
نبذة عن الكتاب:
يدافع الخطيب البغدادي في هذا الكتاب عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ويرد اعتراضًا اتخذه بعض المنتسبين إلى مذهب أبي حنيفة سبيلًا للطعن في روايته، وهو أن البخاري لم يرو عنه في «الجامع الصحيح»، وأن مسلمًا وغيره من أصحاب كتب الحديث لم يخرّجوا حديثه. ويصرح الخطيب منذ المقدمة بأن أصل الرسالة جواب عن سؤال في علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي، بعد أن جعل بعض المخالفين هذا الترك دليلًا على ضعف أحاديثه، ثم يوسع الجواب ليبحث منزلة الشافعي في الرواية والفقه ومعرفة الحديث، ويجمع أقوال أئمة النقد في توثيقه والثناء عليه.
ويمهد للجواب بذكر ما امتاز به الشافعي من حفظ القرآن، وفقه السنن، ومعرفة صحيح الأخبار ومعلولها، والكلام في الأصول، والتمييز بين المرسل والموصول والعام والخاص، وترك التقليد عند ظهور الدليل، ثم يبرز أثره في أصحاب الحديث بما وضعه لهم من قواعد لفهم السنن والاستدلال بها. ويسوق من ثناء الأئمة عليه قول محمد بن الحسن في أن أصحاب الحديث تكلموا بلسان الشافعي لما وضع كتبه، وما نقل عن أحمد بن حنبل من عظيم منته على أصحاب المحابر، ليبين أن إمامًا بلغ هذه المنزلة عند أهل الحديث لا يصح أن يجعل مجرد عدم إخراج البخاري له جرحًا في عدالته أو ضبطه.
ويقرر أول أصل في الرد بأن «صحيح البخاري» لم يقصد إلى استيعاب جميع الأحاديث الصحيحة ولا جميع الرواة المقبولين؛ فقد صرح البخاري بأنه ترك من الصحيح كثيرًا خشية التطويل، كما أن كتابه في الرجال يشتمل على خلق كثير لم يخرج لهم في الصحيح. ومن ثم فترك الراوي يحتمل أمرين مختلفين: أن يكون خارجًا عن شرط البخاري لضعف فيه، أو أن يكون مقبولًا عنده لكنه استغنى عن حديثه بما رواه من طريق آخر. ولذلك لا يجوز تحويل مجرد الترك إلى حكم بالجرح من غير نقل صريح يبين سببه.
ثم يحدد السبب الذي يراه لعدم إخراج البخاري حديث الشافعي، وهو علو الأسانيد واستغناء البخاري بمن أدركهم من شيوخ الشافعي أو من روى عن أولئك الشيوخ بإسناد أقصر. فالبخاري لم يدرك الشافعي، وكان إذا أراد حديثًا رواه الشافعي عن مالك أو سفيان بن عيينة أو عبد العزيز الدراوردي أو داود بن عبد الرحمن العطار يستطيع أن يرويه عن رجال أدركوا هؤلاء الشيوخ مباشرة أو بواسطة أقرب، فلم تكن ثمة حاجة إلى أن ينزل في الإسناد فيروي عن رجل عن الشافعي عن شيخه، مع وجود الطريق الأعلى عنده. ويسمي الخطيب جماعة ممن لقيهم البخاري ورووا عن شيوخ الشافعي، ليجعل المسألة متعلقة ببنية الإسناد لا بمرتبة الشافعي في الثقة.
ويواجه اعتراضًا أدق: أن البخاري قد يترك الإسناد العالي ويروي الحديث من طريق أنزل، فكيف يجعل طلب العلو تفسيرًا لترك طريق الشافعي؟ ويجيب بأن البخاري لا ينزل عن الطريق العالي عبثًا، وإنما يفعل ذلك إذا وجد في الطريق النازل زيادة أو فائدة ليست في العالي، أو أورده متابعة في موضع وقع فيه اختلاف. ويطبق ذلك على حديث مِدْعَم الذي رواه البخاري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن مالك، مع وجود طرق أقرب؛ لأن رواية الفزاري اشتملت على التصريح بالسماع وتجويد سياق الخبر بما يدفع إشكالًا في روايته. ثم يذكر أنه استقرأ روايات الشافعي التي ضمنها كتبه فلم يجد حديثًا على شرط البخاري تفرد الشافعي فيه بطريق أو معنى يحتاج البخاري لأجله إلى النزول إليه.
ويجري الخطيب الحكم نفسه على مسلم بن الحجاج، فيرى أن استغناءه عن طريق الشافعي ناشئ من السبب نفسه، ثم ينقض دعوى أن أئمة الحديث جميعًا أعرضوا عن روايته بإثبات إخراج أبي داود أحاديث من طريق الشافعي، وذكر رواية الترمذي وابن خزيمة وعبد الرحمن بن أبي حاتم عنه. ومن هنا يقرر قاعدة نقدية مهمة في الرسالة: أن مجرد ترك إمام للرواية عن رجل ظاهر العدالة لا يقدح فيه، وإنما المؤثر أن ينقل عنه جرح مفسر أو تضعيف صريح. ويستشهد في هذا السياق بكلام شعبة في الأسباب التي يسقط بها حديث الراوي، كالاتهام بالكذب وكثرة الغلط ورواية المناكير، ليظهر أن شيئًا من ذلك لم يثبت في الشافعي.
ويرد بعد ذلك دعوى أن البخاري ترك الشافعي لقلة معرفته بالحديث وعلله وأسانيده، ويبين أن مستند هذه الدعوى هو في الغالب قول الشافعي لأحمد بن حنبل إن أصحاب الحديث أعلم بالأخبار الصحيحة، وإن صح عنده خبر أخبره به ليأخذ به. ولا يفهم الخطيب هذا الكلام اعترافًا بقصور الشافعي، بل يراه دالًا على تعظيمه للسنة وإقراره بأن أهل الحديث أشد تخصصًا في تتبع الطرق والرجال والعلل، مع ثقته بأصوله واستعداده لترك كل قول ظهر له مخالفته للحديث الصحيح. ويؤكد ذلك بما نقل عنه من الأمر بأخذ السنة وترك قوله متى خالفها حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل تقديم الأثر أصلًا في مذهبه لا علامة على ضعف معرفته به.
ويستكثر من شهادات كبار العلماء ليجعل الحكم على الشافعي صادرًا عن أهل الصنعة أنفسهم؛ فيذكر أن أحمد بن حنبل، مع سماعه «الموطأ» من جماعة، سمعه من الشافعي لأنه رآه فيه ثبتًا، ونقل عنه الثناء على صحة حديثه ورأيه، وأن أحمد روى عنه أحاديث كثيرة في «المسند». وينقل عن يحيى بن معين وصفه بالصدق، وعن أبي حاتم أنه صدوق، ثم يذكر شهادة أبي زرعة الرازي بأنه لم يجد عند الشافعي حديثًا غلط فيه. ويستدل بهذه الأقوال على أن أئمة الجرح والتعديل الذين فحصوا رواياته لم يقفوا على ما يوجب إسقاط حديثه، بل كان المحفوظ عنهم وصفه بالصدق والأمانة والثقة والديانة.
ولا يكتفي الخطيب بالتوثيق الإجمالي، بل يستدل على معرفة الشافعي بنقد الحديث من كلامه في الرواة أنفسهم؛ فيورد أحكامًا له في التجريح والتعديل، وموقفه من بعض المراسيل والرواة الضعفاء، ثم يقرر أن الناقد المتقن لو أعاد النظر في أولئك الرجال لما خرج في الجملة عن المراتب التي أنزلهم الشافعي فيها، ويرى في ذلك شاهدًا على وفور علمه ونفاذ بصيرته في هذا الفن. كما ينقل عن ابن عبد الحكم أن نقاد الحديث كانوا يعرضون عليه ما عندهم، فيكشف لهم أحيانًا عللًا وغوامض لم يقفوا عليها، مع اجتماع معرفته بالفقه واللغة والأدب والتاريخ.
ويصل دفاعه عن الشافعي بمعرفته الواسعة بمدارس العلم في الأمصار، فيتتبع ما حصله من علم الحجاز والعراق، وما أخذه بواسطة شيوخه من مرويات أهل الكوفة والبصرة وغيرهم، حتى يصفه بأنه أحاط بقدر واسع من علوم الأقطار واختلاف طرق العلماء. ويذكر في أثناء ذلك طلب عبد الرحمن بن مهدي منه أن يصنف كتابًا يجمع فيه معاني القرآن وقبول الأخبار وحجية الإجماع والناسخ والمنسوخ، فكان من ذلك «الرسالة»، وينقل دعاء عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان له لما رأياه من أثره في تقعيد العلم. وبذلك تقوم حجة الخطيب على أمرين متلازمين: تفسير عدم تخريج البخاري للشافعي تفسيرًا حديثيًا يتعلق بالعلو والاستغناء بالطرق الأقرب، وإثبات أن الحكم على رواية الشافعي نفسه يرجع إلى شهادات أئمة النقد وفحص مروياته، وهي عنده شواهد على صدقه وضبطه وبصره بالحديث، لا على ما ادعاه الطاعنون فيه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














