
نبذة عن الكتاب:
يعرض عياض بن نامي السلمي في هذا الكتاب أهم مسائل أصول الفقه، يقصد به تقريب هذا العلم إلى طالب الفقه من غير إخلال بأصوله ولا استغراق في دقائق الخلاف التي لا يحتاج إليها في تحصيل المقصود؛ ولذلك يصرح بأنه تجنب الإطالة، واكتفى بالأقوال المشهورة وأهم أدلتها، واعتنى بتحرير حقيقة الخلاف، وتصحيح ما يقع في تصوير المسائل ونقل الأقوال من وهم وسوء فهم، مع عناية خاصة بثمرة الخلاف والوقوف عند القضايا المشكلة، ولا يلتزم في اختياراته ما عليه أكثر الأصوليين إذا ظهر له رجحان غيره. ويجعل هذه الغاية جزءًا من تصوره لوظيفة أصول الفقه نفسها؛ فهو علم آلة يُراد به الوصول إلى الفقه ومعرفة الحكم بطريق صحيح، لا مجرد حفظ الاصطلاحات والمختصرات، ويرى أن الحاجة المعاصرة تقتضي عرض قواعده بعبارة ميسرة مع تقريبها من الفروع الفقهية. ومن ثم يبين أن فائدته تظهر في وزن أقوال الفقهاء وأدلتهم، واستنباط أحكام النوازل، ومعرفة علل الأحكام ومقاصدها والمصالح والمفاسد، وحماية الفقيه من التناقض في الفتوى. ويرتب كتابه في تمهيد وستة أبواب: الحكم الشرعي، وأدلة الأحكام، ودلالة الألفاظ، والتعارض وطرق دفعه، والاجتهاد، والتقليد.
ويفتتح بالتمهيد لنشأة أصول الفقه وتعريفه وموضوعه وفوائده واستمداده، فيتتبع وجود قواعد الاستدلال في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم قبل تدوينها في علم مستقل، ثم ظهور الحاجة إلى ضبطها مع اتساع الخلاف وضعف اللسان العربي وظهور الوضع في الحديث، وصولًا إلى تدوين الإمام الشافعي لها وما تلاه من توسع في التصنيف. ويختار في تعريف أصول الفقه ما يجمع أدلة الفقه الإجمالية، وصفة الاستفادة منها، وحال المستفيد، فيدخل في ذلك البحث في حجية الأدلة وقوتها وشروطها، ودلالات الألفاظ من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد ومنطوق ومفهوم، وأحوال المجتهد والمقلد. ولا يتعامل مع هذه المقدمات على أنها مسائل شكلية، بل يناقش حدود الفقه والأصل والدليل، ويفرق بين الدليل الإجمالي الذي يبحثه الأصولي والدليل التفصيلي الذي يباشر الفقيه استنباط الحكم منه، ثم يربط استمداد أصول الفقه بالكتاب والسنة واللغة العربية وما يحتاج إليه من تصور الأحكام الشرعية.
ويفصل في الباب الأول الحكم الشرعي، فيميز بين اصطلاح الأصوليين الذين يجعلون الحكم خطاب الشرع، واصطلاح الفقهاء الذين يجعلونه مقتضى الخطاب وصفة لفعل المكلف، ثم يناقش تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي، ويرى أن الإباحة أولى بأن تجعل حكمًا تخييريًا مستقلًا عن التكليف؛ لأنها تسوية بين الفعل والترك وليست طلبًا لأحدهما. ثم يشرح الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح وطرق معرفة كل حكم، ويقسم الواجب إلى معين ومخير، ومؤقت وغير مؤقت، وموسع ومضيق، وعيني وكفائي، ولا يذكر هذه الأقسام لمجرد التصنيف، بل يتتبع ما يترتب عليها من مسائل فقهية؛ كأثر الواجب الموسع في القضاء وحال المكلف إذا طرأ عليه مانع بعد دخول الوقت، والخلاف في المخاطب بالواجب الكفائي. ويحرر قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به» فيفرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به، فلا يجب تحصيله، وما لا يمكن أداء الواجب إلا به وكان مقدورًا للمكلف، فيبحث وجوبه بحسب دليله وصلته بالمأمور به. ثم ينتقل إلى الحكم الوضعي فيشرح السبب والشرط والمانع والصحة والفساد والبطلان، والعزيمة والرخصة، ويتبع ذلك بالتكليف وأركانه وشروطه، والفعل المكلف به، وموانع التكليف، وأهلية الوجوب وأهلية الأداء وما يعرض لهما من تمام ونقصان.
ويجعل الباب الثاني لأدلة الأحكام، ويقسمها بحسب قوة الخلاف فيها؛ فالكتاب والسنة متفق عليهما، والإجماع والقياس عنده مما وقع فيه خلاف ضعيف، وما عدا ذلك من قول الصحابي وشرع من قبلنا والاستحسان والمصلحة المرسلة والاستصحاب وسد الذرائع وقع فيه خلاف أقوى، كما يفرق بين الأدلة النقلية والعقلية مع التنبيه إلى أن ما يسمى عقليًا فيها ليس منفصلًا عن النقل بالضرورة. فيبحث القرآن الكريم وما يتعلق بالقراءات الصحيحة والشاذة وحجية كل منهما، ثم السنة من جهة حقيقتها وأقسامها والفرق بينها وبين الخبر، وتقسيم الأخبار وشروط الراوي وحجية السنة ومنزلتها من القرآن وشروط خبر الواحد، ويتناول أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وما يدل منها على التشريع والاقتداء. ثم يعرض الإجماع من جهة إمكان وقوعه وأنواعه وحجيته، والإجماع السكوتي، ومن ينعقد بهم، وانقراض العصر، والإجماعات الخاصة وعمل أهل المدينة، وانعقاد الإجماع بعد سبق الخلاف وأثر مخالفة الواحد أو الاثنين.
ويتوسع بعد ذلك في القياس، فيشرح حقيقته وأركانه: الأصل والفرع والحكم والعِلّة، ويفصل شروط كل ركن، ثم يجعل معرفة العِلّة محورًا أساسًا في صحة القياس، فيعرض طرق إثباتها بالنص والإجماع والإيماء والمناسبة والدوران والسبر والتقسيم، ويبحث أقسام القياس وحجيته وأدلة منكريه، ثم مسألة التعليل بالحكمة وما يحيط بها من إشكال. ولا يقف عند الأدلة الأربعة المشهورة، بل يفرد القسم الأخير من الباب للأدلة المختلف فيها، فيبحث قول الصحابي رضي الله عنه وشرع من قبلنا والاستحسان والاستصحاب والاستصلاح وسد الذرائع، معرفًا بكل واحد ومبينًا صوره وأدلته ومقدار الاحتجاج به. ويحرر الاستحسان بما يمنع خلطه بمجرد الهوى، مبينًا أن كثيرًا من صوره ترجع في حقيقتها إلى نص أو إجماع أو قياس أقوى أو مصلحة معتبرة، وأن جانبًا من الخلاف فيه يرجع إلى الاصطلاح. وفي المصلحة المرسلة يفرق بين المصلحة الحقيقية التي توافق مقاصد الشرع وبين المصلحة المتوهمة، ويطبق ذلك على صور معاصرة كتنظيم المرور وحفظ الأنفس والأموال، ثم يذكر شروط الاحتجاج بها وأمثلتها.
ويخصص الباب الثالث لدلالة الألفاظ، وهو من أوسع أبواب الكتاب وأكثرها اتصالًا بثمرات الخلاف الفقهية. فيبدأ بالأمر والنهي، فيبحث تعريف الأمر وصيغه وما تقتضيه من الوجوب، والفور أو التراخي، والمرة أو التكرار، وما يقع عند تعليق الأمر بشرط، وحكم الأمر المؤقت إذا فات وقته، وهل فعل المأمور به يقتضي الإجزاء، وهل الأمر بالأمر بالشيء يعد أمرًا به، وهل الأمر بالشيء نهي عن ضده، وما حكم الأمر بعد الحظر. وفي كثير من هذه المسائل يفرد «محل النزاع» و«سبب الخلاف» و«ثمرة الخلاف»، ثم يرد النتائج النظرية إلى فروع فقهية يتبين بها أثر القول. ويقابل ذلك بمباحث النهي من تعريف وصيغة ودلالته على التحريم والفورية والاستمرار، وعلاقته بالأمر بالضد، والنهي بعد الأمر، ثم يناقش مسألة اقتضاء النهي فساد المنهي عنه، ويفرق بين النهي العائد إلى ذات الفعل أو وصف ملازم له وما كان النهي فيه لأمر خارج.
وينتقل إلى العام والخاص، فيحرر الفرق بين العام والمطلق، وأقسام العموم وصِيَغه، ودلالة العام وقوتها، وحكمه بعد التخصيص، ثم يعرف التخصيص ويميزه من النسخ، ويقسم المخصصات إلى متصلة ومنفصلة، ويتوسع في الاستثناء وشروطه والاستثناء المتعقب للجمل، والشرط والغاية، وتخصيص القرآن بالقرآن والسنة، وتخصيص السنة بالقرآن والسنة، وما يترتب على ذلك من اختلافات تطبيقية. كما يبحث العموم الوارد على سبب، ودخول أصناف المكلفين في الخطاب العام، وحكم العمل بالعام قبل البحث عن المخصص. ثم يعالج المطلق والمقيد وشروط حمل أحدهما على الآخر، ويتبعه بالمنطوق والمفهوم، فيشرح مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة وأقسامه وشروط الاحتجاج به، ويعرض إلى جانب طريقة الجمهور منهج الحنفية في تقسيم طرق الدلالة. ويختم هذا المسار بمراتب وضوح الألفاظ وخفائها، فيبحث النص والظاهر والمؤول وشروط التأويل الصحيح، والمجمل وأسباب إجماله والفرق بينه وبين المشترك، وتقسيم الحنفية للدلالة من حيث الوضوح والخفاء، ثم البيان ومراتبه وتأخيره وما يبنى على الخلاف في جواز تأخير البيان.
ويجعل الباب الرابع للتعارض وطرق دفعه، ويعده من أنفع أبواب الكتاب للفقيه المعاصر؛ لأن مهمته في كثير من المسائل التي استوفى المتقدمون بحثها هي الموازنة بين أدلة الأقوال وترجيح الأقوى. ويقرر أن التعارض المقصود هو التعارض الظاهر في نظر المجتهد، لا وقوع تناقض حقيقي بين الأدلة الشرعية، ويفرق بين التعارض والتعادل؛ فالتعادل تساوٍ يمنع الترجيح، أما التعارض الظاهري فقد ينكشف بالجمع أو النسخ أو الترجيح. ثم يعرض اختلاف الحنفية والجمهور في ترتيب طرق الدفع؛ فالحنفية يقدمون النسخ عند معرفة التاريخ ثم الجمع ثم الترجيح، بينما يقدم الجمهور الجمع ما أمكن، ثم النسخ عند معرفة المتقدم والمتأخر، ثم الترجيح عند تعذر الجمع وعدم معرفة التاريخ. ويفصل صور الجمع بين الأدلة، ثم النسخ وحقيقته وشروط الناسخ وما يجوز نسخه وما لا يجوز، وطرق معرفة الناسخ والمنسوخ، ويقلل من قيمة المنازعات اللفظية التي لا ثمرة لها في حقيقة النسخ. وبعد ذلك يشرح الترجيح وشروطه وحكمه، ويستعرض وجوه الترجيح بين الأدلة النقلية وبين الأقيسة، مع جعل مدار الترجيح على ما يورث قوة أكبر في الظن بصحة الدليل.
ويعرض في الباب الخامس للاجتهاد بوصفه بذل الوسع في إدراك حكم شرعي بطريق الاستنباط ممن كان أهلًا له، ويفرق بذلك بين الاجتهاد الأصولي وبين مجرد حفظ الأحكام أو النصوص الصريحة فيها. ويحدد أركانه في المجتهد والمجتهد فيه وبذل النظر، ثم يقتصر في شروط الاجتهاد على ما قام الدليل على اشتراطه، ويؤكد ضرورة معرفة العربية ودلالات الألفاظ وأصول الاستنباط وما يحتاج إليه من الكتاب والسنة والإجماع والناسخ والمنسوخ وطرق الجمع والترجيح؛ لأن من لا يحسن التعامل مع تعارض الأدلة في الظاهر لا يستطيع ممارسة الاجتهاد على وجهه. ثم يناقش تجزؤ الاجتهاد بعد تحرير محل النزاع، ويميل إلى جوازه في المسائل التي استوفى الفقهاء السابقون بحث أدلتها لمن تحققت فيه أهلية النظر العامة، لكنه يفرق بينها وبين النوازل التي تحتاج إلى إحاطة أوسع بالأدلة وإلى ملكة فقهية كاملة؛ لعدم سبق حصر أدلتها ووجوه النظر فيها.
ويتبع ذلك باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في عهده، ثم مسألة تصويب المجتهدين، فيحرر النزاع في المسائل الاجتهادية العملية، ويميل إلى أن للواقعة حكمًا معينًا وأن المصيب واحد، مع كون المجتهد المخطئ بعد بذل وسعه معذورًا مأجورًا. ثم يبحث تجديد الاجتهاد إذا تكررت الواقعة، ويجعل هذا من أكثر المسائل اتصالًا بتغير الأحوال؛ لأن إعادة النظر قد تكشف دليلًا لم يكن معلومًا أو دلالة لم ينتبه إليها أو تغيرًا في العرف أو المصلحة أو المفسدة. ويبين أن تغير الفتوى قد يكون ناشئًا عن تغير المناط لا عن تغير الحكم الشرعي نفسه، ثم يبني على ذلك قاعدة أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد بعد نفاذه، مع استثناء ما خالف نصًا صريحًا أو إجماعًا ثابتًا.
ويفرد الباب السادس للتقليد، فيبدأ بتحرير تعريفه؛ لأن جانبًا كبيرًا من الخلاف في حكمه ناشئ عن اختلاف المراد به، ويفرق بين العامي الصرف الذي لا يفقه الدليل والمتعلم الذي يفهم الدليل ووجه دلالته لكنه لا يبلغ رتبة الاجتهاد، فيجعل الثاني أقرب إلى مرتبة الاتباع من مجرد التقليد. ثم يبحث التقليد في مسائل الاعتقاد وفي الفروع، وجواز التمذهب بمذهب معين، وحكم تقليد المجتهد لمجتهد آخر، ويرجح جواز ذلك عند ضيق الوقت أو إذا نظر المجتهد ولم يظهر له حكم يحتاج إلى العمل به. كما يناقش تقليد الأموات في المسائل الاجتهادية، وينبه إلى أن الجمود على فتاوى السابقين من غير نظر في تغير الأعراف والمصالح قد يؤدي إلى خلل في الفتوى، مع قصر ذلك على مواضع الاجتهاد لا الأحكام التي ثبتت بنص صحيح صريح لا معارض له. ثم يبحث التلفيق بمعانيه المختلفة، ويفرق بين تركيب قول جديد انتهى إليه اجتهاد معتبر وبين جمع المقلد للأقوال من غير علم ولا نظر، ويختم بمسألة تتبع الرخص؛ فيرفض اتخاذ الأخف من أقوال العلماء منهجًا دائمًا لمجرد موافقة الهوى، ويوجه عند اختلاف الفتاوى إلى طلب الترجيح والأخذ بقول الأعلم والأورع عند ظهور ذلك. وبذلك يجمع الكتاب بين التأصيل النظري والتطبيق الفقهي، مع إبقاء السؤال عن ثمرة القاعدة ومحل النزاع وصحة تصويره حاضرًا في مختلف أبوابه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














