مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب اللمع في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي PDF
كتاب اللمع في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي PDF

نبذة عن الكتاب:

يُؤصِّل أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي في كتاب «اللمع في أصول الفقه» القواعد التي يُتوصل بها إلى فهم خطاب الشريعة واستنباط الأحكام من أدلتها، فيجمع أمهات مسائل الأصول في متن مختصر لا يقتصر على التعريفات، بل يضم إلى تحرير المسألة ذكر الخلاف وما يحتاج إليه من الدليل والترجيح. وقد ألَّفه استجابةً لمن طلب منه مختصرًا في أصول الفقه يُضاف إلى كتابه «التبصرة» في الخلاف، فنص على أنه سيذكر من الخلاف والدليل القدر الذي يستغني به قارئ «اللمع» عما بسطه في مصنفه الآخر.

ويَمهِّد الشيرازي قبل الخوض في الأدلة ببيان الحد والعلم والظن والنظر والدليل؛ لأن معرفة الأحكام عنده لا تنفك عن معرفة الطرق التي يحصل بها العلم أو الظن. ثم يُعرِّف الفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، ويدخل فيها الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل، ويُعرِّف أصول الفقه بأنها الأدلة التي يُبنى عليها الفقه، مع معرفة وجوه دلالتها وترتيب بعضها على بعض.
ويَجعل خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم أصلَ بقية الأدلة، ولذلك يقدمهما على ما سواهما، ثم يَجعل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره في حكم البيان، ويعقب ذلك بالأخبار لأنها الطريق إلى نقل أقواله وأفعاله، ثم بالإجماع، فالقياس، فاستصحاب الأصل عند فقد الأدلة، ثم الفتيا والاجتهاد. وهذا الترتيب نفسه يكشف تصوره لبناء الاستدلال: يبدأ بالنص، ثم بما يكشف معناه وينقله، ثم بالأدلة المبنية عليه، وينتهي بما يرجع إليه المجتهد عند فقد النصوص المباشرة.

ويَتناول في مباحث الألفاظ أقسام الكلام والحقيقة والمجاز، ثم الأمر والنهي، فيُحرِّر دلالة صيغة الأمر على الوجوب وما يتصل بها من التكرار والفور والإجزاء، ويَبحث النهي من جهة دلالته على التحريم والفساد. ويَنقل الخلاف في كون الفساد مستفادًا من اللغة أو من الشرع، وفي الفرق بين النهي العائد إلى ذات العبادة أو العقد والنهي المتعلق بأمر خارج عنه، ثم يُرجِّح أن الفعل المنهي عنه لا يُجزئ عن المأمور به إذا أُدي على وجه لم يأذن به الشرع.

ويُفصِّل القول في العموم والخصوص، فيُثبت للعموم ألفاظًا موضوعة تدل على الاستغراق، ويرفض التوقف في دلالتها لمجرد احتمال الخصوص. ويَستدل باستعمال العرب نفسها، إذ فرقت في ألفاظها بين الواحد والاثنين والجمع، كما احتاجت في مخاطباتها إلى صيغ تستوعب الأجناس والطوائف. ثم يَبحث ما يَقبل التخصيص وما يصح أن يكون مخصصًا، وأثر دخول التخصيص على دلالة العام.
ويَصل بذلك إلى المطلق والمقيد ومفهوم الخطاب؛ فيَناقش حمل المطلق على المقيد، ويُرجِّح في الصورة التي ذكرها أن هذا الحمل يكون بطريق القياس لا بمجرد الوضع اللغوي، ويرد قول من منعه لكونه زيادة على النص. ثم يُفصِّل وجوه المفهوم، وما يثبت من دلالة المنطوق وما يُفهم من السكوت أو التخصيص بالوصف والشرط والغاية وغيرها.

ويَجعل البيان أوسع من مجرد القول؛ فقد يكون بالفعل، أو الإقرار، أو الإشارة، أو الكتابة، أو القياس. ومن أمثلته بيان النبي صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة وأفعالها ومناسك الحج بفعله، وإقراره بعض الأفعال من غير إنكار، وبيانه فرائض الزكاة بالكتب التي كتبها. كما يُفرِّق بين تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز لتعذر الامتثال حينئذ، وبين تأخيره عن وقت الخطاب، ويُرجِّح جواز الثاني ما دام البيان يأتي قبل وقت العمل.

ويُحدِّد النسخ بأنه خطاب متراخٍ يدل على ارتفاع حكم ثبت بخطاب سابق، وبذلك يُخرج الاستثناء والغاية وما اتصل بالكلام الأول. ثم يَذكر وجوه النسخ: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ونسخهما معًا، ويرفض جعل التلاوة والحكم شيئًا واحدًا يمنع انفكاك أحدهما عن الآخر، لأن كلًا منهما حكم مستقل.
ويُفصِّل مراتب الأدلة التي يقع بها النسخ، فيجيز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة، ونسخ القول بالفعل والفعل بالقول، ويمنع نسخ المتواتر بخبر الآحاد لاختلاف مرتبتهما في إفادة العلم. كما يُصحِّح نسخ السنة بالقرآن الكريم لقوة القرآن بالنسبة إليها.

ثم يَنتقل إلى الأخبار، فيُثبت للخبر صيغة معلومة في اللغة، ويقسمه إلى متواتر وآحاد. فالمتواتر يفيد العلم الضروري، سواء اتحدت ألفاظ ناقليه أو تعددت الوقائع واتحد معناها، ولا يَربط حصول العلم بعدد معين من الرواة. أما خبر الواحد فينقسم عنده إلى ما يفيد العلم بقرائن خاصة أو بتلقي الأمة له بالقبول، وإلى ما يفيد العمل دون العلم القطعي، وهو غالب ما يروى في السنن.
ويَعتني في هذا الباب بضبط الرواية نفسها، فيتكلم على الرواية من الحفظ والكتاب، وتحمل الحديث وأدائه، ونسيان الشيخ لما رواه، والجرح والتعديل، والمرسل. ومن دقة احتياطه أنه يَجعل الرواية من الكتاب أولى حتى لمن كان حافظًا، لأنها أبعد عن الخطأ، ولا يُسقط الحديث لمجرد أن الشيخ نسيه بعد أن رواه لثقة، لأن النسيان اللاحق لا يُبطل رواية ثبتت بطريق صحيح.

ويُقرِّر حجية الإجماع، ويبحث الطريق إلى معرفته، ومن يدخل في أهله، وانقراض العصر، والإجماع بعد الخلاف. ويُرجِّح أن إجماع علماء كل عصر من الأمة حجة، ولا يقصر الحجية على الصحابة رضي الله عنهم، كما لا يشترط انقراض العصر في انعقاده. وإذا استقر اختلاف الصحابة رضي الله عنهم على قولين لم يجز إحداث قول ثالث، لأن اجتماعهم على هذين القولين يتضمن إسقاط ما عداهما.
ولا يَجعل قول الصحابي رضي الله عنه المنفرد حجة بنفسه في اختياره الأخير، فيَنقل قول الشافعي القديم في تقديمه على القياس، ثم قوله الجديد بعدم حجيته ويُصحِّح هذا الأخير؛ لأن قول الصحابي رضي الله عنه قول عالم يجوز عليه الخطأ، ولا يثبت له حكم إجماع الأمة بمجرده. كما يرفض الجزم بأن كل قول صحابي خالف القياس لا بد أن يكون مأخوذًا توقيفًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت النقل.

ويَجعل للقياس مساحة واسعة تناسب مركزيته في الاستنباط، فيقسمه إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. فقياس العلة رد الفرع إلى الأصل بالمعنى الذي تعلق به الحكم، وقد يكون وجه الحكمة فيه ظاهرًا للمجتهد، وقد يخفى مع ثبوت العلة شرعًا. ثم يُفصِّل ما تثبت به العلل، وما يجوز التعليل به، والفرق بين الجلي والخفي، والأصول التي يصح القياس عليها وما لا يصح.

ولا يكتفي بإثبات العلة، بل يعقد بابًا لفسادها، فيُبيِّن أن العلة تفسد إذا لم يقم عليها دليل شرعي، أو أُقيمت في باب لا مدخل للقياس فيه، ويتابع وجوه الاعتراض عليها. ويظهر في هذا الموضع أن «اللمع» ليس كتاب حدود وتعريفات فحسب، بل تدريب على بناء الحجة الأصولية واختبارها، وعلى معرفة الموضع الذي يثبت فيه القياس والموضع الذي ينهدم فيه.

ويَبحث بعد ذلك الترجيح بين الأقيسة، ويَذكر وجوهًا كثيرة تقوى بها إحدى العلتين أو الحجتين، كزيادة الاحتياط، وموافقة العموم، والنقل عن الأصل، وانضمام قول الصحابي رضي الله عنه، مع بيان اختلاف الأصحاب في قوة بعض هذه المرجحات. فالمقصود عنده ليس مجرد تعداد أوصاف، بل معرفة ما يزيد أحد الدليلين قوة عند تزاحمهما.

ويُناقش الاستحسان بتفكيك المراد منه؛ فإن كان حكمًا ناشئًا من مجرد ما يستحسنه الناظر في نفسه بلا دليل فهو مردود، لأن الأحكام لا تُؤخذ من الهوى. وإن كان المقصود تخصيص حكم بدليل أقوى أو العدول إلى أقوى الدليلين، فالمعنى نفسه صحيح ولا يبقى للنزاع في الاسم أثر. وبهذا يرد الخلاف إلى حقيقة الطريق الذي ثبت به الحكم بدل الوقوف عند اصطلاح «الاستحسان».

وعند غياب الأدلة ينتقل إلى حكم الأشياء قبل ورود الشرع واستصحاب الحال. فيَنقل في الأعيان المنتفع بها أقوال الحظر والإباحة والوقف، ويُصحِّح الوقف لأن العقل لا يوجب فيها واحدًا من الحكمين استقلالًا. أما استصحاب حال العقل فيقوم على براءة الذمة الأصلية، ويظل معمولًا به حتى يظهر دليل شرعي ينقل عنها، بينما يرفض استصحاب إجماع انعقد في حال سابقة بعد تغير الوصف الذي انعقد عليه الإجماع.
ويَستعمل هذا الأصل أيضًا في «القول بأقل ما قيل»؛ فالقدر الأقل لا يُرجَّح لمجرد كونه متيقنًا في مقابل زيادة مشكوك فيها، وإنما يصح الأخذ به إذا استند إلى براءة الذمة، فيثبت القدر الذي قام عليه الدليل وتبقى الزيادة على أصل عدم الوجوب حتى يثبت ما ينقل الذمة عنه.

ويُفرِّق في التقليد بين العامي والعالم؛ فالعامي الذي لا يعرف طرق الأحكام يجوز له سؤال العالم والعمل بقوله، ولا يُكلَّف بمعرفة دليل كل مسألة وعِلتها. أما العالم القادر على الاجتهاد فلا يجوز له ترك آلته وتقليد غيره مع إمكان النظر، ويَنقل الخلاف في حال ضيق الوقت ثم يُصحِّح بقاء وجوب الاجتهاد عليه.

ومن ثم يَضع للمفتي شروطًا تجمع معظم أبواب الكتاب: معرفة أحكام القرآن الكريم والسنة، ووجوه الدلالة من الحقيقة والمجاز والعموم والخصوص والإجمال والتفصيل والإطلاق والتقييد والمنطوق والمفهوم، ومعرفة القدر المحتاج إليه من العربية والنحو، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، والناسخ والمنسوخ، وإجماع السلف وخلافهم، والقياس وطرق استخراج العلل، وترتيب الأدلة ووجوه الترجيح، مع الأمانة والتحرز من التساهل في الدين.
ويَنتهي إلى مسائل الاجتهاد المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيجيز وقوع الخطأ منه في الاجتهاد مع استحالة إقراره عليه، مستدلًا بما ورد من العتاب في القرآن الكريم، ثم يَثبت جواز أن يأذن الله عز وجل له في وضع حكم يراه مصلحة للخلق، ما دام ذلك داخلًا في الإذن الشرعي ولا يترتب عليه محال أو فساد.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أبو إسحاق الشيرازي
الشيخ الإمام القدوة المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفَيْرُوزَابَادِي الشيرازي الشافعي، نزيل بغداد، قيل: لقبه جمال الدين. مولده في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. تفقه على: أبي عبد الله البَيْضَاوِي، وعبد الوهاب بن رَامِين بشيراز، وأخذ بالبصرة عن الخَرْزِي. وقدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة، فلزم أبا الطيب، وبرع، وصار معيده، وكان يضرب المثل بفصاحته وقوة مناظرته. وسمع من أبي علي بن شَاذَان، وأبي بكر البَرْقَانِي، ومحمد بن عبيد الله الخَرْجُوشِي. حدث عنه: الخطيب، وأبو الوليد البَاجِي، والحُمَيْدِي، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْدِي، وأبو البدر الكَرْخِي، والزاهد يوسف بن أيوب، وأبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، وأبو الحسن بن عبد السلام، وأحمد بن نصر بن حَمَّان الهَمَذَانِي، خاتمة من روى عنه. قال السَّمْعَانِي: هو إمام الشافعية، ومدرس النظامية، وشيخ العصر. رحل الناس إليه من البلاد، وقصدوه، وتفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة، والطريقة المرضية. جاءته الدنيا صاغرة فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته. صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهدًا، ورعًا، متواضعًا، ظريفًا، كريمًا، جوادًا، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة. حدثنا عنه جماعة كثيرة. حكي عنه، قال: كنت نائمًا ببغداد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر، فقلت: يا رسول الله، بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أسمع منك حديثًا أتشرف به في الدنيا، وأجعله ذخرًا للآخرة. فقال لي: يا شيخ، وسماني شيخًا، وخاطبني به، وكان يفرح بهذا: «قل عني: من أراد السلامة، فليطلبها في سلامة غيره». قال السَّمْعَانِي: سمعت هذا بمرو من أبي القاسم حيدر بن محمود الشيرازي، أنه سمع ذلك من أبي إسحاق. وعن أبي إسحاق: أن رجلًا أخسأ كلبًا، فقال: مه! الطريق بينك وبينه. وعنه: أنه اشتهى ثريدًا بماء باقلاء، قال: فما صح لي أكله لاشتغالي بالدرس وأخذي النوبة. قال السَّمْعَانِي: قال أصحابنا ببغداد: كان الشيخ أبو إسحاق إذا بقي مدة لا يأكل شيئًا، صعد إلى النَّصْرِيَّة، وله بها صديق، فكان يثرد له رغيفًا، ويشربه بماء الباقلاء، فربما صعد إليه وقد فرغ، فيقول أبو إسحاق: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال أبو بكر الشاشي: أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء. قال القاضي ابن هانئ: إمامان ما اتفق لهما الحج، أبو إسحاق، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدَّامَغَانِي. أما أبو إسحاق فكان فقيرًا، ولو أراده لحملوه على الأعناق. والآخر لو أراده لأمكنه على السندس والإستبرق. السَّمْعَانِي: سمعت أبا بكر محمد بن القاسم الشَّهْرَزُورِي بالموصل يقول: كان شيخنا أبو إسحاق إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: أي سكتة فاتتك. قال: وكان يتوسوس، يعني في الماء. وسمعت عبد الوهاب الأَنْمَاطِي يقول: كان أبو إسحاق يتوضأ في الشط، ويشك في غسل وجهه، حتى يغسله مرات، فقال له رجل: يا شيخ، ما هذا؟ قال: لو صحت لي الثلاث ما زدت عليها. قال السَّمْعَانِي: دخل أبو إسحاق يومًا مسجدًا ليتغدى، فنسي دينارًا، ثم ذكر، فرجع، فوجده، ففكر، وقال: لعله وقع من غيري، فتركه. قيل: إن ظاهرًا النيسابوري خرج لأبي إسحاق جزءًا، فقال: أخبرنا أبو علي بن شاذان. ومرة: أخبرنا الحسن بن أحمد البزاز. ومرة: أخبرنا الحسن بن أبي بكر الفارسي. فقال: من ذا؟ قال: هو ابن شاذان. فقال: ما أريد هذا الجزء، التدليس أخو الكذب. قال القاضي أبو بكر الأنصاري: أتيت أبا إسحاق بفتيا في الطريق، فأخذ قلم خباز، وكتب، ثم مسح القلم في ثوبه. قال السَّمْعَانِي: سمعت جماعة يقولون: لما قدم أبو إسحاق نيسابور رسولًا، تلقوه، وحمل إمام الحرمين غاشيته، ومشى بين يديه، وقال: أفتخر بهذا. وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلامذته وأتباعه، وكفاهم بذلك فخرًا، وكان ينشد الأشعار المليحة، ويوردها، ويحفظ منها الكثير. وعنه قال: العلم الذي لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالمًا ولا يكون عاملًا. وقال: الجاهل بالعالم يقتدي، فإذا كان العالم لا يعمل، فالجاهل ما يرجو من نفسه؟ فالله الله يا أولادي! نعوذ بالله من علم يصير حجة علينا. قيل: إن عبد الرحيم بن القُشَيْرِي جلس بجنب الشيخ أبي إسحاق، فأحس بثقل في كمه، فقال: ما هذا يا سيدنا؟ قال: قرصي الملاح، وكان يحملهما في كمه للتكلف. قال السَّمْعَانِي: رأيت بخط أبي إسحاق رقعة فيها نسخة ما رآه أبو محمد المَزِيدِي: رأيت في سنة ثمان وستين ليلة جمعة أبا إسحاق الفَيْرُوزَابَادِي في منامي يطير مع أصحابه في السماء الثالثة أو الرابعة، فتحيرت، وقلت في نفسي: هذا هو الشيخ الإمام مع أصحابه يطير وأنا معهم. فكنت في هذه الفكرة، إذ تلقى الشيخ ملك، وسلم عليه عن الرب تعالى، وقال: إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول: ما تدرس لأصحابك؟ قال: أدرس ما نقل عن صاحب الشرع. قال له الملك: فاقرأ علي شيئًا أسمعه. فقرأ عليه الشيخ مسألة لا أذكرها. ثم رجع الملك بعد ساعة إلى الشيخ، وقال: إن الله يقول: الحق ما أنت عليه وأصحابك، فادخل الجنة معهم. قال الشيخ أبو إسحاق: كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت، أخذت قياسًا آخر على هذا، وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به، حفظت القصيدة التي فيها البيت. كان الوزير ابن جَهِير كثيرًا ما يقول: الإمام أبو إسحاق وحيد عصره، وفريد دهره، ومستجاب الدعوة. قال السَّمْعَانِي: لما خرج أبو إسحاق إلى نيسابور، خرج معه جماعة من تلامذته، كأبي بكر الشاشي، وأبي عبد الله الطبري، وأبي معاذ الأندلسي، والقاضي علي المَيَانِجِي، وقاضي البصرة ابن فِتْيَان، وأبي الحسن الآمِدِي، وأبي القاسم الزَّنْجَانِي، وأبي علي الفَارِقِي، وأبي العباس بن الرُّطْبِي. قال ابن النجار: ولد أبو إسحاق بفَيْرُوزَابَاد، بليدة بفارس، ونشأ بها، وقرأ الفقه بشيراز على أبي القاسم الدَّارَكِي، وعلى أبي الطيب الطبري صاحب المَاسَرْجِسِي، وعلي الزَّجَّاجِي صاحب ابن القاص، وقرأ الكلام على أبي حاتم القَزْوِينِي صاحب ابن الباقلاني، وخطه في غاية الرداءة. قال أبو العباس الجرجاني القاضي: كان أبو إسحاق لا يملك شيئًا، بلغ به الفقر حتى كان لا يجد قوتًا ولا ملبسًا. كنا نأتيه وهو ساكن في القَطِيعَة، فيقوم لنا نصف قومة؛ كي لا يظهر منه شيء من العري. وكنت أمشي معه، فتعلق به بَاقِلَّانِي، وقال: يا شيخ، كسرتني وأفقرتني! فقلنا: وكم لك عنده؟ قال: حبتان من ذهب أو حبتان ونصف. وقال ابن الخَاضِبَة: كان ابن أبي عقيل يبعث من صُور إلى الشيخ أبي إسحاق البذلة والعمامة المثمنة، فكان لا يلبس العمامة حتى يغسلها في دجلة، ويقصد طهارتها. وقيل: إن أبا إسحاق نزع عمامته، وكانت بعشرين دينارًا، وتوضأ في دجلة، فجاء لص، فأخذها، وترك عمامة رديئة بدلها، فطلع الشيخ، فلبسها، وما شعر حتى سألوه وهو يدرس، فقال: لعل الذي أخذها محتاج. قال أبو بكر بن الخَاضِبَة: سمعت بعض أصحاب أبي إسحاق يقول: رأيت الشيخ كان يصلي عند فراغ كل فصل من «المهذب». قال نظام الملك، وأثنى على أبي إسحاق، وقال: كيف حالي مع رجل لا يفرق بيني وبين نَهْرُوز الفراش في المخاطبة؟ قال لي: بارك الله فيك. وقال له لما صب عليه كذلك. قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانِي: حكى أبي، قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن المَاوَرْدِي عزاء، فتكلم الشيخ أبو إسحاق واجلًا، فلما خرجنا، قال المَاوَرْدِي: ما رأيت كأبي إسحاق! لو رآه الشافعي لتجمل به. أخبرني الحسن بن علي، أخبرنا جعفر الهَمَذَانِي، أخبرنا السِّلَفِي: سألت شجاعًا الذُّهْلِي عن أبي إسحاق، فقال: إمام أصحاب الشافعي، والمقدم عليهم في وقته ببغداد. كان ثقة، ورعًا، صالحًا، عالمًا بالخلاف علمًا لا يشاركه فيه أحد. قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانِي: ندب المقتدي بالله أبا إسحاق للرسلية إلى المعسكر، فتوجه في آخر سنة خمس وسبعين، فكان يخرج إليه أهل البلد بنسائهم وأولادهم، يمسحون أردانه، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به، وخرج الخبازون، ونثروا الخبز، وهو ينهاهم، ولا ينتهون، وخرج أصحاب الفاكهة والحلواء، ونثروا على الأساكفة، وعملوا مداسات صغارًا، ونثروها، وهي تقع على رؤوس الناس، والشيخ يعجب، وقال لنا: رأيتم النثار، ما وصل إليكم منه؟ فقالوا: يا سيدي، وأنت أي شيء كان حظك منه؟ قال: أنا غطيت نفسي بالمحفة. قال شِيرَوَيْه الدَّيْلَمِي في «تاريخ همذان»: أبو إسحاق إمام عصره، قدم علينا رسولًا إلى السلطان ملكشاه، سمعت منه، وكان ثقة، فقيهًا، زاهدًا في الدنيا على التحقيق، أوحد زمانه. قال خطيب الموصل أبو الفضل: حدثني أبي، قال: توجهت من الموصل سنة 459 إلى أبي إسحاق، فلما حضرت عنده رحب بي، وقال: من أين أنت؟ فقلت: من الموصل. قال: مرحبًا، أنت بلديي. قلت: يا سيدنا، أنت من فَيْرُوزَابَاد. قال: أما جمعتنا سفينة نوح؟ فشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبب إلي لزومه، فصحبته إلى أن مات. توفي ليلة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة ببغداد، وأحضر إلى دار أمير المؤمنين المقتدي بالله، فصلى عليه، ودفن بمقبرة باب أَبْرَز، وعمل العزاء بالنظامية، وصلى عليه صاحبه أبو عبد الله الطبري، ثم رتب المؤيد بن نظام الملك بعده في تدريس النظامية أبا سعد المُتَوَلِّي، فلما بلغ ذلك النظام، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة من أجل الشيخ. وعاب على من تولى، وأمر أن يدرس الإمام أبو نصر عبد السيد بن الصَّبَّاغ بها. قلت: درس بها الشيخ أبو إسحاق بعد تمنع، ولم يتناول جامكية أصلًا، وكان يقتصر على عمامة صغيرة وثوب قطني، ويقنع بالقوت، وكان الفقيه رافع الحمال رفيقه في الاشتغال، فيحمل شطر نهاره بالأجرة، وينفق على نفسه وعلى أبي إسحاق، ثم إن رافعًا حج وجاور، وصار فقيه الحرم في حدود الأربعين وأربعمائة. ومات أبو إسحاق، ولم يخلف درهمًا، ولا عليه درهم. وكذا فليكن الزهد. وما تزوج فيما أعلم. وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا، كـ«المهذب»، و«التنبيه»، و«اللمع في أصول الفقه»، و«شرح اللمع»، و«المعونة في الجدل»، و«الملخص في أصول الفقه»، وغير ذلك. ومن شعره: أحب الكأس من غير المدام وألهو بالحسان بلا حرام وما حبي لفاحشة ولكن رأيت الحب أخلاق الكرام وقال: سألت الناس عن خل وفي فقالوا: ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرت بود حر فإن الحر في الدنيا قليل ولعاصم بن الحسن فيه: تراه من الذكاء نحيف جسم عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعاني فليس يضيره الجسم النحيل ولأبي القاسم بن نَاقِيَاء يرثيه: أجرى المدامع بالدم المهراق خطب أقام قيامة الأماق خطب شجا منا القلوب بلوعة بين التراقي ما لها من راق ما لليالي لا تؤلف شملها بعد ابن بجدتها أبي إسحاق إن قيل مات فلم يمت من ذكره حي على مر الليالي باق وعن أبي إسحاق، قال: خرجت إلى خراسان، فما دخلت بلدة إلا كان قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من أصحابي. قال أَنُوشْتَكِين الرِّضْوَانِي: أنشدني أبو إسحاق الشيرازي لنفسه: ولو أني جعلت أمير جيش لما قاتلت إلا بالسؤال لأن الناس ينهزمون منه وقد ثبتوا لأطراف العوالي المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف