر والاستنباط. وأصوله هي الأدلة التي تُبنى عليها تلك الأحكام على اختلاف مراتبها، فيذكر الكتاب والسنة ومراتب دلالاتهما، والقياس، وقول الصحابي رضي الله عنه على الخلاف في حجيته، واستصحاب الحال. ويَفصل بذلك بين أصول الفقه وبين العلوم التي تسبقها من جهة التأسيس، كأصول الدين واللغة؛ فهذه قد يحتاج إليها في إثبات بعض المقدمات أو فهم الخطاب، لكنها ليست هي الأدلة الفقهية التي يُستخرج منها الحكم مباشرةً.
ويبدأ القسم الأصولي ببيان معنى العلم وأقسامه، ثم ينتقل إلى الأدلة ومراتب دلالاتها، ويجمع طائفة واسعة من الحدود والعقود والمصطلحات التي يحتاج إليها الناظر في الأصول. كما يولي الحروف والألفاظ عناية ظاهرة لما يترتب على معانيها من اختلاف في فهم النص، فيستعين بالشواهد القرآنية والحديثية، وأقوال أهل اللغة، وما ورد في كلام العرب شعرًا ونثرًا، حتى تظل المسألة الأصولية موصولةً باللغة التي تحمل الدليل الشرعي.
ويُرتِّب الأدلة بحسب طبيعتها وقوتها، ويَبحث القرآن من جهة النص والظاهر والعموم ودليل الخطاب وفحوى الخطاب، ثم السنة ومراتب نقلها ودلالتها، وما يتبع ذلك من مسائل النسخ والإجماع والقياس وسائر طرق الاستدلال. وتظهر في مواضع كثيرة عنايته بالفصل بين مراتب الدلالة؛ ففحوى الخطاب عنده من أقوى وجوه فهم المعنى من النص، ولذلك يناقش إدخاله في القياس، ويعرض قول من يجعله دلالة لفظية مستفادة من قوة الخطاب نفسه، كفهم تحريم الضرب من تحريم التأفيف، لا مجرد إلحاق فرع بأصل عن طريق علة مستنبطة.
ويَمنح قول الصحابي رضي الله عنه موضعًا مستقلًا من النظر؛ فيعرض المذاهب في حجيته، ويفحص دعوى تقويته بالقياس الضعيف، ويرفض أن يصبح ما ليس بحجة في ذاته حجةً لمجرد ضمه إلى دليل ضعيف. كما يذكر الخلاف في تخصيص العموم بقول الصحابي رضي الله عنه، ويربط ذلك بالسؤال السابق عن مرتبته أصلًا: فمن أثبت له الحجية أجاز أن يكون له أثر في صرف العموم، ومن نفى حجيته لم يجعله مخصصًا.
ويبحث النسخ من جهة حقيقته وشروطه والطرق التي يقع بها، مع عناية خاصة بعلاقة القرآن بالسنة. وينقل عن الإمام أحمد أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن، وأن السنة تفسر القرآن، ثم يعرض ما يتصل بقوة الناسخ والمنسوخ، فيجيز نسخ المتواتر بالمتواتر وخبر الواحد بالمتواتر، ويمنع نسخ المتواتر بخبر الواحد. وتكشف هذه المعالجة عن طريقته في رد مسائل النسخ إلى مراتب الأدلة، بدل الاكتفاء بتعريف النسخ على وجه مجرد.
ويُفرد للمفتي والمستفتي مباحث تتصل بأهلية النظر، وبمن يجوز له الإخبار عن حكم الله تعالى، وما يحتاج إليه من العلم بالدليل ووجوه دلالته، وكيف يسأل العامي ومن يسأل. وتأتي هذه المباحث في نهاية التمهيد الأصولي قبل الانتقال إلى الجدل، لأن الفتيا عنده ثمرة لاستعمال الأصول وليست نشاطًا منفصلًا عنها.
ثم يَفتح في «الواضح» بابًا واسعًا للجدل، ويصرح بأن الجدل من أدوات الاجتهاد؛ ولذلك جمع قواعده بعد تمهيد الأصول وقبل مسائل الخلاف. ويتناول حد الجدل وعقوده وشروطه وآدابه ولوازمه، وطريقة السؤال والجواب، وكيفية المنع والمطالبة والنقض والمعارضة، وترتيب الكلام بين الخصمين. وبهذه البنية يجمع الكتاب بين علمين كانا يفترقان في كثير من المصنفات: معرفة الدليل، ثم معرفة الطريق التي يُختبر بها ذلك الدليل عند المناقشة والاعتراض.
ويَجعل حسن العبارة جزءًا من صناعة المناظرة نفسها؛ فالمقصود من الجدل الوصول إلى الحق وإيضاحه، وسوء التعبير قد يحجب المعنى ويصرف الذهن عن الحجة. ولهذا يحث على كثرة الدرس والمذاكرة حتى تذل العبارة للناظر، ويستطيع أن يؤدي المعنى بألفاظ قليلة بينة. ثم يراعي اختلاف أحوال الخصوم؛ فمن كان نظيرًا خوطب بالموازنة، ومن كان أعلى منزلةً تجنبت معه الخشونة المباشرة، لأن نفرة النفس قد تقطع طريق الفهم وتفسد ثمرة المناظرة.
ويتتبع في الجدل ألفاظ الخصم ومسالكه الدقيقة؛ فقول المناظر «يجوز» أو «يمكن» أو «يُتوهم» أو «يُقدَّر» قد يتوقف على أصل غير مسلم، وحينئذ يُعاد الكلام إلى ذلك الأصل قبل السماح ببناء الفرع عليه. ويَظهر في هذه المواضع أن ابن عقيل يريد من الجدل ضبط حركة الاستدلال نفسها: أين يبدأ النزاع، وما الذي سُلِّم، وما الذي يحتاج إلى برهان، ومتى يكون الانتقال إلى الفرع سابقًا لأوانه.
وبعد اكتمال هذه الأدوات يَدخل في مسائل الخلاف، فيبدأ بالأوامر والنواهي، ثم فحوى الخطاب والاستثناء والمجمل والمفسر والمحكم والمتشابه وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم والنسخ والأخبار والإجماع والقياس والاجتهاد. وطريقته في هذه المرحلة ثابتة في أصولها: يَفصل المذاهب، ثم يسوق أدلتها، ثم يورد الأسئلة على تلك الأدلة، ثم الأجوبة، ثم الشبهات وما يرفعها؛ وقد صرَّح بأن مقصوده من هذا التنظيم تعليم المبتدئين طريقة النظر.
ويُفصِّل في الأمر والنهي من جهة الصيغة والدلالة وما يقتضيه الخطاب عند التجرد، وعلاقة الأمر بالوجوب والتكرار والفور، وما يتصل بالأمر بالشيء بالنسبة إلى ضده، ثم يقابل ذلك بالنهي وأثره في التحريم والفساد. وتأتي مسائل الاستثناء والمجمل والمفسر والمحكم والمتشابه ضمن بناء لغوي يختبر مقدار وضوح الدلالة وحاجتها إلى بيان أو قرينة، بحيث يرتبط اختلاف الفقهاء بمأخذهم في فهم الخطاب لا بمجرد نقل النتيجة الفقهية.
ويَبحث أفعال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث دلالتها على أحكام الأمة، وما يقع منها بيانًا لواجب أو تنفيذًا لحكم أو فعلًا مبتدأً، كما يتناول الأخبار من جهة الثبوت والعمل والتعارض. وفي خبر الواحد تظهر عنايته بالموازنة بين الخبر والقياس، فيعرض أقوال الفقهاء عند وقوع التعارض بينهما، وينقل مذاهب من يقدم الخبر، ومن يقدم القياس في بعض الصور، ومن يفصل بحسب حال الراوي وصلته بالفقه والاجتهاد.
ويستعمل خبر الواحد في مناقشة أصول أخرى أيضًا؛ فمن ذلك إثبات الإجماع بطريقه. ويَفرِّق هنا بين القطع بالحكم الذي ثبت بالإجماع وبين طريق علمنا بوقوع الإجماع نفسه؛ فقد يصل نقل الإجماع بطريق آحاد فيكون علمنا بوقوعه ظنيًا، مع بقاء الحكم المجمع عليه قطعيًا إذا ثبت الإجماع بطريق قطعي. بهذا يميز بين مرتبة الأصل ومرتبة الطريق الناقل له، ويمنع الخلط بينهما.
ويُثبت حجية الإجماع في غير عصر الصحابة رضي الله عنهم، ويرد على من قصره عليهم، ثم يدرس تغير محل الإجماع وما إذا بقي الحكم السابق بعد تغير الحال. ويُقرِّر أن الإجماع المنعقد على واقعة بصفة معينة لا يلزم أن يشمل صورة تغير فيها الوصف المؤثر؛ فالإجماع على حكم المتيمم حال عدم الماء مثلًا لا يحسم حكمه بعد وجود الماء، لأن الواقعة أصبحت حادثةً أخرى يطلب حكمها من دليلها.
ويَتوسع في القياس من جهة حجيته وأقسامه ومراتبه، ويعرض الجلي والواضح والخفي، ثم يبحث الأصل والفرع والحكم والعلة، وما يصح التعليل به، وطرق معرفة العلة، والاعتراضات التي يمكن أن تتجه إليها. كما يوازن بين القياس وغيره من الأدلة، ويبحث إمكان استناد الإجماع إلى القياس، ويقرر أن كون القياس فرعًا عن الكتاب والسنة لا يمنعه من أن يكون أمارة معتبرة، وأن اتفاق المجتهدين على حكم مستند إليه ينقل المسألة إلى مرتبة أخرى من القوة.
وتظهر النزعة الفقهية في هذه المباحث من خلال كثرة الفروع والأمثلة؛ فالعلة لا تُناقش في فراغ، بل تُختبر في مسائل يتبين بها أثر الطرد والنقض والمعارضة والفارق. كما أن العموم والخصوص والنسخ وخبر الواحد وقول الصحابي رضي الله عنه تُعرض مع نتائجها في الفقه، وهو ما يحقق قصد ابن عقيل في إخراج الأصول من العبارة الكلامية المغلقة إلى «الطريقة الفقهية والأساليب الفروعية».
ويَصل في الاجتهاد إلى صفة الناظر وقدرته على استعمال هذه الأدوات مجتمعةً؛ فالمجتهد يحتاج إلى معرفة النصوص وطرق دلالاتها، ومراتب الأخبار، ومواقع الإجماع، والقياس، ومناهج الترجيح، ثم إلى القدرة على دفع الاعتراضات والتمييز بين السؤال المؤثر وما لا أثر له. ولهذا جاء الجدل في بنية الكتاب سابقًا لمسائل الخلاف: لأن ممارسة الاجتهاد عند ابن عقيل تشمل بناء الدليل واختباره والدفاع عنه، لا مجرد العثور على نص أو قاعدة.
ويتميّز «الواضح» كذلك باستقلال ابن عقيل في الترجيح داخل المذهب الحنبلي وخارجه؛ فيذكر أقوال أصحاب المذاهب، ويحرر محل الخلاف، ثم يختار ما يقوى عنده بدليله. وقد نُقل عنه أن الواجب اتباع الدليل لا مجرد اتباع الإمام أحمد، وتظهر هذه الروح داخل الكتاب في كثرة اعتراضه على الأقوال وتحرير الحجج، مع بقاء انتمائه إلى أصول المذهب الحنبلي واستفادته الظاهرة من «العدة» لشيخه أبي يعلى.
وفي مواضع كثيرة يَفصل بين الخلاف الحقيقي والخلاف الذي لا يجاوز العبارة. ومن أمثلته مسألة إثبات الإجماع بخبر الواحد؛ إذ يرى أن بعض صور النزاع فيها تعود إلى اختلاف التعبير عن درجة العلم، لأن الطرفين يلتقيان على أن خبر الواحد لا يورث القطع بنفسه، وإنما يقع النزاع في تسمية ما يثبت به. وهذه القدرة على تفكيك الخلافات الاصطلاحية من الخلافات المؤثرة إحدى سمات طريقته في تحرير المسائل.
ويُلحق ابن عقيل في آخر مادته جملةً من المسائل التي تتبعها بعد الفراغ من الأبواب الكبرى، وفصولًا التقطها من الكتب والمجالس، فسجل فيها غرائب مسائل لم تستوعبها الخطة السابقة. ويظهر قبيل هذه الإلحاقات تصريحُه بالطريقة التي اتبعها في العرض: تفصيل المذاهب، ثم الأدلة، فالأسئلة، فأجوبتها، فالشبهات والرد عليها، وهو تصريح يكشف أن غرض «الواضح» التعليمي ظل حاضرًا حتى نهاية بناء الكتاب.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














