
نبذة عن الكتاب:
يُخضع محمد بن علي الشوكاني في كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» القواعد الأصولية نفسها للنظر والنقد، فلا يتعامل مع ما قرره الأصوليون باعتباره مسلمات لا تقبل المراجعة، بل يصرح بأن غرضه تمييز الراجح من المرجوح والصحيح من السقيم، وكشف ما يصلح للاعتماد مما لا يصلح، خشية أن ينتهي التمسك بقواعد الفن إلى التقليد أو الرأي من حيث يظن صاحبه أنه متبع للدليل، ولهذا بنى الكتاب على مقدمة و7 مقاصد وخاتمة. وتمهد المقدمة لهذا المشروع بتعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته واستمداده، وتحرير معنى العلم والدليل والظن والشك، ثم بحث الأحكام الشرعية والمبادئ اللغوية وتقسيمات الألفاظ التي يحتاج إليها فهم الخطاب. وبعدها يبدأ المقصد الأول بالكتاب العزيز، فيحرر حد القرآن وما يدخل فيه وما يخرج عنه، وقضية التواتر والقراءات وما يتصل بحجيته ودلالته. ويخصص المقصد الثاني للسنة، فيعرفها بأنها قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، ثم يقرر استقلالها بالتشريع وأنها كالقرآن في إثبات الحلال والحرام، ويتوسع في مباحث الأخبار من المتواتر والآحاد وشروط الرواية والراوي، والمرسل والمنقطع والتدليس وزيادة الثقة ورواية المجهول، وما يفيد العلم أو الظن، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته وما يقع بين القول والفعل من تعارض. ثم يبحث الإجماع من حيث حقيقته وحجيته ومن يعتد باتفاقه، فيحده باتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور، ويميزه من مجرد اتفاق بعض العلماء أو العوام، ويناقش إمكان انعقاده ونقله والإجماع السكوتي وما ينسب إلى أهل المدينة وأهل البيت والخلفاء وغيرهم من صور الاتفاق المختلف في حجيتها. ويأخذ المقصد الرابع مساحة واسعة لأنه يعالج الأدوات التي تُستخرج بها الأحكام من ألفاظ النصوص؛ فيبحث الأمر والنهي وما تدل عليه صيغهما من الوجوب والفور والتكرار، ثم العموم والخصوص وصيغ العموم ومخصصاته، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والمنطوق والمفهوم، ودلالة الاقتضاء والإشارة، وينتهي إلى النسخ وشروطه وطرق معرفته وما يجوز أن ينسخ به القرآن أو السنة، بحيث تصبح دراسة اللغة هنا جزءًا مباشرًا من ضبط الاستنباط لا بحثًا منفصلًا عن النص الشرعي.
ويتجه النصف الآخر من كتاب «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» إلى الأدلة الاجتهادية وكيفية استعمالها، فيجعل المقصد الخامس للقياس وما يتصل به من الاستدلال، ويحرر حقيقته باعتباره إلحاق فرع بأصل لاشتراكهما في معنى معتبر في الحكم، ثم يناقش حجيته وأركانه وشروط الأصل والفرع والحكم والعلة، ومسالك إثبات العلل من النص والإجماع والسبر والتقسيم والمناسبة والدوران وغيرها، وما يقدح في القياس من النقوض والمعارضات. ولا يقف عند القياس، بل يعرض جملة من طرق الاستدلال المختلف فيها، مثل الاستصحاب والمصالح المرسلة والاستحسان وشرع من قبلنا وقول الصحابي رضي الله عنه وسد الذرائع وما يتصل بها، ويزنها بالأدلة بدل قبولها لمجرد شهرتها في مذهب من المذاهب. ويأتي المقصد السادس في الاجتهاد والتقليد ليحدد الاجتهاد ببذل الوسع في تحصيل الحكم الشرعي العملي بطريق الاستنباط، ثم يفصل شروط المجتهد وموضع الاجتهاد وتجزؤه وإمكان خلو العصر من المجتهد، وحكم إصابة المجتهدين وخطئهم، وما ينبغي للمجتهد فعله عند النظر في النازلة. ويقابل ذلك بمباحث التقليد والمفتي والمستفتي، فيناقش تقليد العالم والعامي، والالتزام بمذهب معين، وإفتاء المقلد، وسؤال من يعرف الكتاب والسنة، وتظهر في هذه الأبواب مقاومته لتحويل المذاهب إلى حواجز تمنع النظر في الدليل، مع تمييزه بين من يملك آلة الاجتهاد ومن لا يملكها. ثم يختم المقاصد بالتعادل والترجيح؛ فالتعارض عنده تقابل دليلين على وجه الممانعة، والترجيح تقوية أحدهما بما يجعله أولى بالعمل، لكنه يشترط قبل الترجيح تعذر الجمع المقبول بين الدليلين، ثم يفصل وجوه الترجيح باعتبار الإسناد والمتن والمدلول والأمور الخارجة، وبين الأقيسة والعلل، لأن المدار على كل ما يزيد الناظر قوة صحيحة في معرفة الأقوى وفق المسالك الشرعية. وتعيد الخاتمة البحث إلى سؤال سابق على كثير من الفروع: ما حكم ما لم يرد فيه دليل خاص، وهل الأصل فيه الإباحة أو المنع أو الوقف؟ فيعرض حجج الأقوال ويرجح دلالة النصوص على إباحة المنافع التي لم يرد تحريمها، ثم ينهي الكتاب بمسألة وجوب شكر المنعم عقلًا، وما دار فيها بين المعتزلة والأشاعرة، قبل أن يقرر اتفاقهم على وجوبه شرعًا وكثرة أدلة الكتاب والسنة على أن الشكر سبب لخير الدنيا والآخرة. وبذلك ينتهي الكتاب إلى الغاية التي أعلنها الشوكاني في أوله: ألا يكون علم الأصول مخزنًا لأقوال المدارس والمذاهب، بل أداة لفحص الدليل وتحرير دلالته، وتمكين المجتهد من الانتقال من مجرد نقل القواعد إلى معرفة ما يثبت منها بالحجة وما يسقط عند التحقيق.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














